فكر وفلسفةمراجعات ورؤى

تحت المجهر – تشويه فكري للديمقراطية والعلمانية

ترامب وماكرون نموذجا

ــــــــــ

كثيرا ما تناول الحديث ما كشفته سياسات ترامب وماكرون وممارساتهما من الإساءات للوجود الإسلامي في عالمنا وعصرنا، وقليلا ما تناولنا من منظور عربي وإسلامي ما تعنيه تلك السياسات والممارسات من إساءات كبيرة أيضا للإنسان الغربي وللوجود الحضاري الغربي المعاصر.
إن تعامل ترامب مع الانتخابات الأمريكية وتعامل ماكرون العدائي للإسلام والمسلمين، ما يبين عواقب افتقار التزام الأنظمة الديمقراطية والرؤى العلمانية بمنظومة قيم فاعلة، تسندها مناهج تربيوية وتوجيهية لنشرها في سلوك الأفراد بغض النظر عن مواقعهم الاجتماعية والسياسية، ومن تلك العواقب زعزعة بنية المجتمع الداخلي للعالم الغربي ديمقراطيا وعلمانيا، وزعزعة البنية الهيكلية لتشابك العلاقات الغربية مع الآخر في نطاق الأسرة البشرية.
لا تخوض هذه السطور في ذلك بالتفصيل، بل تستهدف عموما تجاوز أسلوب التمنيات السلبية الناجمة عن غضب مشروع إزاء عدوانية سياسات الآخر وممارساته، والسعي لتأمل منهجي في السياقات التاريخية ذات العلاقة بالمتغيرات الآنيّة.

النظرة المتسرعة تسبب التباسات، ومن ذلك في مثال ترامب وماكرون مزاعم تقول إن الإساءات المتكررة هي من صنع أفراد ولا تمثل “دولة المؤسسات”، والواقع أن “رئاسة الدولة” في كل من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية عبارة عن مؤسسة في “دولة مؤسسات”، وهي العمود الفقري للسلطة التنفيذية، فلا يصح التهوين من شأن الأخطاء في سياق من يريد الدفاع عن مكانة “دولة المؤسسات” بحد ذاتها، بل إن ما وقع من جانب ترامب وماكرون يطرح التحذير من المبالغة في تلك المكانة إلى درجة “التقديس” بدلا من مراجعة ما ترتكبه تلك “المؤسسات” من أخطاء وما يعتريها من انحرافات بنيوية، ليمكن تجنبها.
هذا على الصعيد الداخلي في الدول الغربية، ويتصل به على الصعيد الخارجي ضمن العلاقات الدولية ما نرصده من المبالغة في تعليل السياسات السلبية بمفعول المصالح، فهذا مما بات يطرح بأسلوب التثبيط عن مواجهة خطر يتفاقم، حتى لو اقتصرت المواجهة على دعوات إلى مقاطعة جماهيرية للمنتجات الفرنسية ردا على خطر “الإساءات” لعقيدة الآخر، بعد أن وصلت إلى مستوى سياسات وممارسات رسمية.

دونالد ترامب
دونالد ترامب

إن الإساءة للانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية تنخر في البنية الهيكلية للديمقراطية، وإن الإساءات لعقيدة الآخر في فرنسا تنخر في البنية الهيكلية للعلمانية.

والديمقراطية من أسس حضارة غربية، بدأت فكريا في عصري الفلسفة الإنسانية وفلسفة التنوير على أساس من القيم الخلقية والسلوكية، قبل ٤-٥ قرون، إنما اتخذت قبل زهاء قرنين مسارات فلسفية تتخلى عن مفعول القيم (ما أوجد مثلا مقولة إن السياسة لا أخلاق لها) ولا علاقة لذلك بالنهضة وفلسفتها التنويرية، فتفريغ منظومة القيم من مضمونها ومفعولها بدأ عبر الشطط في فلسفات حداثية وإلحادية في حقبة تاريخية متأخرة نسبيا، وهذا ما يتصل بالصيغة المتشددة للعلمانية في فرنسا، حتى وصلت إلى تقييد حرية التعبير نفسها بقوانين تنتهك منظومة الحقوق والحريات التي يقال إنها من أهم ثمار العلمانية الحداثية.

إيمانويل ماكرون
إيمانويل ماكرون

هنا يفيد السؤال عن المسارات التاريخية لنشأة الغرب بجناحيه الأمريكي والأوروبي مع تميز تلك النشأة بمواثيق حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والنظام الديمقراطي، وليس مجهولا أن المهد الأول لذلك كان في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، أي كانت النشأة الأولى:
(١) في حقبة جولات الصراع العنيف على الصلاحيات المدنية والمالية مع تكوين الدولة الاتحادية الأمريكية حتى صياغة الدستور الأمريكي (١٧٨٤م) بعد حرب الاستقلال الأمريكية (١٧٧٥-١٧٨٣م) ثم جولات الصراع في الحرب الأهلية الأمريكية (١٨٦١-١٨٦٥م) للتحرر من العنصرية في أبشع صورها: استرقاق الإنسان.

(٢) في حقبة الصراع ضد الاستبداد الكنسي والإقطاعي المادي، فكريا وفلسفيا وهو ما أوصل إلى صياغة وثيقة حقوق الإنسان الفرنسية (١٧٨٩م) ثم الصراع على تكوين الدولة بعد الثورة الفرنسية (١٧٨٩-١٧٩٩م)، التي كانت حافلة بالدماء، وتبعتها جولات صراع عديدة.

لقد ولدت مسيرة الإنجازات في ميدان حقوق الإنسان وحرياته حديثا في مسارات “الصراع” و”مكافحة العنصرية”.
من أخطر الآثار التي ترتبت على ذلك السياق التاريخي هو ما نعايشه بصدد تحييد “منظومة القيم” المكتوبة في المواثيق والدساتير، لحساب مفعول شرعة الغاب أي لغة الصراع وفق ما تصنعه القوة المسيطرة في ردح من الزمن، وما تنتجه أو تحصنه تحت عناوين خطيرة مثل الواقعية النفعية.

إن ما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا يمثل انفصاما تاريخيا حضاريا، هو في أحد وجوهه الخطيرة انتكاسة كبرى باتجاه ما ساد في حقب زمنية من أواخر ما سمي القرون الوسطى الأوروبية. في التفاصيل نشهد ما يشبه “بذور حرب أهلية” أمريكية تسبب “تدميرا مؤسساتيا” لأهم آليات الديمقراطية المعاصرة، مثل الانتخابات بإنكار نتائجها، وكذلك لأهم منجزات الدولة العصرية كاستقلالية القضاء وسيادته، بتطويع ذلك لصلاحيات متضخمة للسلطة التنفيذية، كما بدأت تسبب “تدميرا مؤسساتيا” فرنسيا تحت عنوان الممارسات “العلمانية” وهي تستعيد الروح العنصرية الاستبدادية المشابهة للممارسات “الكنسية” الاستبدادية بعد أن كان القضاء عليها أهم منجزات عصر التنوير.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى