تحليل – حصيلة ملغومة لأول قمة لمجموعة العشرين (2008م)

مع أزمة الرأسمالية المتشددة

حل أزمة أصحاب المال لا يكفي لحل أزمة الاقتصاد ولا حل أزمة الإنسان

ــــــــــ

(نعايش في عام ٢٠٢٠م أزمة اقتصادية ومالية عالمية من صنع فيروس كوفيد – ١٩ كما يقال، أو هي من صنع التعامل المنحرف من جانب المنهج الرأسمالي المهيمن عالميا مع المال والاقتصاد ثم مع جائحة الوباء. هذا ما يذكّر بالتعامل ذاته مع ما سمّي عام ٢٠٠٨ أزمة الفقاعة المالية في قطاع البناء وقروضه المصرفية. آنذاك جرى نقل مجموعة العشرين من وجودها غير الرسمي منذ تأسيسها يوم ٢٦ / ٩ / ١٩٩٩م إلى وجود تنظيمي رسمي، وهو ما كان أشبه بعملية تسويق أفضل لقرارات كانت وما زالت تؤخذ من فوق المنظمات الدولية، وتتحكم فيها رؤوس الأموال والثروات المتكدسة في أيدي نسبة متدنية من البشر، على حساب الكثرة الكاثرة.. فيما يلي يجد القارئ تحليلا لنتائج أول قمة للمجموعة، كان قد نشر في موقع إسلام أون لاين عقب القمة يومي ١٤ و ١٥ / تشرين الثاني / نوفمبر 2008م وفيه ما يسري عموما على التعامل العالمي مع أزمة ٢٠٢٠م الاقتصادية والمالية وليدة كوفيد – ١٩)

*        *        *

العناصر:

مقدمة – المهم.. داخل أبواب القمة – الأهم.. خارج أبواب القمة – هيمنة المال في صيغة الإصلاح – المال غاية وأدواته البشر والاقتصاد – مسكّنات للغالبية من البشرية – أسئلة دون أجوبة

مقدمة
الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، والرئيس الأمريكي، والرئيس الروسي، ورئيس صندوق النقد الدولي، وغيرهم من “كبار” المسؤولين عن صناعة القرار المالي والاقتصادي والسياسي عالميا، رحّبوا بحصيلة أول لقاء ينعقد على مستوى الدول الصناعية والناهضة، ويضع خطة عمل لمواجهة الأزمة المالية العالمية، وخطوطا عامة للحيلولة دون تكرارها.
الجدير بالذكر أن مجموعة العشرين هذه لم تنشأ الآن بل بصورة فضفاضة في عام 1999م عقب أزمات سابقة، ولكن بقيت مشاركة 11 دولة “ناهضة” قاصرة على اعتبارها “ضيوفا” من وقت لآخر على لقاءات القمم الصناعية، فكان وجودها مقتصرا على جانب من تلك اللقاءات، وفيما يشبه تبادل الاستشارة دون إفساح المجال لتدخلها فيما تقرره الدول السبع أو الثماني من خطوط عامة للقطاعات الاقتصادية والمالية والأمنية والسياسية عالميا.

