تحليل – بيت المقدس والأرض المباركة

التركيز على المقدسات واجب دون تضييع الثوابت

النكبة نكبة واحدة كبرى والمسجد الأسير في بيت المقدس جزء منها

ــــــــــ

لا شكّ أن قضية أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم هي في المقدمة من بين المسائل العديدة ذات العلاقة بمسارات قضية فلسطين، ولكن لا ينبغي أن تطغى هذه المسألة الجوهرية الأولى على حساب سواها في القضية الكبرى.
التركيز واجب على مدينة بيت المقدس وعلى المسجد الأقصى المبارك فيها بما فيه من مساجد ومدارس ومنشآت وأروقة وباحات، ولكن من أوجب الواجبات أيضا عدم إغفال ثوابت أساسية أخرى في القضية المصيرية.

عقبات – تضليل – تفريط – ثوابت

عقبات

على افتراض قابلية تحقيق هدف جزئي: تحرير شرق المدينة المغتصبة وإعلان وتحصيل بعض الحقوق، ولكن مع استمرار ويلات الاحتلال ومحنة التشريد، فالمرفوض هو “جرّة قلم” واحدة في اتفاق باطل، تستهدف محو ما عدا ذلك من أرض الأنبياء المباركة، من ذاكرتنا البشرية، وهمساتنا الأدبية، ومصطلحاتنا الفكرية، ومن خرائط الجغرافيا وسجلات التاريخ ومناهج تدريس الأجيال المقبلة.
ليست قضية فلسطين قضية بيت المقدس فقط، وليست قضية المسجد الأقصى المبارك فحسب، وليست قضية قضية حدود النكبة الثانية عام ١٩٦٧م، ولا يمكن أن يستوي منطقا ولا واقعا أن ندفع ثمن جزء من الحقوق الأصيلة بجزء آخر من تلك الحقوق نفسها.
إنّ ما يُصنع على صعيد قضية فلسطين يهدم أرضية مبادئ الشرعية الدولية، عبر منطق القوّة الغاشمة (وهو طريق أوصل في هذه الأثناء إلى تعامل المسؤولين عن منحدر السقوط مع شطحات ترامب).

تضليل

من بين الأساليب المتبعة للتحويل الاستغراق في التركيز على قضية القدس بالذات تمهيدا لتضييعها بعد سواها من أجراء القضية:
– ادعاء أنها سبب رفض تسويات ما -مثل كامب ديفيد الثانية- وتغييب أنها كانت تسويات تسليم وليس تسويات تحرير
– ادعاء وضعها في ملف مرحلة تالية -كما قيل بشأن أوسلو- وتغييب أن مسيرة أوسلو باطلة من حيث الأساس وتستهدف ثوابت القضية وأسسها
– ثم مسلسل تصريحات حماسية دون مضمون
هذه أساليب تصطنع مسرحا، فيه طرف يمارس عدوانه وآخر يدافع بلسانه، والحصيلة متابعة التدهور على منحدر التسليم.

إن مكانة بيت المقدس هي “الورقة” الأنسب من سواها لفصول هذه المسرحية البائسة، فبدعوى الدفاع عن جزء من بيت المقدس، يمكن تمرير نكبات أخرى في مسار القضية.

والصورة التاريخية الثابتة هي:

النكبة نكبة واحدة كبرى وبيت المقدس جزء منها، لا ينفصل عن الأجزاء الأخرى من النكبة.

ومن عناصر القضية المصيرية:

١- قضية المشردين.. وهي قضية كل مشرد وذريته، وليس قضية فريق دون فريق
٢- قضية الحدود.. وهي قضية الأرض التاريخية وليست حدود نكبة ٤٨ أو نكبة ٦٧ أو ما قبلها أو ما بعدها
٣- قضية السيادة.. وهي قضية سيادة شعب مستعمر ومشرد تتحقق عندما تشمل كامل أرضه وأجوائها ومياهها وباطنها وظاهرها، وتكون سيادة كاملة غير منقوصة
ومعظم ما شهدت القضية من مناورات متتالية حول “القدس والأقصى” تخصيصا، يستخدم في التغطية على بطلان ما يصنع على أجزائها الأخرى.

تفريط

إذا كانت السياسة فنّ الممكن فليس ما يُصنع في قضية فلسطين هو الممكن، بمقياس ما نملك من إمكانات هذا الجيل وأجيال مقبلة في أرض فلسطين وما حولها.
إذا كانت السياسة فنّ التعامل مع الواقع فلا يجوز التعامل مع الواقع بلغة التسليم لكل واقع جديد يصنعه سوانا ولغة الإحجام عن صنع واقعنا ومستقبلنا على أرضنا بأنفسنا ووفق ثوابتنا وأهدافنا المشروعة.
إذا كانت السياسة فن التفاوض على حلول وسطية، فقد بدأت مسيرة التصفية بكاملها على طريق التخلي عن مادة المفاوضات قبل الشروع بها، مرة بعد مرة، فكان الاعتراف الواقعي فالرسمي، وكان تخفيف المقاطعة وفتح الثغرات باسم “التطبيع”، وانقلب التفاوض ليدور حول جزء من الحقوق المغتصبة ثم على جزء من ذلك الجزء من الحقوق المغتصبة، وهو ما ينعكس الآن في الحديث عن شطر من القدس وشطر من الشعب وشطر من الأرض وشطر من السيادة.

قضية فلسطين مصيرية لا تمسخ لتحشر في قالب سياسي محض، ولئن تعاملت السياسة وأهلها على هذا النحو، فلا ينبغي اتباعها في ذاكرتنا التاريخية وتطلعاتنا المستقبلية، وفي حياتنا الفكرية والثقافية ومناهجنا التربيوية وإبداعاتنا الفنية والأدبية، مع التأكيد أن القدس كالأرض المباركة بكاملها، إنما تضيع عند تحويل قضية فلسطين في أنفسنا وفي حياتنا اليومية إلى مجرّد مشكلة أو مجرد معركة سياسية.

ثوابت

يجب من وراء كل حديث ومفاوضات واتفاقات رؤية ما يجري أنه يتناقض من الجذور، مع حقنا العقدي الديني،

وحقنا البشري التاريخي وحقنا الإنساني الحضاري ومع القانون الدولي العام وفق نصوص مبادئه الثابتة التي لا تقبل التزوير بقرارات “هيئة تنفيذية” مثل مجلس الأمن الدولي، فقراراته لا تكتسب المشروعية إلا بمقدار ما تتفق مع تلك النصوص، كحق تقرير المصير وبطلان اغتصاب الأراضي بالقوة.

إنّ بيت المقدس لا يفرض علينا أن نتابع الآن ما الذي يُصنع به على موائد مفاوضات محتملة لا تكافؤ فيها، ولا مشروعية من ورائها، وهل ستسفر تلك المفاوضات عن سيادة شكلية أم فعلية، على هذا الحي أو ذاك، وهذا الموضع أو ذاك من المدينة المغتصبة، بل يفرض العمل على خطين متوازيين:

(١) خط الحفاظ على أصالة قضية فلسطين ومكانتها المشروعة، في أعماق القلوب والعقول، جيلا بعد جيل، وفي كل إنتاج فكري وأدبي ينقل أمانة القضية من جيل إلى جيل
(٢) وخط الإعداد عبر أسباب القوة بمختلف أشكالها، فما اغتُصب بالقوة لا يُستعاد إلا بالقوة، ولن يُرهب الغاصبين ويوقف توسعهم، إلا ما نعد من القوة.

نبيل شبيب

إغلاق