تحت المجهر – صور مشروخة في عوالم ديمقراطية وعلمانية

سياسات ترامب وماكرون نموذجا

في السياقات التاريخية المعاصرة انتكاسة أمريكية وفرنسية إلى الحقب الزمنية التي سادت أواخر ما سمي القرون الوسطى الأوروبية

ــــــــــ

من الضروري متابعة سياسات ترامب وماكرون وممارساتهما وأمثالهما من منظور الإساءة تجاه الوجود الإسلامي في عالمنا وعصرنا، ومن الضروري في الوقت نفسه ألا نغفل في متابعة ما جرى ويجرى وجود إساءات مدمرة تجاه الإنسان الغربي وتجاه الوجود الحضاري الغربي المعاصر.
إن في تعامل ترامب مع الانتخابات الأمريكية وتعامل ماكرون مع الإساءات للإسلام والمسلمين، ما يمثل وجهين لميدالية نموذجية واحدة، هي في الحصيلة ضربات موجعة وكاشفة لنتائج تغييب منظومة قيم قويمة وفاعلة، مع تغييب مناهج تربيوية وتوجيهية لنشرها وحمايتها، وذلك في الواقع التطبيقي للأنظمة الديمقراطية والرؤى العلمانية.
من النتائج السلبية لذلك ما يصب في اتجاهين، أحدهما زعزعة بنية المجتمع الداخلي للعالم الغربي ديمقراطيا وعلمانيا، والثاني زعزعة بنية تشابك العلاقات مع الآخر في نطاق الأسرة البشرية.

*        *        *

ليس المطلوب بالحديث هنا عن ضربات موجعة وكاشفة إثارة أمنيات غير موضوعية أو صياغة أهداف في رؤية مستقبلية، محورهما أن يقع الانهيار نتيجة التآكل الذاتي في حاضنة حضارية غربية حرفتها مسارات هيمنة غربية ظالمة. إن كل نقلة حضارية في تاريخ البشرية تحقق الأفضل بقدر ما تكون نقلة انسيابية، أما الانهيار العنيف حضاريا فلن يكون – إذا وقع – شبيها بنماذج تاريخية أخرى ذات معطيات أخرى في عصور قديمة، ولن تقتصر عواقبه – إذا وقع – على الطرف المسؤول عنه، بل ستشمل البشرية جمعاء، وستكون فادحة وبالغة الخطورة.
لا ينفي ذلك أن الاستغراق في توقعات غير موضوعية، يصدر عن أمنيات مشروعة من حيث تبريرها، إذ ينسجها الألم المشروع مما تصنعه سياسات وممارسات عدوانية على حساب الإنسان والأوطان، وقد تتفجر في مسلسل مواجهات دامية، نتيجة “شعور انتقامي” وهنا مكمن الخطورة.
ولا تخوض هذه السطور في ذلك بالتفصيل، بل تستهدف التنويه إلى ضرورة أمر آخر هو التأمل المنهجي والموضوعي في السياقات التاريخية الجارية تأملا أعمق من مجرد متابعة متغيرات ظاهرية، وأن يكون هذا خارج مسارات التهويل والتهوين، في التعامل مع سياسات ترامب وماكرون (الراحلان آجلا أو عاجلا)  وممارساتهما، وفيما يُطرح عن مآلات “متوقعة” في المستقبل القريب والمتوسط، ومن الأمثلة على التهويل والتهوين:

دونالد ترامب
دونالد ترامب

١- تجاهل أن “الرئاسة” في كل من البلدين عبارة عن مؤسسة من مؤسسات الدولة فهي العمود الفقري للسلطة التنفيذية، وليست مجرد “شخص فرد”، ويسبب هذا التجاهل حصر صناعة الأخطاء في حدود شخص أو بضعة أشخاص، مقابل تضخيم المفعول النظري لوجود “دولة المؤسسات” إلى درجة قريبة من “التقديس” وبالتالي الوقوع في مطبّ عدم مراجعة ما ترتكب “المؤسسات في دولة المؤسسات” من أخطاء خطيرة وجسيمة بسبب انحرافات بنيوية جوهرية.
الواقع أن ما يجري في الولايات المتحدة كمثال يكشف عن مخاطر انهيار داخلي للمؤسسات بدءا بمؤسسة الرئاسة التنفيذية المهيمنة، مرورا بالمؤسسات التشريعية التقنينية، انتهاء بالمؤسسة القضائية كمرجعية دستورية.

إيمانويل ماكرون
إيمانويل ماكرون

٢- تحولت أطروحات من لا ينقطعون عادة عن الاستشهاد بمفعول استخدام قوة المصالح في العلاقات العالمية، إلى التهوين من شأن ذلك في تبرير رفضهم للمقاطعة الجماهيرية ردا على خطر ماثل للعيان، جسيم ويتفاقم، كخطر “الإساءات” لعقيدة الآخر، عبر سياسات وممارسات رسمية فرنسية في النموذج المذكور، وهو خطر ينطلق من حدود دولة معينة، وقد يصيب بنيتها المجتمعية الداخلية بالانهيار، إنما تمتد تداعيات حصيلته المدمرة “عالميا” خارج حدود تلك الدولة أيضا، ويمس بذلك العلاقات البشرية التي يقوم جزء كبير منها على المصالح المادية.
الواقع أن ما يجري في فرنسا كمثال يكشف عن اهتراء منظومة قيم استند إليها جوهر البنية الهيكلية للحضارة الغربية، في تعليل نشأتها وانتشارها، ثم في تبرير انحرافاتها وهيمنتها، على حساب جنس الإنسان ومكونات وجوده فردا وعلاقاته عالميا.