المهم.. داخل أبواب القمة
هل يمكن التفاؤل مع المتفائلين بأن قمة العشرين حققت الهدف منها، ووضعت حجر الأساس لنظام مالي عالمي جديد بعد إنهاء الأزمة المالية العالمية؟ قد يفيد للجواب ذكر بعض الملاحظات المبدئية:
1- المشاركون في القمة أشادوا بنتائجها، وتفاءلوا بما سينبني على ذلك على أرض الواقع، ويوجد في عناوين النقاط الثلاثين الثابتة في خطة عمل، والعشرين الوقائية المطروحة للبحث، ما يمكن اعتباره مسوّغا لتفاؤلهم بالفعل، هذا في حالة الأخذ بمعيار أنانيّ: قياس النتائج على رغبات المشاركين.
2- ينبغي التنويه أيضا بوجود تفاوت بين حجم ما تحقق من هذه الرغبات عند مقارنة فريق من المشاركين (الأوروبي تخصيصا) بفريق آخر (الأمريكي تخصيصا) ثم الرغبات “المتواضعة نسبيا” لفريق ثالث كالصين والهند والبرازيل، بينما لا يوجد ما يشير إلى تحقيق الرغبات ذات العلاقة باستقرار عائدات النفط كما نسب إلى السعودية، فالمفروض استمرار ربط ذلك بتحسن الاقتصاد العالمي وليس بتخفيض الضرائب على الوقود في الدول الصناعية مثلا، على النقيض من التعامل مع قطاع صناعة السيارات وما يلقاه من دعم رسمي!
3- في النهاية تلاقى الجميع على ما اعتبروه مقبولا لديهم جميعا، وما لا يستبعد على ضوئه أن يسلك النظام المالي العالمي بالفعل طريقا جديدة بعد قمة العشرين الأولى، ولكن العنصر الجديد هو التبدل المنتظر في المعادلات القائمة بين القوى الرئيسية عالميا، إنما لا يوجد جديد يسمح بتوقع حدوث تغيير في المعادلات (أو علاقة الهيمنة) القائمة بين القوى المالية من جهة وبقية قطاعات الحياة الاقتصادية والسياسية وغيرها من جهة أخرى.

الأهم.. خارج أبواب القمة
يبقى السؤال الضروري طرحه عن مسوغات التفاؤل إذا وضعت القمة ونتائجها تحت مجهر أوسع نطاقا، أي بما يتجاوز حدود المشاركين فيها، وهم (عدا مفوضية الاتحاد الأوروبي) حكومات 19 دولة يقطنها أكثر من ثلثي سكان العالم (أكثر من 4 مليارات نسمة، نصفهم في الصين والهند) وتملك زهاء 90 في المائة من إنجازاته الاقتصادية، بينما يبقى خارج هذا الإطار زهاء ثلث سكان العالم (أكثر من ملياري نسمة) في أكثر من 180 دولة، يبلغ حجم إنجازاتها الاقتصادية زهاء 10 في المائة.
1- نحتاج في تقويم الحصيلة الإجمالية أولا إلى نظرة أعمق، فالحديث عن عضوية 19 دولة صناعية وناهضة لا يصح دون الإشارة إلى أن من يتحكم بالإنجازات عبر “أداة المال” لا يمثل المليارات الأربعة من السكان، بل ما لا يصل إلى 10 في المائة منهم قطعا، والباقي فئات فقيرة تمثل إجماليا النصف أو أكثر، ثم الطبقات المتوسطة التي تحمل الإنجازات على عاتقها، وحجمها مختلف بين دولة وأخرى.
2- ونلاحظ لتحديد معالم الصورة الإجمالية أيضا أن اللقاء تناول – وفق العنوان المقرر له – إصلاح النظام المالي العالمي، وكلمة إصلاح هنا دقيقة المعنى، فليس فيها ما يعني “تعديله” وإنما المطلوب اتخاذ إجراءات وتثبيت آليات إضافية ليخرج من عثرته الخطيرة، ويعود إلى سابق عهده، ولا يتعثر في مرة تالية. بتعبير آخر: إذا كان الخلل كامنا في جذور هذا النظام القائم منذ الحرب العالمية الثانية، ولم يطرأ عليه سوى تعديل طفيف في سبعينات القرن الميلادي العشرين، فإن هذا الخلل لم يكن موضع البحث، بل لا يراه المشاركون في القمة خللا، إنما رأوا الخلل في خروج التطبيقات العملية على القواعد الأساسية المثبتة من قبل، وبالتالي فهم يعملون على وضع ما يكفل عدم خروجها على تلك القواعد مجددا.
3- لا بد في تقويم الحصيلة أيضا من ملاحظة أن الأزمة على صعيد العلاقات والممارسات المالية بدأت بالفعل تتحول إلى أزمة على صعيد العلاقات والممارسات الاقتصادية والتجارية، فأصبحت تهدد ما يوصف بالقيمة العينية للإنجازات الاقتصادية بالخطر. لم تعد مشكلة قطاع السيارات في البلدان الصناعية مثلا مقتصرة على عدم الحصول على قروض من المصارف المالية، بل أصبحت تشمل انخفاض منسوب التصريف، وبالتالي خفض منسوب الإنتاج، مع ما يترتب على ذلك من خسارة للعائدات على مستوى الدولة الصناعية المنتجة، ومن ارتفاع نسبة البطالة فيها، ووصول الأخطار إلى مزيد من القطاعات الاقتصادية ذات العلاقة بصناعة السيارات. جميع ذلك لا يرتبط بالنظام المالي العالمي بل يرتبط بالنظام “الاقتصادي” العالمي القائم على الرأسمالية، الموصوفة بالسوق الحرة، وهذا ما لم يكن أصلا موضع البحث في قمة العشرين، فإن كان الخلل قائما فيه أيضا، فالمشاركون في القمة لا يدّعون لأنفسهم ابتداءً أن حصيلتها ستعالج هذا الخلل.

هيمنة المال في صيغة الإصلاح
إذا بقينا مبدئيا في نطاق الجانب “المالي العالمي” الذي تناولته القمة، فلن يمكن النظر عبر مقالة أو حتى بحث مصغر في البنود الخمسين لحصيلتها بندا بندا، ولكن يمكن إيجاز تبويبها تحت عناوين رئيسية ثم تناول ما جاء حول بعض البنود كأمثلة على سواها.
المحاور الأربعة لحصيلة القمة هي:
١- تشديد الخطوط العامة المقررة لما يسمّى “منتجات مالية” معقدة في ميدان المضاربات (وهي ما سلك أسلوب التوريق فيها سبلا متشعبة مبتكرة وخطيرة).
2- تشديد قواعد عمل “أجهزة الرقابة”، وتحديدا على وكالات “التصنيف الائتماني” التي تراقب الوضع المالي على مستوى الدول والمؤسسات (وهي التي لم تفلح في التنبؤ بالخطر أو لم تكن – بسبب تركيبتها – مؤهلة لذلك أصلا).

٣– تشديد الأنظمة المتعلقة برؤوس أموال المصارف المالية التي تمنح الزبائن قروضا على أساس المخاطرة (وهذا أصل البلاء في الأزمة الأخيرة).
4- تشديد الأنظمة السارية على المؤسسات التي تعمل في قطاع المضاربات في الدرجة الأولى (والمضاربات لا تلعب بالأسعار فقط بل يمكن أن تصنع أزمات كأزمة جنوب شرق آسيا أو الأزمة الأوروبية قبل قيام منطقة اليورو).
وشمل البيان الختامي:
1- تحديد أسباب الأزمة في مبالغة بعض المصارف والمؤسسات المالية في السعي للربح والاستعداد للمخاطرة ونشر “منتجات مالية” محاطة بالغموض، مع لوم حكومات صناعية تأخرت في وضع أنظمة مناسبة للأسواق المالية (أي تبرئة المبادئ والقواعد وحصر السبب في التطبيقات وفي عدم الالتفات إلى مخالفاتها).
2- يترك للحكومات الوطنية العمل على تحقيق النمو الاقتصادي، وعلى مزيد من الشفافية وضبط المراقبة وربط مكافآت مدراء عمل المصارف المالية بدعم استقرارها ماليا وليس بتحقيق أرباح سريعة (أي التمسك بأرقام النمو الاقتصادي هدفا ومقياسه، ومحوره الحاسم هو أرباح الشركات والمؤسسات المالية والامتناع عن ضبطه بقواعد مشتركة دوليا).
3- مشاركة الدول الناهضة أكثر في صناعة القرار في صندوق النقد الدولي ومنتدى الاستقرار المالي وزيادة موارد الصندوق والمصرف المالي العالمي لتقديم قروض للدول الناهضة والنامية بما يمنع من زيادة عمق الأزمة المالية (أي تحديد هذه المشاركة بتحقيق هدف معين يرتبط بالأزمة).
4- زيادة رقابة حكومات أهم الدول المعنية على أهم المؤسسات المالية الدولية والعمل في المدى المتوسط للتخلص مما يسمى “واحات ضرائبية” تجلب رؤوس الأموال إليها (أي معالجة الخلل فيما بين القوى الدولية الأكبر ماليا، وهو ما يمس التوازن الأوروبي – الأمريكي تخصيصا).

