قضية فلسطينمتابعات وحوارات

تحليل – رمضان ١٤٤٢ هـ وعودة فلسطين

جيل الرباط في أكناف الأقصى يتحدى مفعول النكبة في عقدها الثامن

ــــــــــ

ما الذي يمكن أن نراه من أمل يتجدد ومن عمل هادف، عندما نتابع ما يصنعه أهل الرباط في أرض الرباط، وهو صورة حيّة من السنن التاريخية، السارية المفعول على من يؤمن ويخلص، ويفكر ويعمل، وستظهر النتائج فيما يتوقع من تطورات في المدى القريب والمتوسط  على صعيد قضية فلسطين، وهي القضية المحورية في واقع العرب والمسلمين وواقع الإنسان في عالمنا وعصرنا، كما أنها القضية المنطلق للعمل من أجل مختلف قضايانا المشتركة الأخرى.

ليس ما نشهده جاريا في أكناف الأقصى وبيت المقدس حدثا بسيطا بمعايير استقراء صناعة المتغيرات التاريخية على امتداد العصور الماضية، وهذا مقابل ما “بدا” مهيمنا في المنطقة على نطاق واسع من الإحباط عبر معزوفة اليأس والتيئيس مع كل حدث يقع لدينا ومن حولنا، وهي “معزوفة” مقترنه بالجهود الدائبة فوق كل أرض وتحت كل سماء، لنشر الشعور بالإحباط ولصناعة أسباب العجز صنعا.

لقد تراكمت النكبات المصنوعة بجهود قوى خارجية وداخلية، على امتداد عشرات السنين الماضية، ولم ينقطع حتي العمل على المستوى المعنوي أيضا، فكرا وتخطيطا وتنفيذا، لحصار كل أمل مشروع واغتياله، وتصوير الاستخذاء هدفا، وممارسة التبجح بالتبعية علنا، ومن وراء ذلك كله تصوير فضيلة التفكير منقصة، والدعوة للأخلاق انحرافا، وملاحقة الشرفاء من كل صنف ضمن وسائل عديدة لجلب مزيد من الأرزاء والنكبات على كل صعيد.

وقد سجلنا وسجل العالم معنا انطلاق الثورات الشعبية “من حيث لا يشعرون”، ورغم ما تراكم من أسباب اليأس وممارسات التيئيس، وليس السؤال المطروح هو ما إذا قد عاد التحرك في انتفاضة أخرى في مسار قضية فلسطين، بل هو السؤال عما سيكون عليه حجم الانتفاضة الرمضانية المولد.    

إن الجواب مرتبط بما ينتظر من تأثير ما يجري حاليا على مسار القضية وعموم قضايانا، بعد سياسات الترويج للهرولة الخانعة جمعا وفرادى نحو ما يسمى التطبيع، بين عدو أجنبي يغتصب الأرض وعدو داخلي يعتقل إرادة الشعوب، وهذا باسم واقعية مزيفة وبزعم احترام “شرعية دولية” ليس لها من وصف الشرعية سوى ما هو متوارث عن شرعة الغاب.

يبدو أننا أصبحنا بالفعل في قلب منعطف تاريخي، من علاماته أن ما أعلن من مواقف رسمية بأسلوب روتيني خجول متردد، لا قيمة له بما لا يقاس بمقاييس العدالة والحق والسياسة، ولا بمقاييس التحرك والعمل، ولكنه يكشف عن تخوف كبير من تطور الأحداث في اتجاه جولة أخرى، لأسباب عديدة:

الصلاة في باب العامود رمضان ١٤٤٢ هـ
الصلاة في باب العامود رمضان ١٤٤٢ هـ

١- لأنها جولة انطلقت في العشر الأواخر من رمضان.. ومن شأنها أن تستنزل رحمة الله وعونه.
٢- وجولة أوقدتها استفزازات عدوانية باتجاه المسجد الأقصى المبارك.. وبدا أنها تقرّب بين المسلمين في أنحاء الأرض، وبين المسلمين والمسيحيين محليا، كما بدأت تحرك كثيرا من المنصفين عالميا.
٣- وجولة أسقطت مفعول تهورات ترامب السياسية مع قرينه نيتانياهو بشأن مدينة القدس تخصيصا.. فكشفت أكثر من أي وقت مضى ما يمكن أن يصيب البشرية من مخاطر استمرار السكوت طمعا أو رهبا تجاه سياسات عدوانية.
٤- وجولة ساهمت في اهتراء قيمة خطوات ما سمّي التطبيع من جانب عدة أنظمة تسلطية عربية دون أرضية شعبية.. حتى أن المطبعين قديما وحديثا سارعوا إلى إعلان مواقف سياسية تتناقض صياغة ومضمونا مع سياساتهم وممارساتهم جملة وتفصيلا.
٥- وجولة تفجرت مع مشاعر الغضب من تعطيل مسار المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية نحو انتخابات “وحدة وطنية”.. فبدا وكأن شعب فلسطين يتجاوز كل ما يقال باللسان ولا يجد طريقه للتنفيذ، فكانت وحدة الصفوف الشعبية تتجاوز بمراحل ما يصنعه أو لا يصنعه من يعتبرون أنفسهم في مواقع المسؤولية السياسية بحق ودون حق.
٦- ويتزامن جميع ذلك بالمقابل مع انحسار إمكانية البناء صهيونيا ودوليا على ممارسات نيتانياهو، إذ يستحيل فصلها عن مناوراته ومقامرته لتحقيق منفعة ذاتية فحسب، لا سيما على خلفية ملاحقته ومحاسبته على فساده، هذا فضلا عن مفعول انهيار ما بدا خلال أربع سنوات مضت وكأنه صرح مستقر على العدوان والتطرف مع قرينه ترامب الذي انتهى أمره أيضا.

ليس الأمر أمر معجزة أرضية يمكن انتظارها، وسيخيب أمل من ينتظرها لتطوي بين ليلة وضحاها ما شهدته قضية فلسطين لعدة عقود في منحدرات التراجع والتسليم، ولكن تؤكد النظرة الموضوعية مع استقراء السنن التاريخية، أن ما كان يعبر عن اليأس منذ النكبة الأولى سنة ١٩٤٨م قد بدأ يتقهقر بشكل ملحوظ، وأن جيل المرابطين في أكناف الأقصى وبيت المقدس يستوعب أكثر من أي وقت مضى، كيف يتعامل مع القضية المصيرية المحورية، وما يتطلبه ذلك من إخلاص وعمل وعطاء، ومن إبداع وتعاون وحرص على الإنجاز بعد الإنجاز إلى أن يتحقق ما نتطلع إليه ونفهمه من مقتضى الآية الكريمة:

{حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} – يوسف: ١١٠ –

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى