تحليل – بين انهيار مشروع حفتر في ليبيا وقضية سورية

دور تركي إقليمي على خلفية التحرك المضاد للثورات

لا تغير نتائج التحرك التركي في ليبيا كثيرا من تموضع الوجود التركي على ساحة التعامل مع سورية وثورة شعبها

ــــــــــ

تؤكد المعطيات في ليبيا أن الموجة الأخيرة من تحرك حفتر منذ ربيع سنة ٢٠١٩م للسيطرة عسكريا على كامل ليبيا قد انهارت واقعيا، وكان قد اتضح مبكرا أن هذا التحرك مشروع عسكري قد ولد في محاضن عدد من القوى الدولية والإقليمية التي دعمت حفتر في مسار عسكرة الوضع في ليبيا، وهو ما أسقط مصداقية اتخاذ بعضها موقفا رسميا آخر بصدد مشروعية الحكومة المركزية في طرابلس، التي حملت وصف حكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

حفتر على منحدر التحرك المضاد للتغيير

لا ينبغي إغفال معطيات محلية للوضع الآنيّ في ليبيا على خلفيات تاريخية وقبلية، ولا الاستهانة بمفعول هشاشة الدولة وتدميرها في عهد القذافي، إنما يتركز الحديث هنا على عوامل خارجية أخرى لتفسير تلاقي تلك القوى على دعم حفتر رغم إخفاقه عسكريا في عهد القذافي لا سيما عبر ما عرف بحملة تشاد، وفي مقدمة تلك العوامل الخارجية:

١- النفط:
كان في محور الموجة الأخيرة لتحرك حفتر عسكريا هدف السيطرة على مصافي النفط في غرب ليبيا وموانئ تصديره في الشمال، علاوة على آبار إنتاجه في أنحاء البلاد لا سيما في الجنوب، فالدول المستوردة كفرنسا تنتظر ثمن الدعم  لاحقا بالقدر الذي يحقق مطامع استغلالية تتجاوز حدود المصالح المتبادلة المشروعة، ويسري شبيه ذلك على توقعات التحالف الثنائي السعودي – الإماراتي أن يكون ثمن دعم حفتر لاحقا عبر صياغة القرار النفطي الليبي بما يضمن سيطرة التحالف الثنائي على قرارات التجارة بالنفط الخام، في حقبة تشهد تقلبات كبرى في الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية والبديلة والصراع عليها.

٢- خدمات استخباراتية:
في حال السيطرة الاستبدادية عسكريا على ليبيا على حساب مسار الثورة التغييري منذ ٢٠١١م، يمكن لنظام عسكري يقوده حفتر أن يضمن استمرار خدماته لصالح الاستخبارات الأجنبية ومضاعفتها على حساب شعوب المنطقة العربية والإفريقية، ولا قيمة هنا لسقوط مصداقية ذريعة مكافحة الإرهاب، التي بات يتكرر إعلانها عنوانا لكل حديث يطرح عن تعاون استخباراتي.

٣- قهر الإرادة الشعبية:
لا يخفى أن مشروع حفتر العسكري لا ينفصل عن العديد من مشاريع التحرك الإقليمي والدولي، المضاد لتحرير إرادة الشعوب العربية عموما وعبر مسار ربيع الثورات الشعبية تخصيصا، وهو تحرك يصنعه تلاقي الاستبداد الدولي مع استبداد محلي عبر أنظمة تخشى من سقوط هذه المنظومة الثنائية في أي بلد في المنطقة، وانتشار ذلك عبر الحدود، مما يوصف بعدوى التحرر.

٤- عسكرة الاقتصاد:
يتبع لما سبق تعزيز المساعي الإقليمية والدولية لعسكرة السيطرة على شبكة المال والاقتصاد، وهي صيغة متقدمة على ما صيغة مهترئة سابقا، كانت تعتمد على مرتكزات التضليل وشعارات التحرير المخادعة، في التعامل مع القضايا الكبرى كالتخلف والتجزئة، فضلا عن قضية فلسطين المحورية، وهي صيغة سبق الإعداد لها في مصر قبل سواها، منذ نكبة كامب ديفيد في أواخر السبعينات من القرن الميلادي العشرين

