لغتنا – الهيمنة اللغوية ومستقبل العربية

على هامش اليوم العالمي للغة العربية

تتعرّض الأقليات للاضطهاد الثقافي/ اللغوي، كما تتعرّض اللغة العربية الأمّ للأكثرية الكبرى للخطر لحساب لغة أصبحت بحق “لغة استعمارية”

ــــــــــ

تقرر في يوم ١٨ كانون الأول / ديسمبر، من عام ١٩٧٣م اعتبار اللغة العربية من اللغات الرسمية المعتمدة في الأمم المتحدة وفروعها، وذلك بعد جهود بذلتها المملكة المغربية ثم بناء على طلب رسمي مغربي / سعودي. وسبقت ذلك قرارات أخرى لاستخدام العربية في المؤتمرات وفي ترجمة الوثائق الدولية، أما اعتبار اليوم نفسه يوما عالميا للغة العربية فقد تقرر عبر المنظمة العالمية للثقافة والعلوم “اليونيسكو” بين عامي ٢٠١٢ و٢٠١٣م. وتعتبر اللغة العربية اللغة الأم لما يناهز ٤٥٠ مليون نسمة، وتأتي في المرتبة الرابعة استخداما عبر شبكة العنكبوت، ولا يتهددها الانقراض لتوصف باللغة الميتة، كما يهدد لغات سواها من اللغات “الأم” للناطقين بها، إذ يشمل هذا الخطر زهاء ٣٥٠٠ لغة من حوالي ٦٠٠٠ لغة ولهجة محلية في أنحاء العالم، ولكن يتهدد لغتنا العربية خطر “التغريب اللغوي”، ويعني ذلك أن “يترنح” تعلمها واستخدامها، فنعجز عن استخدامها لأداء الدور المنتظر منها، وهذا ما يدور الحديث عنه في هذا المقالة من عام ٢٠٠٧م.

اليوم العالمي للغة العربيةيوم “اللغة الأم” كاليوم العالمي للغة العربية، ضرب من ضروب التذكير بأحد الميادين الرئيسية للحقوق الإنسانية الأصيلة، فلكل إنسان حق استخدام لغته الأم، وحق اعتمادها في عطائه الأدبي والثقافي، وحق تعليمها لأطفاله وناشئته، وحق استخدامها وسيلة ارتباطٍ بتاريخ قومه الثقافي الحضاري، وجميع ذلك معرض للهدر عندما تتغلب نزعة الهيمنة داخل بلد من البلدان على تلك الحقوق، فيُحرم أصحابها منها، والحرمانُ محضن من محاضن الكبت وأسباب الحقد ودواعي الثأر، فكأن من يمارسون ذلك يزرعون بأنفسهم بذور الفتنة بين مواطني بلدهم، ودواعي الصراع بين فئاته المتعددة، ولا يكاد يوجد بلد إلا وفيه أكثر من قوم وأكثر من فئة سكانية، فالظلم قائم ممتد على مساحة واسعة من المعمورة.

على أننا في المنطقة الناطقة بالعربية عموما، نشهد صورة من “الظلم اللغوي الثقافي” ومن هدر حقوق الإنسان أبعد من كل ما سبق، فهنا لا يقتصر الأمر على ظلم فئات سكانية كبيرة تتحدث بلغات أخرى، مثل الأكراد والبربر/ الأمازيغ فحسب، بل أصبحت الممارسات اليومية شكلا أوسع نطاقا من أشكال هدر حقوق الإنسان مما لا يكاد يوجد له مثيل في أي منطقة أخرى من مناطق المعمورة، إلا فيما عرفه التاريخ على حساب الهنود الحمر في نطاق إبادة وجودهم، الفعلي لا اللغوي والثقافي فقط، في قارة كبرى بكاملها وليس في بلد واحد، إلى درجة تسميتها “العالم الجديد” وكأنه لم يكن فيها بشر لهم حقوقهم ووجودهم من قبل.
في البلدان العربية تتعرض الأقليات القومية أو اللغوية للاضطهاد الثقافي / اللغوي، كما أصبحت تتعرّض له اللغة العربية نفسها وأهلها أيضا، أي اللغة الأم للأكثرية السكانية الكبرى، لحساب لغة أصبحت بحق “لغة استعمارية”، سواء بمقاييس وصف “الاستعمار الحديث” أو وصف “الاحتلال العسكري” المباشر.

