السياسة والدولةقضية سوريةمراجعات ورؤى

تحت المجهر – بقايا اللجنة الدستورية السورية

متاهة معروفة سلفا من يوم نشأتها إلى يوم تأبينها

ــــــــــ

لم يعد أحد يطرح توقعات جادّة من اللجنة الدستورية السورية، سواء في ذلك من يرفضونها أو من يتشبثون بها، فالإخفاقات ظاهرة للعيان وكانت منتظرة، أما الإنجازات فكانت مستحيلة منذ ظهورها مشروعا في سوتشي يوم ٣٠ / ١ / ٢٠١٨م، ثم الإعلان عن تشكيلها رسميا في نيويورك يوم ٢٦ / ٩ / ٢٠١٩م، إلى بدء الجولة الأولى من اجتماعاتها في جنيف يوم ٣٠ / ١٠ / ٢٠١٩م، وحتى نهاية جولتها الخامسة يوم ٢٩ / ١ / ٢٠٢١م، والتي انفضت دون نتائج، ودون تحديد موعد قادم لجولة تالية. وعندما تمر ثلاث سنوات منذ ولادة الاقتراح في سوتشي حتى تأبين الاجتماعات في جنيف، دون التوصل إلى مجرد جدول أعمال موضوعي وملزم، فلا بد أن يبلغ القنوط مبلغه من اللجنة ومما يقال عنها، وأن يغلب العزوف عن مجرد تتبع أخبارها، لا سيما من جانب أصحاب القضية وأصحاب المشروعية الأصيلة فيها، وهم شعب سورية في نهاية المطاف، الذي قدّم دفعة أخرى من الأدلّة على ذلك خلال أكثر من عشرة أعوام من البطولات الثورية والتضحيات البشرية والمعاناة على كل صعيد، وهذا بعد دفعات ضخمة سابقة، قدمها خلال عدة عقود سبقت، من عهد الاستبداد الأسدي الأسود في سورية.

*        *        *

القضية قضية واقع شعب سورية ومستقبله وكل ما عدا ذلك فروع، مثل مسألة دستور ولجنة، أو قرار “أممي” يحمل رقم ٢٢٥٤ أو رقما آخر، أو المسارات المتشعبة في جنيف وسوتشي وآستانه، ومسلسل مبعوثين دوليين منهم من قضى نحبه ومنهم من لا يزال يؤدّي المطلوب منه “دوليا”؛ جميع ذلك فروع ولم تغير شيئا في صلب القضية، مثل مآسي المعتقلين والمعتقلات، وشهداء التعذيب، والأبرياء المستهدفين ببراميل متفجرة وسموم كيمياوية، وقذائف روسية وإيرانية، كما لم تبدّل شيئا في توالي عداد مآسي المشردين تحت الخيام ودون خيام ومن قضى منهم نتيجة الجوع والمرض أو صقيع البرد القارص، أو في أوحال الفيضانات، هذا فضلا عن أطفال وناشئة محرومين من مقومات الحياة الكريمة.
بين يدي هذه القضية بأبعادها وجذورها وامتداداتها ويدي ثورة جذرية اندلعت تحت عنوانها، وجب السؤال: هل يوجد أي نص دستوري سابق لم ينتهكه المتسلطون على سورية؟ إذن فعلى افتراض صياغة هذه اللجنة أسسا أخرى لنصوص دستورية جديدة، ما الذي ستغيره على أرض الواقع، ما لم يتحقق الهدف الثوري الأكبر وهو اجتثاث البنية الهيكلية المحلية للاستبداد وأخطبوط علاقاته الخارجية، الدولية والإقليمية؟

