تحت المجهر – جريمة الإبادة الجماعية

ازدواجية المعايير وتغييب المرجعية الدولية يخلط الأوراق ويغتال الضوابط

تغليب السياسة وتغييب القانون في التعامل مع أحداث تاريخية مثل تعرض الأرمن للإبادة الجماعية وفق تعريفها القانوني الدولي

ــــــــــ

مسألة “الإبادة الجماعية” أوسع نطاقا مما يثير مرة بعد أخرى ضجيجا سياسيا وإعلاميا تحت عنوان “الإبادة الجماعية للأرمن”، تبعا للاتهام الصادر عن جهات أرمنية ودول داعمة لها، ضد تركيا، الدولة المنبثقة عن بقايا الدولة العثمانية، هذا مع التأكيد أن مقتل أي إنسان فرد، ظلما وعدوانا، مرفوض ومدان بمختلف المقاييس والمعايير. إنما الحديث هنا يدور كيف تتحقق الإدانة فعلا وكيف تتقرر العقوبة إن وجبت.
الحدث وقع سنة ٢٠١٥م، أي بعد أن أصبحت الدولة العثمانية نفسها في حكم المنهارة واقعيا، وترفض المصادر التركية تسمية ما وقع “إبادة جماعية” لعدم التطابق بين الوقائع وبين مدلول هذا التعبير كمفهوم اصطلاحي في القانون الدولي، أما الحدث نفسه فلا تنكر المصادر التركية وقوعه، ومن ذلك ما يذكره مثلا الموقع الشبكي لمحطة “تي – آر – تي – بالعربي”:

“شكّل الأرمن مجموعات مسلحة “عصابات” ارتكبت مجازر موثقة تاريخياً ضد سكان المناطق الخاضعة لسلطة الدولة العثمانية، التي اكتفت بقرار تهجير أفراد تلك العصابات للحيلولة دون وقوع مجازر أكبر نتيجة حرب أهلية متوقعة بين الأرمن الذين اصطفوا إلى جانب روسيا، وسكان الدولة العثمانية من المسلمين وغيرهم الذين يوالون دولتهم”.
“وكانت السلطات العثمانية قد خططت لتوفير الاحتياجات الإنسانية للمهجرين، لكن ظروف الحرب والاقتتال الداخلي وقطاع الطرق والجوع والأوبئة، لم تحل بين عدد ضخم منهم والتعرض للموت. وقطعاً حدثت انتهاكات فردية ضد الأرمن، وقامت الحكومة العثمانية بإعدام المتورطين فيها رغم أن الحرب كانت قائمة ولم تخمد بعد”.

من تلك العصابات الأرمنية حسب المصادر التركية هانشاك وطاشناق، وتذكر المصادر التركية أن عدد ضحايا جرائمها في السنوات التالية بلغ ١٥٠ ألفا من المدنيين على الأقل يتوزعون على مدن تركية عديدة.

جوهر الموضوع إذن هو أن أحداثا متعددة وقعت بالفعل، من بينها وفاة / مقتل ألوف من الأرمن أثناء تهجيرهم من مواقع سكنهم الأصلية. بهذا الصدد تدعو تركيا منذ فترة إلى تشكيل جهات دولية حيادية متخصصة في التاريخ لدراسة الوثائق المتوافرة، والوصول إلى رؤية منهجية لما حدث تاريخيا، علما بأن تركيا لا تعتبر الوثائق المعنية لديها سرية محظورة، على النقيض من دول أخرى تصنع ذلك مثل أرمينيا.