المال غاية وأدواته البشر والاقتصاد
جميع هذه المحاور والبنود تتلاقى – كما كان متوقعا.. وندع الأمنيات جانبا – على قاسم مشترك هو تمكين النظام المالي العالمي القائم على الفكر الرأسمالي من الوقوف على قدميه مجددا بعد أن أصابته الانهيارات المتوالية إصابة بالغة، وهو في الأصل النظام الذي اعتمد ويعتمد على تراكم الثروات المالية في أيدي نسبة محدودة تسيطر على التصرف بها، استثمارا وإقراضا وتشغيلا لعجلة الإنتاج بهدف زيادتها، أي زيادة الثروات الذاتية، وضغطا على تكاليف الإنتاج كالأجور وأسعار المواد الخام، لتحقيق أرباح مرتفعة.
لهذا يثبّت إعلان قمة العشرين أسباب الأزمة المالية العالمية في نطاق “تصرفات خاطئة” من جانب مسؤولين في مصارف ومؤسسات مالية، ولا يتعرض لوجود خطأ أو احتمال وجوده في صلب “قواعد اللعبة” في النهج الرأسمالي، وهي التي تسمح بتلك التصرفات الخاطئة ابتداء.  
بتعبير آخر.. عملية الإصلاح لا تتخلى عن تحوّل المال من أداة للتعامل في تبادل السلع والخدمات، إلى غاية بحد ذاته، فأصبح من يمتلكها يتحكّم في عالم السلع والخدمات كأدوات لزيادة ثروته، وبالتالي في عالم البشر الذين ينتجون ويستهلكون تلك السلع والخدمات.

عند الدخول في التفاصيل نجد هذا الإطار العام يتحكم في اختيار الدواء لمعالجة عوارض المرض، أي اختيار الإجراءات لمواجهة جوانب الأزمة.
من ذلك مثلا: فكّ ارتباط “العطاءات الإضافية” لمدراء المصارف المالية (أي المكافآت زيادة على الراتب الأصلي الذي يصل أحيانا إلى أكثر من مليون شهريا) بتحقيق المدير المعني للربح السريع لصالح المصرف المالي، وبالتالي بجرأته على مخاطرة أكبر، تركزت واقعيا في ظاهرة التساهل في إعطاء القروض. البديل المطروح هو ربط العطاءات الإضافية بتحقيق الربح للمصرف على المدى البعيد.
معنى ذلك أنّ المطلوب أساسا هو ألا ينهار المصرف، ولا علاقة لذلك بمنظور الزبائن المقترضين، أي عامة المستهلكين من عامة المواطنين في بلد ما، ولا حتى عامة المستثمرين من الطبقة المتوسطة التي تحمل البنية الاقتصادية على عاتقها.
تكتمل هذه الصورة بالمذكور في البيان عن تشديد الالتزام بأنظمة القروض، التي اعتبرت الشرارة الأولى للأزمة عندما اندلعت مع انهيار عدد ضخم من القروض الفاسدة للرهونات العقارية الأمريكية، والمفروض أن لهذه الشرارة وجهين:
أحدهما مسلسل سقوط المصارف التي استعادت العقارات ولكن لم تعد قادرة على بيعها (المعتاد في غياب الأزمة) بما يعوّض ما لم تحصّله من سداد القروض..
والوجه الثاني فقدان عدد كبير (ملايين) من المواطنين لمساكنهم.

