تحت المجهر – المرتزقة

الظاهرة في التاريخ والحاضر.. والكيل بمكيالين

من عهد الفرس والرومان إلى عهد الروس والأمريكان وأورام “فاجنر” و”بلاك ووتر” و”البلطجية” و”الشبيحة”

ــــــــــ

مقدمة

انتشر الجدل العقيم غالبا حول “مرتزقة سوريين” يشاركون، إما بإيعاز تركيا في هذه الجبهة أو إيعاز سواها في تلك الجبهة من ساحات القتال خارج سورية، مثل ليبيا وأذربيجان، ولا يهدف هذا المقال تأكيد صواب ذلك أو خطئه، ولا وقوعه أصلا أو نفيه، فما يقال لم يبلغ درجة معلومات قطعية، ولا ينبغي إغفال ما نعايشه من وسائل يتجاوز مفعولها حدود المنطق والخيال، لتصوير أكاذيب صارخة وكأنها حقائق قطعية.
ولا يوجد ما يستدعي تبرئة “مسلحين سوريين” أو إدانتهم بتهمة تحصيل المال كمقاتلين “مرتزقة”، بمعزل عن تحديد المسؤولية الأوسع نطاقا عن المآسي التي صُنعت صنعا واستهدفت سورية وشعبها وثوارها وساسة ثورتها جملة وتفصيلا.
كذلك لا يوجد أيضا ما يستدعي تبرئة تركيا بالذات أو إدانتها مما يقال عنها بهذا الصدد أكثر من سواها، بصيغة “تهمة وجريمة”، وليس مجهولا أن الأنظمة التي تناصب تركيا العداء كما تناصب الثورات الشعبية العربية العداء، لا تتورع عن اختلاق الاتهامات وتحريك ما أصبح بحجم “الجيوش” من أجهزة المخابرات التي تتبع لها لتنفيذ حملات العداء والتشهير دون تردد ولا حياء. بل لا تتورع تلك الأنظمة نفسها عن ارتكاب ما تتهم به سواها بشأن المرتزقة أضعافا مضاعفة، إذ تنفق المليارات لجلبهم إلى ليبيا مثلا، وشبيه ذلك ما صنعته إيران وتصنعه ضد ثورة شعب سورية، ناهيك عن مرتزقة روسيا، ومرتزقة الولايات المتحدة الأمريكية، تحت مسمى شركات الأمن الخاصة، فليست ممارسات “فاجنر” الروسية و”بلاك ووتر” الأمريكية مجهولة، سابقا وحاليا، في أفغانستان والعراق وليبيا وسورية وكذلك لحماية عدد من الأنظمة في “دول عربية مستقلة”.
وقد يقول قائل إن ارتكاب الجريمة من جانب جهة من الجهات لا يستدعي تبرير ارتكابها من جانب جهة أخرى، وهذا صحيح، ولكن المقصود – في مقدمة هذا الموضوع – حول “المرتزقة” هو التنويه أنّ..

الخوض المنهجي النزيه في ظاهرة “المرتزقة” لا يتحقق بالجدل الإعلامي ودون مستوى الإعلامي، بل من خلال قضاء دولي مستقل نزيه، مع كلمة الفصل النافذة، وليس هذا موجودا في عالمنا المعاصر.
ولن يوجد ذاك القضاء إلا بعد التخلص من تغليب “شرعة الغاب”، ومن ذلك مثلا الاستثناءات التمييزية العنصرية من الملاحقة القضائية الجنائية الدولية، بل وتحصين الساسة والجنود من بعض الدول وإطلاق العنان لممارساتهم العدوانية خارج حدود بلدانهم الأصلية، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك تقييد صلاحيات المحكمة الجنائية الدولية منذ إنشائها.

في القانون الدولي

في عام ١٩٧٧م سرى مفعول ملحق باتفاقيات جنيف (١٢ / ٨ / ١٩٤٩م) وتحدد المادة ٤٧ منه تعريف “المرتزقة” في ستة أصناف، ملخصها “تجنيد شخص مدني وتسليحه ليقاتل داخل الحدود أو خارجها في أعمال عدائية للحصول على المال أو نتيجة حب المغامرة ولا يكون تكليفه في نطاق قوات مسلحة نظامية“.
تبعا لذلك لا يعامل المرتزق وفق قوانين أسرى الحروب، بل كمدني شارك مشاركة غير مشروعة في القتال. وقد شرّعت بعض الدول قوانين تحظر على مواطنيها المشاركة في القتال كمرتزقة، وهنا يلفت النظر أن القانون الأمريكي يقول إن المواطن المدني الذي يشارك كمرتزق لحساب دولة أجنبية يخاطر بسحب جنسيته الأمريكية، ولكن يُستثنى من ذلك من يقاتل في الجيش الإسرائيلي، من حملة الجنسيتين الأمريكية والإسرائيلية. هذا مع ملاحظة أن القانون الأمريكي لا يعبأ بما يقتضيه ملحق اتفاقيات جنيف المذكور آنفا، بل يسمح بتشكيل شركات خاصة لتشغيل مرتزقة مدنيين مسلحين أمريكيين في دول أخرى، وهذا ما مورس فعلا في فيتنام وأفغانستان والعراق وغيره.

