تحت المجهر – فن التضليل الإعلامي

من باب الحرص على ما كان بالأمس من قناة الجزيرة

كشف المستور من فن التضليل في “الجزيرة” حدث إعلامي بدأ بعد تفجر ما سمي أزمة حصار قطر

ــــــــــ

بعض وسائل الإعلام التي اطلع صاحب هذه السطور عليها من الداخل، كان أشبه بالثعلب في ممارسة التضليل، دون أن يكذب مباشرة، إنما كان يحذف من الخبر الأصلي عبارة ما بدعوى الإيجاز، أو يضيف عبارة ما بدعوى التوضيح، وفي الحالتين ينقلب المقصود بالخبر، أو يقترن بأسلوب الإيحاء لمن يتابعه بمعنى إضافي يتناقض مع محتواه.

هذا نوع من أنواع التضليل المهني الخفي نسبيا، في وسائل إعلام تحترم نفسها في الأصل، وهو المقصود بالحديث هنا، فما نعايشه يؤكد أن الإعلام الناطق بالعربية، لا سيما ما يقوم على شبكات كبرى جامعة لعدد من وسائل الإعلام ومعاهد التدريب عليه، لم يعد إعلاما مهنيا بالمعنى التقليدي والمثالي للكلمة؛ أي لم يعد إعلاما راقيا تجتمع فيه كفاءات تحريرية، وقدرات إدارية، وتقنيات فنية، ومهارات تسويقية، مع الإمكانات المالية، والتوجيهات الحيادية، حرية وحيادا وإنصافا وأدبا، حتى يحصل المستهلك المتابع بمختلف الوسائل وفي مختلف الميادين، على معلومة صحيحة وآراء تعددية، في أنسب حلّة – وربما عبر أجدى الأساليب – للإقناع عقلا والتجاوب إحساسا.

على أرض الواقع الذي نعايشه “عربيا” أصبحت المهنية الإعلامية هي أن تعبر عما يريده المالك ماليا، والسيد سياسيا، ثم أن تتقلب “بمهارة” فتكون في المرحلة الزمنية الآنية حسبما تمليه من صداقات بعد عداء أو عداءات بعد صداقة، ومواجهات بعد تحالف أو تحالفات بعد مواجهة، ثم إذا مرت تلك المرحلة وانقلبت الأمور مجددا في مرحلة تالية، تمكّنك “المهنية” في الوسيلة الإعلامية من التحول مجددا إلى اتجاه سابق، بمن فيها وبما تعطيه للمستهلكين، فهي وسيلة تابعة للتقلبات الطارئة، وليست مواكبة لها متفاعلة معها، وتكمن المهنية آنذاك في القدرة على التدرج في عملية التحول من تسمية الأسود أسودا إلى تسميته أبيضا، أو بالعكس، بما يشمل كافة ألوان النزاعات والقضايا.

*        *        *

ليس الحديث هنا عمن ينقلبون انقلابا إعلاميا فجا بين ليلة وضحاها، وهم يسابقون الانقلابيين العسكريين والكشف عما يريدون، ففي ذلك ما يمكن وصفه بالفضائح ولا علاقة له بالإعلام ولا بالمهنية، وعلام الحديث عنه وهو لا يقنع أحدا ولا يضلل أحدا، إنما الحديث يدور هنا في نطاق الإعلام “الناطق” بالعربية عن دور إعلامية عملاقة تمويلا، وتملك ما يكفي من الوسائل لممارسة مهنة الإعلام كما ينبغي – لو أرادت – وبالتالي لديها أيضا الإمكانات والمهارات والأجهزة الكافية لممارسة تضليل إعلامي بكفاءة عالية وبمهنية مثيرة للعجب وليس الإعجاب. هذا ما يسري تخصيصا على الوسائل الإعلامية التي نبتت تباعا في منطقة بلدان الخليج العربية، اعتمادا على مصادر تمويل يوصف بأنه “لا ينضب” والوصف الأصح هو أنه مُقتطع من ثروات ستنضب قطعا، وربما عاجلا وليس آجلا.

لا يمكن للفضائيات الناشئة بقرارات وأموال أجنبية ومن مواقع أجنبية، وإن جعلوها تنطق بالعربية، أن تنافس بالخبر الصحيح ولا بالتضليل المقصود فضائياتٍ ذات نسب وطني عربي، وتمويل عربي، وفي موقع جغرافي عربي، ويسري هذا بالذات إذا كان منبتها الأول خليجيا، حيث أصبحنا نرصد وجود فضائيات ضخمة تمويلا، ومكانة مهتزة أو مخزية، بعد أن تحوّل فيها العدو إلى صديق والصديق إلى عدو، مرة بعد مرة، كما أصبحت القضايا المصيرية في بعضها مقلوبة رأسا على عقب بفعل فن تضليلي مكشوف، لا يستحق الحديث عنه، ولكن نجد هذا التحول أيضا بمهنية عالية في فضائيات أخرى، تركز على التمهيد للانقلاب لاحقا رأسا على عقب، وهنا يبقى العنوان المؤقت هو القضية المصيرية، ولكن يبدأ إلى جانبه تعويد المشاهد على ما سيأتي أو يراد له أن يأتي لاحقا.