قرار قمة العشرين بتشديد الالتزام بأنظمة إعطاء القروض حسب البيان يعني على أرض الواقع أن شراء مسكن أو سيارة وغيرها مما يريده “المواطن العادي” ولا يستطيع الإقدام عليه دون قروض، سيكون أشد صعوبة عليه مستقبلا، ومن شأن ذلك وقاية المصرف المالي من أزمة مالية عبر تجنبه ما يوصف بفساد القروض، ولكن لا يوجد في حصيلة القمة ما يرتبط بتأمين المقترضين أنفسهم، أي إيجاد بدائل لهم للحصول على مسكن أو سيارة أو ما شابه ذلك، فهذا ما لا يشمله “إصلاح” النظام المالي العالمي ولا النظام المالي على مستوى كل دولة رأسمالية على حدة.

مسكّنات للغالبية من البشرية
يلفت النظر أن الأمين العام للأمم المتحدة طالب قمة العشرين بعدم إغفال مصالح الدول النامية، منوّها بما سبق من مؤتمرات دولية وخطط كبرى لمكافحة الفقر والمرض والتخلف، وبقائها دون تمويل ولا تنفيذ ولا اهتمام حقيقي حتى الآن. ولكن عندما أشاد الأمين العام للأمم المتحدة بحصيلة قمة العشرين، لم تتضمن إشادته تلك ذكرَ ما طالب به، ولو استجيب لطلبه لكان ذلك على رأس ما يذكره بعد القمة!
الاستجابة إذا تحققت فقد انحصرت في نطاق الدول “النامية الناهضة” المشاركة في المؤتمر، فهي التي يتكرر ذكر مشاركتها في صنع القرار.. مع بقاء ذلك في إطار معين، وهو ما يشير إلى أن الدول الصناعية أصبحت من قبل الأزمة في حاجة إلى “طاقات” هذه الدول، فحجم التبادل التجاري، والحركة المالية والمصرفية قروضا واستثمارات، إضافة إلى ضخامة الاحتياطيات النقدية، جعل من الدول الناهضة عنصرا مؤثرا على الدول الصناعية، وبات تجاهلها مصدر خطر مستقبلي، فلا بد من احتوائها بما يحقق مصلحة الطرفين، ويمنع من احتمال إقدامها على إجراءات تتجاوز حدود التنافس إلى الصراع، مثل توظيف احتياطات الدولار الأمريكي في الصين لاصطناع أزمة مالية، كما صنع مضاربون أمريكيون في جنوب شرق آسيا من قبل.  
أما الدول النامية فبقيت العبارات الواردة في إعلان قمة العشرين تحمل صياغة غامضة غموض صياغة عبارات مشابهة في قمم عالمية ماضية، كالحديث عن “دعم الدول النامية التي تنوء تحت ثقل الأزمة المالية” دون تحديد شكل الدعم ومواطنه، ولا التنويه بالمطالب التقليدية للدول النامية، كفتح الأسواق الصناعية أمام منتجاتها والتخلص من أسباب حجر وصول التقنيات الحديثة إليها.
ولا يغير من ذلك شيئا التوجيه العام بصيغة غامضة أيضا “أن يضع المصرف المالي العالمي برامج لتحقيق تنمية مستديمة في البلدان النامية والناهضة” فليست هذه هي المرة الأولى التي يذكر فيها هذا الهدف، ولا يوجد نقص في البرامج الجاهزة للتنمية المستديمة، إنما النقص في الإرادة السياسية والمالية للتمويل.