ولكن: كيف نصل إلى معايير قويمة للتعامل المنهجي مع الحدث؟

هنا يظهر للعيان أن المشكلة أوسع نطاقا من هذا الحدث، وهو ما يتطلب استحضار المشهد من مختلف جوانبه، ومنها وجود وقائع تاريخية عديدة أخرى يدور الآختلاف حول توصيفها بأنها “إبادة جماعية” أو هي موضع إهمال فلا يؤبه بها، هذا رغم عناصر التشابه بينها ووجود ما يبرر السؤال عن انطباق ما حدث فعلا على الشروط الواردة في تعريف “الإبادة الجماعية” في نصوص القانون الدولي، أي المادة الثانية من اتفاقية عام ١٩٤٨م الدولية (سرى مفعولها عام ١٩٥١م) تحت عنوان “منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها”.
وعناوين تلك الوقائع معروفة، فمن ذلك ما فعل الأوروبيون في الأمريكتين ومقتل عشرات الملايين من السكان الأصليين، وما فعل المستعمرون الأوروبيون في البلدان التي استعمروها (أي سيطروا عليها بالقوة واستغلوها) فكان من ذلك المتاجرة حتى بأهلها رقيقا، وقتل من يثور ويتمرد إبادة بلا حساب، كحال فرنسا في الجزائر وبلجيكا في الكونغو وألمانيا في ناميبيا وإيطاليا في ليبيا والصومال، وبريطانيا وهولندا والبرتغال في أدنى الأرض وأقصاها، والصهاينة في فلسطين، وكحال الروس والأمريكيين في أفغانستان، والأمريكيين وأعوانهم في العراق، ثم مذابح الشاشان ورواندا وكوسوفا والشركس والتتار (لا سيما أهل شبه جزيرة القرم المحتلة روسيا حتى اليوم) والبوسنه والهرسك في قلب أوروبا، وما ارتكب الصهاينة في فلسطين ومذابح قانا وصبرا وشاتيلا وغيرها في لبنان.

السؤال المحوري: من يحدد اعتبار هذا الحدث أو ذاك في مرتبة “إبادة جماعية” وفق الاتفاقية الدولية المشار إليها، مع ما يترتب على ذلك من إجراءات؟

تذكر المادة الثانية في الاتفاقية المذكورة آنفا خمسة عناصر تستدعي طرح السؤال عن “الإبادة الجماعية” منها مثلا “فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة”، وتحدد المقصود بالجماعة أنها فئة يجمع أفرادها انتماء قومي أو إثني أو عنصري أو ديني.
ولكن العنصر الأهم في صياغة الاتفاقية عموما هو أن يكون ما يحدث متعمدا بقصد الإبادة. وهنا أصبح من الضروري التساؤل على ضوء التعامل مع ما يوصف بالإبادة الجماعية للأرمن: أين المرجعية؟ هل هي سلطة ما في فرنسا أو الولايات المتحدة الأمريكية الأنشط من سواهما في هذا المجال؟
ثم كيف يُقبل ذلك مع واشنطون بالذات وهي التي تنتزع لنفسها ولجنودها والمدنيين ممن يتبع لها، حصانة “غير مشروعة” من المحاسبة على أي جريمة يقترفونها في أي مكان من العالم، ومن ذلك أيضا أنها اشترطت عند التوقيع على اتفاقية منع الإبادة الجماعية عدم التعرض لقضية “إبادة جماعية” تُرفع ضدها أمام محكمة العدل الدولية ما لم توافق هي على التقاضي، أما المحكمة الجنائية الدولية فقد انسحبت أصلا من العضوية فيها، بعد مشاركتها في مناقشة بنود اتفاقية تأسيسها وعملت بالضغوط السياسية على ربط عمل المحكمة المباشر تجاه أي دولة ليست عضوا فيها بقرار من مجلس الأمن الدولي أي بقرار الفيتو / النقض عند الحاجة.

إذن كما سبقت الإشارة: مسألة “الإبادة الجماعية” أوسع نطاقا مما يثير مرة بعد أخرى ضجيجا سياسيا وإعلاميا تحت عنوان “الإبادة الجماعية للأرمن”. إنها مسألة وضع السياسة فوق القانون الدولي وسواه، ووضع السياسة تحت سيطرة الهيمنة المفروضة بالقوة بمختلف أشكالها، وهي صورة من صور الإصرار على استبقاء السياسة دون منظومة قيم وأخلاق وسلوك، وهذه إشكالية لا يمكن أن تجد حلا لها ما دامت السياسة فوق القانون، والقوة فوق القضاء، والهيمنة والنفوذ دوليا هما مرجعية فرض القرارات والخضوع لها.
في هذه الإشكالية وفي كثير مما يشابهها في الواقع الدولي الراهن، لا بد من رفض “تحالف الأقوياء” و”تحالف الراغبين” وغير ذلك من ابتكارات ظهرت في عصر تحكيم “شرعة الغاب” عالميا، والدعوة إلى إنشاء تحالف الجهات الأضعف عالميا، للعمل معا على إحداث تغيير جوهري يزيل الخلل القائم في النظام العالمي من قبل الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.

نبيل شبيب

إغلاق