حدود التحرك التركي بين ليبيا وسورية

اتخذ التحرك المضاد للثورات الشعبية التغييرية مسارات متعددة، بين أقصى الضغوط مقابل البقاء الثوري ضمن خيارات سياسية محلية متاحة، كما في تونس، وبين استخدام القوة المسلحة الباطشة من داخل الحدود وخارجها، كما في سورية واليمن، وبين صناعة انقلاب عسكري كما في مصر لخنق ثورتها الشعبية الحضارية المتميزة.
أما في ليبيا فاتخذت الثورة الشعبية واتخذ التحرك المضاد صيغة متميزة بذاتها.
وعلى خلفية ذلك نجد أن التحرك التركي حقق في ليبيا نتائج كان مستحيلا السعي لتحقيق ما يشابهها في اليمن مثلا، كما كانت عسيرة التحقيق نسبيا في سورية. ولهذا أسبابه ومن أهمها ما يدور حول محورين اثنين:

١- مسألة “الاعتراف الدولي”:
– اعتمد تبرير تركيا لدعم حكومة الوفاق على حجة الاعتراف الدولي بها..
– توافر شبيه ذلك لحكومة “الشرعية” في اليمن ولكن استحال التدخل التركي بحجة مشابهة لاستحالة الاعتماد على دول الجوار اليمني التي ارتبط تدخلها بمطامع نشر هيمنة ذاتية وبالتالي العمل لإخماد الثورة الشعبية، وإن اقترن ذلك بهدف مواجهة توسع النفوذ الإقليمي الإيراني..
– كذلك فقد توافر شيء من ذلك “الاعتراف الدولي” لبعض مؤسسات ما يوصف بقوى المعارضة في سورية، إنما كان مهزوزا من البداية لأسباب متعددة ووارى بعضه العداء في ثياب الصداقة للشعب الثائر، فلم يكن عامل الجوار التركي – السوري كافيا لتحقيق نتائج حاسمة كما في ليبيا.

٢- مسألة “الدور الروسي”:
– كان تصعيد حجم التحرك التركي في سورية متزامنا مع التدخل الروسي العنيف في نهاية ٢٠١٥م، ولم تتوافر على امتداد السنوات التالية إمكانات مواجهته بصورة مباشرة من جانب تركيا، فطوال تلك الفترة كان التحالف الروسي – الإيراني ميدانيا وفاعلا، بينما كان تأمين “ظهر” تركيا أطلسيا أمرا محظورا..
– مقابل ذلك كان تصعيد التحرك الروسي عسكريا في ليبيا “نذير خطر” على الوجود الأطلسي في جنوب أوروبا وعلى امتدادات النفوذ الغربي الاستغلالي في إفريقية، وهذا مما ساهم في تضييق الخناق سياسيا وعسكريا على مشروع حفتر العسكري، وعلى من اعتمد عليه ودعمه من القوى الغربية وقوى إقليمية أخرى مرتبطة بالغرب.

الحصيلة

لن تغير نتائج التحرك التركي في ليبيا كثيرا من غياب دور تركي في ساحة اليمن، ربما باستثناء احتمال التحرك أكثر على صعيد مواجهة الكارثة الإنسانية المرعبة.
كذلك لن تغير تلك النتائج كثيرا من محدودية مفعول الوجود التركي على ساحة التعامل مع سورية وثورة شعبها، وإن ظهر شيء من ذلك فقد يكون “معنويا” يثير التفاؤل فحسب، أما العوامل التي لعبت دورها في سورية من قبل فما تزال قائمة، لا سيما وأن ما يظهر من انفتاح غربي جزئي على دور تركيا في قضية ليبيا “جنوب السواحل الأوروبية / الأطلسية” لا يتوقع مثله في قضية سورية ومستقبلها.
عامل واحد يمكن أن يوثر إيجابيا على معضلة المعادلة السلبية الحالية في سورية، وقد كان العامل الأهم والغائب منذ بداية الثورة الشعبية ولا يزال، وهو تلاقي ما يوصف بقوى الثورة وقوى المعارضة في سورية تلاقيا حقيقيا على أرضية قواسم مشتركة في نطاق هدف التغيير الثوري، وتأجيل نقاط الافتراق والاختلاف التفصيلية، المتعددة الأسباب والأشكال، إلى ما بعد استعادة الوطن وسيادته ومستقبل الشعب وكرامته وحريته، وترجمة ذلك التلاقي بصياغة خارطة طريق مشتركة لمسار تغييري هادف، يراعي مصالح الجميع، ولا ينطوي على ثغرات تسمح بترسيخ منظومة الفساد والاستبداد، المحلية والإقليمية والدولية بصيغة أخرى.

نبيل شبيب

إغلاق