هذا دون إغفال المسؤولية المباشرة في النسبة الأعظم من الدول النامية ولا سيما الأفقر من سواها، والمتمثلة في تحالف التسلط السياسي مع التسلط المالي والاقتصادي على حساب غالبية السكان، وهنا بالذات تأتي حلقة الوصل بين هذه المسؤولية المحلية والمسؤولية الدولية، فتحت عناوين حرية التجارة والاستثمارات والسوق الحرة والخصخصة وما شابه ذلك، ارتبط هذا التحالف المحلي بالقوى المالية الدولية من مصارف وشركات “خاصة” كبرى، ارتباطا قائما في كثير من قطاعاته على الفساد والرشوة، دون أن تشمل التشريعات القانونية في دول المنشأ ما يمنع من ذلك ما دام لا يؤثر داخليا عليها.
بل يصل الأمر هنا إلى حدود ارتكاب جرائم خطيرة، عند التصريح مثلا بصناعة مواد صيدلانية وكيمياوية بغرض تصديرها إلى دول نامية لا تمنع الطبقة الحاكمة فيها من استيراد تلك المواد، مع أنها مواد محظورة في دول المنشأ منذ سنوات عديدة بعد ثبات ضررها بالإنسان والبيئة.

أسئلة دون أجوبة
إن حصيلة قمة العشرين جعلت منها محاولة الإبقاء على نظام مالي عالمي فاسد من جذوره وقائم على بنية هيكلية لنهج رأسمالي فاسد من جذوره.
تأتي محاولة الإبقاء تحت عنوان الإنقاذ بعد أن تجاوزت مطامع صانعي القرار المالي حدود التأثير السلبي على المليارات من البشر، خارج حدود عالم الأثرياء، سواء من الغالبية العظمى في الدول النامية أو من الفئات الفقيرة في الدول الصناعية، فأصبح لنتائج تلك المطامع أثرها السلبي المباشر على البنية المالية والاقتصادية الذاتية في العالم الرأسمالي.
من خلال هذا المنظور يتفاءل صانعو قمة العشرين بقابلية الحد من تأثير تلك المطامع محليا، وقد يتحقق لهم نجاح جزئي ومؤقت بهذا المنظور، ولكن استفحال الخطر، ووصوله إلى البنية الهيكلية الرأسمالية، يدفع إلى القول إن ما طرحته قمة العشرين من صيغ للعلاج، بقي في حدود التعامل الجزئي مع بعض الظواهر المرضية، ولم يصل حتى إلى معالجتها فيما تسبب من أخطار محلية في الدول الرأسمالية نفسها، بما في ذلك مواجهة الانكماش الاقتصادي الذي بات من المحتم أن يكون أعمق مفعولا وأطول تأثيرا من سائر ما كان يعرف بفترات الانكماش والركود مقابل النمو والانتعاش في العقود الماضية.
أما الإصلاح بالمعنى التجديدي لنظام مالي عالمي ونظام اقتصادي عالمي، حافلين بالخلل والمظالم وصناعة المآسي الجماعية فقرا وجوعا ومرضا في حياة “الأسرة” البشرية، فهو هدف يبقى قائما، ولا علاقة له بقمة العشرين، إذ كان أمامها فرصة التعرض لذلك ولو من قبيل صياغة أهداف بعيدة المدى، ولم تفعل، فلم تقدم ولم تؤخر شيئا على طريق الإصلاح التجديدي الحقيقي المفروض، والذي ينتظر سلوكه بأسلوب آخر، قد لا يتحقق دون أن تشهد البشرية من الأحداث وربما الحروب ما يفرض التغيير فرضا، كما كان في معظم التطورات المفصلية الكبرى في تاريخ البشرية.
ولئن كان المضمون في المسيرة الرأسمالية وحقبة توحشها وعولمتها هو الفاسد، فالإبقاء عليه يقوم على وجود قوى وجهود كبرى مبذولة من أجل ذلك، فيبقى بالمقابل التنويه بتفاؤلنا من منطلق إسلامي وإنساني ومواصلة رفع شعارات تؤكد أن الإسلام يتجاوز بمبادئه حدود المسلمين ويشمل مشكلات البشرية عموما، ولكن أين هي القوى والجهود الكبرى الضرورية التي تبذل لتصبح المبادئ موضع تطبيق؟ وأين الرؤى والتصورات والصيغ العامة والمشاريع الحضارية الضرورية على هذا الطريق؟

نبيل شبيب

إغلاق