لم تعد الوسائل الاستعمارية الثقافية تتمثل في معاهد استشراق وجامعات أجنبية بل أصبح العدد الأكبر من الجامعات التي تحمل أسماء عربية هي الوسائل لفرض اللغة الإنجليزية ودعم هيمنتها على الحياة العلمية والثقافية والأدبية والتقنية والاقتصادية وسواها، وباتت اللغة العربية فيها مجرد “لغة تجميلية أو أداة تزييف وتضليل” وجل ما تصل إليه هو موقع يشابه موقع لغة أجنبية في الجامعات، والمقصود تلك التي تحترم نفسها في معظم بلدان العالم.

لم تعد الجهود الاستعمارية لتطبيق قاعدة “فرّق تَسُدْ” وحدها في ميدان تمزيق الوطن الواحد إلى أقطار، والقطر الواحد إلى طوائف وتيارات ومناهج، بل بات كثيرون ممن يعتبرون أنفسهم نخبا في مواقع صناعة القرار الثقافي والإعلامي والتربيوي المتجمهرين حول مواقع صناعة القرار السياسي، هم الذين يمارسون بأنفسهم تطبيق تلك القاعدة الاستعمارية، من خلال إصرارهم الخطير على إعطاء اللهجات المحلية مكان الصدارة ليس على سبيل رعايتها المطلوبة والمفيدة ثقافيا، بل في اتجاه إحلالها مكان اللغة العربية الأم الجامعة للأمة العربية من أقصاها إلى أقصاها، الرابطة بينها وبين شعوب أخرى من الأمة الإسلامية بين المحيطات الثلاث.

لم يعد المدخل إلى تدمير الروابط الثقافية الحضارية التاريخية لشعوبنا هو محاولات تبديل الحروف الأبجدية وفرض الحروف اللاتينية كما صُنع بتركيا بعد عصر الخلافة العثمانية، بل أصبح المدخل إلى ذلك تدمير اللغة العربية نفسها، في كل ميدان من ميادين استخدامها اليومي، في المحطات الإذاعية والفضائيات، في الإعلانات التجارية وأسماء المحلات، في التصريحات الرسمية للمسؤولين السياسيين والمقابلات، في قطاع الفنون الراقية والهابطة على السواء، بل وصلت حملات هذا الغزو اللغوي الذاتي الانتحاري إلى مدارس الأطفال في السنوات الأولى من أعمار جيل المستقبل، ولئن حققت هذه الحملات غايتها يمكن أن ينشأ جيل عاجز عن استخدام لغته الأم في بحث علمي، أو إبداع أدبي، أو عطاء ثقافي، بل قد يصبح عاجزا عن مجرد قراءة تاريخه الحضاري.

وليس صحيحا أن المدخل إلى التقدم العلمي والتقني هو مدخل اللغة الأجنبية المهيمنة أكثر من سواها على الميادين العلمية والتقنية في العالم المعاصر، إذ ((لا توجد أي دولة في العالم انطلقت في المجال التكنولوجي دون الاعتماد على اللغة الأم)) على حد تعبير د. المهدي المنجرة.

وليست المشكلة في تعلم لغة ثانية، للتواصل الحضاري، إذا تحقق من خلال ذلك بالفعل شعار (تفاعل لا تنازل) – وهو عنوان أحد محاور البحث في المؤتمر الدولي الأول للطفولة بين اللغة الأم والعصر في الدوحة ٣ / ٢٠٠٦م، إنما المشكلة أن يبقى مثل هذا الشعار شعارا، ويتحول تعليم اللغة الأجنبية للأطفال على أرض الواقع إلى تغييب لغتهم الأم، أو الهبوط بمستوى تعليمها واستخدامها إلى درجة تجعلها مهددة بالانقراض مستقبلا.