ظاهرة “المرتزقة” بمعنى تسليح مدنيين للمشاركة في عمليات قتالية وما يلحق بها مقابل أجور مالية أو لهدف آخر، ظاهرة معروفة من القدم مثل ظاهرة “القتلة المأجورين”. عرفت ذلك امبراطوريات الفرس والرومان والإغريق، بل كانت “حرب المرتزقة” حربا قائمة بذاتها في القرن الثالث قبل الميلاد، كإحدى نتائج الصراع الطويل بين الرومان وقرطاجة، وقاتل المرتزقة في الجبهة البيزنطية ضد الدولة العثمانية، كما قاتل مرتزقة ألمان على الجبهة البريطانية وآخرون بزعامات من بولندا وبروسيا على جبهة الأمريكيين في حرب استقلال الولايات المتحدة الأمريكية، وقاتل المرتزقة في حملات فرنسا العسكرية في القارة الإفريقية، وقاتل المرتزقة في جبهة العدوان الأمريكي على فييتنام، ويمكن تعداد المزيد فنصل إلى استخدام “شركات الأمن الخاصة” المستوردة عبر عقود باهظة التكاليف، ولا سيما من الولايات المتحدة الأمريكية، لحماية بعض الأنظمة من “الشعوب”، ومن أواخر أشكال القتال الإجرامي من جانب المرتزقة المأجورين ما عرف في ممارسات “البلطجية” في مصر و”الشبيحة” في سورية وأمثالهم في ليبيا واليمن لقمع الثورات الشعبية.

إن ظاهرة المرتزقة أو “المسلحين المأجورين أو المغامرين” ولدت ونشأت وترعرت في الامبراطوريات العالمية قديما وانتشرت عالميا عبر حروب الاستعمار القديم والحديث، ثم أصبحت ظاهرة عامة ومنها ما يستخدم لحماية أنظمة استبدادية وشمولية من السقوط. 

*        *        *
لا تتضامنوا ضد عدوان خارجي

مع تعديل طفيف.. من مقالة للكاتب بعنوان: عرب البوسنة تحت المطرقة
نشرت في مداد القلم يوم ٢٦ / ٥ / ٢٠٠٩م

توجد صور أخرى للقتال في جبهات “أخرى” تعبر عن تضامن يتجاوز حدود الجنسيات والأعراق وينطلق من وجوب مواجهة الظلم والعدوان، هذا ما يسري على كثير ممن عرفوا بوصف عرب البوسنه في مواجهة الحرب الصربية العدوانية، وعرب أفغانستان في مواجهة الاحتلال الروسي ثم الاحتلال الأمريكي.
إن التعامل الدولي، بمعنى تعامل القوى الدولية المهيمنة على صناعة القرار وتنفيذه في عالمنا المعاصر، تكيل بمكيالين عندما تبيح لنفسها ما تعتبره محظورا على سواها، وهذا بغض النظر عن تقويمه بميزان الأخلاق والقيم. يسري هذا مثلا على “حيازة الأسلحة النووية” كما يسرى بأسلوب التغاضي أحيانا والتبجح غالبا بممارسات المرتزقة عن طريقها ما دام وفق أهدافها ومصالحها وحتى تشريعاتها التقنينية الرسمية، مقابل توجيه أصابع الاتهام إلى سواها من الدول ومن الشعوب أيضا إذا صنعت “شبيه” ما تصنعه، وإن كان تبريره مشروعا عبر التزامه بمنظومة القيم والأخلاق.
وقد شهدنا عام ٢٠٠٩م حملة ضارية لتهجير بضع مئات من “عرب البوسنة” الذين شاركوا في الجهاد البوسني خلال الحرب العدوانية الصربية، وانطلقت الحملة من الإطار العام الذي حددته اتفاقية ديتون (١٩٩٥م) بعد مفاوضات وضعت قادة البوسنة والهرسك آنذاك بين خيارين مريرين، إما الاستقلال الناقص المقيد، أو المزيد من الانحياز الغربي في حرب دموية إجرامية غير متكافئة.
لم يكن خافيا على البوسنيين في عهد علي عزت بيجوفيتش رحمه الله، أن التحركات العسكرية الغربية في البلقان تكثفت آنذاك تحت راية أطلسية أو راية الأمم المتحدة، عقب تحوّل مجرى المعارك لصالح البوسنيين ورغم انقلاب الحليف الكروآتي من قبل في جبهة القتال على الشركاء البوسنيين في مواجهة الحرب الصربية. وكان جزء أساسي من هذا التحول في مسار الحرب بمفعول عمليات نوعية قام بها من أصبحوا يوصفون لاحقا بعرب البوسنة، بالتعاون مع إخوانهم من البوسنيين.. وهذا ما يراد “عقاب” العرب المجاهدين في البوسنة والهرسك عليه!