للبيان لا بد من المثال مع التسمية، والمثال هنا عن برنامج “خارج النص” وهو من البرامج التي يرجى أن تبقى برامج راقية في قناة الجزيرة، وما تزال القناة تعطي قضية فلسطين المصيرية بعض مكانتها التاريخية الأصيلة، ولكن برنامجها ذاك يستضيف مع التكريم ودون مناقشة حوارية ناقدة، وفي نسبة عالية من الوقت المخصص للبرنامج، شخصا غير متخصص في الشؤون الأدبية، اسمه “كمال اللبواني”، الذي يعرفه من يعرفه، ويجهله من يجهله، وهو سوري الأصل، وكان أحد من سبق – حتى بعض البلدان المهرولة نحو عملية “التطبيع” – بزيارته مع بعض شركاء دربه للإسرائيليين في قلب الأرض المغتصبة، وقد دافع عن ذلك السلوك مرارا، كأي أمير من أمراء ما يسمى “التطبيع”.

لا يقتصر الأمر على مثال واحد، بل هو مثال على نهج أصبح متبعا، أي هو نهج مطلوب تمويلا وتوجيها سياسيا، وليس خافيا أن من أراد معرفة ما تقول إيران وتراه في أي قضية، وما تقول “منظمة حزب الله” وتراه في أي قضية، أو ما يقول “الحوثيون” ويرونه في أي قضية، فعليه بقناة الجزيرة أيضا، وهذا بعد حين من الدهر، شهد كيف كان ذلك يأتي في بند “الرأي الآخر” مقابل معلومات وتحليلات تدافع عن قضية سورية أو قضية اليمن وأمثالهما من زوايا “شعبية ثورية”.

*        *        *

ليس في ذكر أمثلة من “الجزيرة” دون سواها تحاملا عليها، بل على النقيض من ذلك، هو من باب الإشفاق والحزن، ومن باب الحرص على ما كان فيها من قبل، فهي في الواقع أولى شبكات التلفزة الناطقة بالعربية مهنيا، منذ نشأت وحتى الآن، وهي أول من أحدث ثورة إعلامية عبر الجمع بين الرأي والرأي الآخر، والمقصود هنا على مستوى التعددية العربية وليس ما تجاوز ذلك، وهي أول من حمل هم الشعوب الثائرة إلى بعضها بعضا عبر حدود الربيع العربي، ومن قبل همّ الانتفاضات الفلسطينية، وهمّ المواجهة الإعلامية للغزو الأجنبي في أفغانستان والعراق خاصة، وجميع ذلك مع تقديم التضحيات من دماء بعض العاملين المخلصين معها وفيها، وتحت طائلة ملاحقة ظالمة لبعضهم الآخر من جانب الاستبداد المحلي والاستبداد الدولي.

وبالمقابل كان “التضليل الإعلامي” أظهر للعيان في سواها بكثير، فلا يستحق الأمر مقالة تكتب عنه، ولا تحليلا لأسبابه، لا سيما وأن الشعوب كانت واعية لذلك دوما، وهي التي أعطت وصف “خضراء الدمن” للصحيفة التي تفوقت بالتضليل على سواها، وهي التي كانت واعية بأن فضائيات بعينها قد وجدت للتغريب الثقافي والفني والاجتماعي، على صعيد الانحلال تخصيصا، رغم أن في الغرب سوى ذلك مما يرقى فوق مستوى، ولهذا لم تثق الشعوب من البداية بما انبثق عن تلك الشركات المالكة نفسها من فضائيات “إخبارية” منذ ظهور العربية باسم العربية، حتى نيوز سكاي “العربية” الأجنبية حتى بحروف تسميتها، وكذلك بأساليب التضليل، وهي فيها وفي أمثالها أساليب مكشوفة مفضوحة.

هذا بالذات ما يجعل كشف المستور من فن التضليل في “الجزيرة” حدثا إعلاميا، لا سيما بعد تفجر ما سمي أزمة خليجية أو حصارا لدولة قطر.

لو تابت قنوات أخرى عن التضليل الذي ولدت وترعرعت في محاضنه، لكان ذلك حدثا إعلاميا يستحق الكتابة مع الإشادة به، أما الكتابة عن “الجزيرة” هذه الأيام فهي أقرب للنعي الحزين، فقد كان إغلاق مؤسستها شرطا من “شروط فك الحصار”، ولكن تحوّلها التدريجي المذكور، وبمهنية فائقة، منذ الإعلان عن ذلك الشرط، قد أصابها بما هو أخطر من سهام الخصوم، إذ أساء للثقة بها عند جمهورها الكبير، وهذا ما لا يعوضه تمويل ينضب أو لا ينضب، ولا توجيه سياسي جديد أو عتيق.

نبيل شبيب

إغلاق