إن هذه الهيمنة اللغوية الأجنبية أخطر على مستقبل بلادنا وقضايانا وعلاقات الأمة الواحدة ببعضها بعضا أفرادا وشعوبا، وعلاقتها بتاريخها وقدرتها على بناء مستقبلها، من جيوش استعمارية تثير تلقائيا المقاومة وتقديم التضحيات وإن تفاوت ميزان القوّة العسكرية تفاوتا كبيرا.

إنّ اللغة ((هي ما بِهِ وعبْرَهُ تتحقق التنشئة الاجتماعية للفرد وهَيْكَلَةُ وجوده الاجتماعي. هذه اللغة التي تُدخلُ الفرد في علاقة مع المجتمع تُدرِجُه في عملية مزدوجة حيث يُعترَفُ له بهوية – هوية عضو داخل المجتمع – ويحصُلُ على اعتراف مقابلَ قبول قانون الجماعة. بهذا المعنى، فاللغة تحدد البنية الرمزية للجماعة)) على حدّ تعبير الباحث اللغوي “جلبير غرانغيوم” وفق ترجمة محمد إسليم لأحد بحوثه. فإذا أصبح “المصنع الاجتماعي” للفرد والجماعة هو مصنع لغة أجنبية، هل يمكن أن ننتظر إنتاجا ثقافيا أو حضاريا متميزا مستقلا لا يخضع للتبعية بمختلف أشكالها لمصدر تلك اللغة الأجنبية؟

لا يعني ما سبق إغفال وجود جهود إيجابية تُبذل في خدمة الأمّة ومستقبلها من خلال خدمة لغتها الأم، كحركة التعريب للمصطلحات العلمية، وما يصدر عن المجامع اللغوية، وحتى في ميدان المسلسلات التاريخية التلفازية، ولكن جميع ذلك وأمثاله أصبح أشبه بواحات في قفر الصحراء، حتى أن بعض الفضائيات التي يُفترض وفق منطلقها الإسلامي أن تكون أشد حرصا على العربية – وهي لغة القرآن الكريم – باتت تميل مع بعض الدعاة المخلصين المعروفين إلى استخدام العامية، من أجل الوصول عبرها إلى جيل ناشئ أفسدت عليه لغتَه الأمّ السياساتُ التعليمية والثقافية والإعلامية من قبل.

لقد قطعت مسيرة التغريب اللغوي، والهيمنة الأجنبية اللغوية، أشواطا بعيدة المدى والعواقب، ولم يعد يكفي للتعامل مع هذه الظاهرة الأخطر من سواها ثقافيا وواقعا سياسيا واقتصاديا وعلميا وتقنيا، مجرد الحديث عنها في مقالات نرصدها وهي أشبه باستغاثات مخلصة بلا صدى لدى صانعي القرار.
إننا في حاجة إلى خطوات عملية وجهود دائبة منظمة متواصلة لاستدراك ما فات وصناعة مستقبل لغوي عربي كريم، ولا يمكن أن يتحقق ذلك عبر جهود فردية، بل لا بد من التواصل والتشاور لتحديد سبل العمل وضمان استمراريته وتطويره مرحلة بعد أخرى، خلال مشاريع مدروسة هادفة، وتعاون من وراء الحدود والحواجز المختلفة.
إننا إلى جانب التذكير المتواصل لصانعي القرار في بلادنا أن يتحملوا المسؤولية عن لغتنا وأطفالنا وناشئتنا ومستقبلنا، ندعو بإلحاح إلى بذل كل جهد مدروس منظم على مختلف المستويات غير الرسمية، وإلى سلوك كل سبيل ممكنة لمواجهة كارثة نراها قادمة بأخطر العواقب، ونرى بعض مقدماتها رأي العين في واقعنا الراهن.

المسؤولية كبيرة، وهي مسؤولية فردية وجماعية، على مستوى النخب والعامة، على مستوى الأُسَر والمعاهد، على مستوى وسائل الفكر والأدب والإعلام والثقافة بجميع ميادينها، ولا مجال هنا لتدافع المسؤولية، فالعواقب تشمل الجميع، والمخاطر أصبحت تتربص بمستقبلنا داخل بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا ووسائل فكرنا وإعلامنا في جميع بلداننا العربية بلا استثناء.

نبيل شبيب

 

إغلاق