*        *        *

يتابع كثيرون الإساءات للانتخابات، باعتبارها إحدى آليات الديمقراطية، والإساءات لحرية التعبير، باعتبارها مما يشاع وصفه بأهم ثمار العلمانية الحداثية، والإساءات هنا صنفان من أصناف عديدة:
ينخر أحدهما في البنية الهيكلية لدولة المؤسسات باعتبارها على رأس ما يوصف بمنجزات حضارة غربية (بدأت فكريا وقيميا في عصري الفلسفة الإنسانية وفلسفة التنوير قبل ٤-٥ قرون) ولكن اتخذت لاحقا (قبل زهاء قرنين) مسارات فلسفية تتناقض مع موقع القيم، وهي من نتاج الشطط في فلسفات حداثية وإلحادية.
وينخر الثاني في بنية علاقات جناحي الحريات والحقوق بين الإنسان والإنسان، باعتبارها على رأس ما تنسب الحضارة الغربية لنفسها ولادته الأولى، في حاضنة عصر التنوير قبل ميلاد فلسفة الحداثة وقبل انحرافاتها على حساب المكونات العقدية والقيمية والجمالية في الوجود الإنساني وفي نشأة شبكة العلاقات الإنسانية.

قد تقترن تلك المتابعة أحيانا باستغراب أن تصدر هذه الإساءات التدميرية بالذات عن مسؤولين من الصف الأول في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا تحديدا، وهما البلدان اللذان ينسب الغرب إليهما مخاض ولادة مواثيق عالمية حول حقوق الإنسان وحرياته، وميلاد الدولة المدنية الحداثية.

يمكن أن يضمحل الاستغراب عند النظر في موقع عنصري “الصراع” و”العنصرية” في مسارات تاريخية. والأهم من الاستغراب على كل حال التعمق الواجب في تقويم ما يجري في القرن الميلادي الحادي والعشرين، باستحضار ما كان تاريخيا في المهد الأول للغرب بجناحيه الأمريكي والأوروبي، بمعنى محاولة استحضار جوهر تلك المواثيق بالعودة إلى السياق التاريخي في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، أي:
(١) حقبة جولات الصراع العنيف على الصلاحيات المدنية والمالية مع تكوين الدولة الاتحادية الأمريكية حتى صياغة الدستور الأمريكي (١٧٨٤م) بعد حرب الاستقلال الأمريكية (١٧٧٥-١٧٨٣م) ثم جولات الصراع في الحرب الأهلية الأمريكية (١٨٦١-١٨٦٥م) للتحرر من العنصرية في أبشع صورها: استرقاق الإنسان.

(٢) حقبة الصراع ضد الاستبداد الكنسي والإقطاعي المادي، فكريا وفلسفيا وهو ما أوصل إلى صياغة وثيقة حقوق الإنسان الفرنسية (١٧٨٩م) ثم الصراع على تكوين الدولة بعد الثورة الفرنسية (١٧٨٩-١٧٩٩م)، كانت حافلة بالدماء، وتبعتها جولات صراع عديدة.

لقد ولدت مسيرة الإنجازات في ميدان حقوق الإنسان وحرياته حديثا في مسارات “الصراع” و”مكافحة العنصرية”.
من أخطر آثار ذلك السياق التاريخي ما نعايشه بصدد ضعف موقع “منظومة القيم” المكتوبة في المواثيق والدساتير، لحساب ما يوصف بشرعة الغاب أي لغة الصراع وفق ما تصنعه القوة المسيطرة في ردح من الزمن، وما تنتجه أو تحصنه تحت عناوين خطيرة مثل الواقعية النفعية.

*        *        *

إن ما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا يمثل انفصاما حضاريا هو في أحد وجوهه الخطيرة انتكاسة كبرى في السياقات التاريخية إلى الحقب الزمنية التي سادت أواخر ما سمي القرون الوسطى الأوروبية.

في التفاصيل نشهد ما يشبه “بذور حرب أهلية” أمريكية تسبب “تدميرا مؤسساتيا” لأهم آليات الديمقراطية المعاصرة، مثل الانتخابات بإنكار نتائجها، وكذلك لأهم منجزات الدولة العصرية كاستقلالية القضاء وسيادته، بتطويع ذلك لصلاحيات متضخمة للسلطة التنفيذية، كما بدأت تسبب “تدميرا مؤسساتيا” فرنسيا تحت عنوان الممارسات “العلمانية” وهي تستعيد الروح العنصرية الاستبدادية المشابهة للممارسات “الكنسية” الاستبدادية بعد أن كان القضاء عليها أهم منجزات عصر التنوير.

نبيل شبيب

إغلاق