*        *        *

لا يفيد الانشغال بحديث مستفيض عن اللجنة وإخفاقاتها وجدواها، وإن تردد ذلك على ألسنة بعض المشاركين فيها، مما يمثل المجتمع المدني أو يوصف بالمعارضة (وهذه التسمية وهمٌ محض، فلا وجود لمعارضة بمفهوم الكلمة اصطلاحيا، دون وجود دولة دستورية قويمة). إن الانشغال بذلك يحقق بحد ذاته غرض “بقايا النظام” وهو كما تقول تصريحات “المعارضة” نفسها: “هدف المماطلة، والمماطلة فقط!”.
كذلك لا يجدي موقف التنفيس عن الغضب بتوجيه اللوم إزاء من لا يزال يشارك في اللجنة ويشارك، ويجتمع ثم يجتمع، ويتكلم فيشكو أو يتكلم فيبرر، فالواقع أن هؤلاء المشاركين، من المخلصين وغيرهم، إنما يمثلون حلقة في مسلسل طويل من حلقات الإسهام في استمرار معاناة المسير على طريق ابتعدت عن منطلق الثورة وشعبها، وعن مغزاها، ولم يبدأ ذلك كله بتشكيل اللجنة الدستورية بل واكب مطلع الثورة نفسها، من خارج نطاق جماهير جيل الثورة.

لقد انطلقت ثورة تغيير جذري، فوجدت من يقبل التحرك باسمها تحت عنوان “أزمة” ومن هنا بدأ البحث عن سراب حل للأزمة، بدلا من العمل السياسي “المضني” مع الثورة وشعبها للتغيير الجذري.

من البداية كان من الشروط الثورية الأولى: الإفراج الفوري عن المعتقلين، سائر المعتقلين، ومحاكمة المجرمين، سائر المجرمين، وهذه شروط محقة مشروعة لا تتحقق بمفاوضات جادة ولا عبثية؛ ولكن (١) قبلت نخب المفاوضين تحويل الشروط الثورية الشعبية القطعية إلى “مطالب” على طاولات التفاوض ومن تحتها، كما يُصنع في الأزمات لا الثورات، ثم (٢) تراجعوا عن كلمة شروط وكلمة مطالب إلى “مواد” في موقع ما من سطور جداول الأعمال.. وهكذا أصبح التفاوض على ألف جزئية وجزئية تفاوضا عبثيا و(٣) هذا ما جسّدته المشاركة العقيمة في مسلسل لقاءات جنيف المتعددة، ثم مسلسل لقاءات آستانة المتعددة، وما تفرع عنهما.

من البداية كان يوجد من يقول: يجب أن نقنع العالم بعدالة قضيتنا ليطمئن لنا، والواقع أن ذلك “العالم” يعلم من الأصل بعدالة قضيتنا، وبحقيقة ما يجري داخل حدود بلادنا، وفي أقبية مخابرات المتسلطين بدعم منه على شعوبنا وأوطاننا، ولم نستوعب كما ينبغي أنّ ذلك “العالم” لا يريد التخلي عن ذراع من أذرع الاستبدادات المحلية الوظيفية، وأنه يستحيل أن يتخلّى عنها إلا مرغما مضطرا، ولا سبيل لذلك عبر مفاوضات تمارسها هيكليات تفاوضية من صنع ذلك “العالم” أو تراعي رغبات ذلك “العالم”، خارج كل صيغة من صيغ ما يسمى “مصالح متبادلة”.

من البداية كان يوجد من يقول: السياسة تقود الثورة وتمثلها، ويأبى القائلون العمل في موقع جناح سياسي للثورة، ومن أجل ذلك كانت المؤتمرات العاجلة وولادة المجلس الوطني فالائتلاف، ثم تشكيلات لجان التفاوض في ثلاثية مؤتمرات الرياض، وهذا سلوك يكشف على الأقل عن تجاهل المشاركين أو الجهل الفعلي بأن التغيير عبر الثورات كان دوما لحظات تاريخية تخضع فيها السياسة لمرجعية واحدة فقط، هي إرادة الشعب الثائر حتى يتحقق التغيير، ولا تنطلق مسارات التغيير الثوري قطعا من مرجعية ما يسمّونه زورا: “شرعية”، مكتسبة من اعتراف قوى دولية.

من البداية كان يوجد من يقول: يجب القبول بالمتاح والتفاوض عليه قبل أن يضيع، والمتاح يعني ما يطرحه علينا ذلك “العالم”، بمعنى القوى الدولية المسيطرة على البشرية بالقوة، المحتكرة للقرار احتكارا استبداديا، ولا يجهل القائل ولكن ربما تجاهل ما ثبت فور اندلاع الثورة، أن التفاوض على أي مطلب دون مستوى مطلب التغيير الثوري يعني النكوص خطوات إلى الوراء، ثم الوقوع في فخ التفاوض لاحقا على عروض أقل مما سبق، وهكذا سنة بعد سنة، ومشروعا بعد مشروع، فتواصل التراجع عن قطعة بعد قطعة من جسد الثورة ومغزاها، حتى وصل المسار إلى أحد تلك المنحدرات العديدة حيث حمل عنوان لجنة دستورية، بلا أرضية ثورية ولا سقف زمني.

*        *        *

لا نهاية للكلام من داخل اللجنة ومعها وعنها، إلا بعد ابتكار مصيدة سواها ليستمر اللهو بالثورة شهورا أو سنوات أخرى، دون جدوى، لا سيما وأن من يتساءل ببراءة عن “البديل” يطرح السؤال بأسلوب تعجيزي استنكاري، أي بلهجة تقول بلسان حال السائل: لا يوجد بديل، ويعني هذا أنه يقول قبل أن يسمع شيئا: لا يمكن القبول بطرح لا يراه هو واقعيا وفق طريقه في “واقع” آخر، أقل ما يقال فيه، إنه ليس “ثوريا” فكيف يحقق هدف الثورة وشعبها في مفاوضات؟ بل قد يعتبر وصف المفاوضات بالعبثية إهانة له، وما هي بذلك بل تصدر عن الحرص على كل طاقة من الطاقات يمكن أن تخدم مسار الثورة التغييرية، ولكن في الاتجاه الصحيح. ويبقى السؤال الجاد:
هل يمكن أن “نصنع” خيارا ثالثا يخرج بنا من فخ تخييرنا بين الأسوأ أو الأقل سوءا على منحدر التراجع المتواصل المتسارع فوق ألغام متفجرة؟
على هامش تساقط بقايا سراب الأمل والتمنيات تجاه اللجنة الدستورية يرصد كثير منا ارتفاعا ملحوظا في نسبة ما يطرح من دعوات للمشاركة في مبادرات جديدة، ولكن التجاوب معها ضعيف، لا يكفي لتصل إلى مستوى مناقشة وتصويب وتطوير، ناهيك عن إعداد وتخطيط وعمل، ولعل السبب هو الانطلاق في تلك المبادرات الجديدة مثل القديمة من رؤى ذاتية بدلا من الاعتماد على إحياء ما اندثر من قواسم مشتركة مع الآخرين.
إن تخلّفنا حتى الآن عن مراجعة أنفسنا ورؤانا الذاتية، يمنع نشأة أرضية يتكامل الجميع عليها دون إقصاء طرف بعد طرف. وإن ثمن استمرار هذا التخلف يدفعه من نزعم أننا نتطلع لوضع حد لمعاناتهم، وستستمر المعاناة ما دامت التصورات الذاتية المتعددة تضعنا على طرق متشعبة، تستهوي بعضنا لنفترق، بدلا من الالتقاء على قواسم مشتركة تفتح أبواب الوصول معا إلى الصواب على صعيد التفاصيل وفي ميادين العمل المرجو.

نبيل شبيب

متعلقات:

رأي – سورية وشعبها ولعبة اللجنة الدستورية

خواطر – دستور سوري دون السوريين

زر الذهاب إلى الأعلى