آنذاك، بعد اتفاقية ديتون عام ١٩٩٥م، كانت عملية العزل عن أية مهام أمنية أو عسكرية تتلاءم مع خبراتهم، ثم – رغم الانخراط في الحياة المدنية – انطلقت حملات سياسية وإعلامية لتجريمهم، واستمرت بعد حصول معظمهم على الجنسية البوسنية، ثم انطلقت لاحقا حملات أخرى لنزع الجنسية عنهم، ثم لحظر الإقامة الرسمية في البلاد عليهم، حتى وصل هذا المسلسل إلى ممارسة الاعتقال والتهجير أفرادا وجماعات بحجة الإقامة غير الشرعية، فبلغ الأمر ذروته عام ٢٠٠٩م وشمل ذلك تمزيق الأسر المكونة غالبا مع زوجات بوسنيات وأطفال ولدوا في البوسنة والهرسك بعد استقلالها.
من الأمثلة العديدة جدا على ما يعنيه ذلك عبارات أحد الأطفال في إحدى الفعاليات البوسنية الاحتجاجية عام ٢٠٠٦م ضد سحب الجنسية، وكان يقول:
(اسمي عبد الحميد سوفيتش من مواليد ١٩٩٢، الصرب قتلوا أبي وأمي تحملني ببطنها في الشهر الخامس من الحمل، لم أر أبي أبداً.. وكنت دائماً أتألم بداخلي عندما أسمع الأولاد ينادون آباءهم وأفتقد الأب الحنون.. لكنني أعلم أن أبي مات شهيدا.. وبعد ذلك تزوجت أمي أبي الحالي [أبو حمزة] وهو عربي سوري.. أبي الجديد الذي دافع عن الشعب البوسني في الحرب يريدون أن يسحبوا منه الجنسية ويريدونني أن أبقى مجدداً بلا أب.. هذا يؤلمني.. أنا الآن بالصف السابع الابتدائي لكنني لم أحيَ حياة الأطفال، ربما تعتقدون أنني صغير لكنني سأكبر وسأدافع عن أبي [أبو حمزة] ضد من يرتكبون الظلم).
ليس هذا التعامل مع “عرب البوسنة” – كالتعامل من قبل مع “عرب أفغانستان” – قضية سياسية ولا قضية أمنية، ولم يشكلوا بعد الاستقلال خطرا على أي طرف، بل هو قضية إنسانية وقانونية في الدرجة الأولى، وليس هذا غائبا على صعيد العامة من أهل البوسنة والهرسك أنفسهم، الذين يعرفون إخوانهم حق المعرفة، وتعبر عنهم كمثال من عشرات الأمثلة أيضا لافتات رفعها المتظاهرون البوسنيون من مدينة زينتسا عام 2006م، وعليها عبارة تقول “سامحنا يا أبو حمزة” مخاطبة أبا الطفل الذي سبقت الإشارة إلى حديثه عن أبيه.
ولكن البعد الإنساني والقانوني في جوهر القضية لا يعني أن الحملات الجارية ضد “عرب البوسنة” خالية من الاعتبارات السياسية المحضة، وأهمها أن يوضع حد للتضامن على المستويات الشعبية في المنطقة الإسلامية، بعد القضاء واقعيا على مظاهر التضامن الرسمي بين الدول الإسلامية نتيجة السياسات المتبعة فيها. (من إفرازات ذلك لاحقا التعامل مع أي إنسان يتضامن مع جبهة مستهدفة بالعدوان في ليبيا أو أذربيجان أو سواهما)

إن الرسالة التي يوجهها هذا التعامل المقصود، رسالة موجهة إلى “العامة” من العرب والمسلمين بل وجنس الإنسان، وتقول:

لا يوجد من يمنع تحرك المرتزقة في كل حرب عدوانية، كالروس في الحرب الصربية، ومختلف الأجناس في الحروب الأمريكية، ولكن لا ينبغي أن يتحرك “الإنسان” من بلد إلى بلد للمشاركة في مواجهة عدوان أجنبي، ومن يفعل فمصيره كمصير عرب أفغانستان وعرب البوسنة والهرسك، وسيكون ملاحقا بالعقوبة بعد العقوبة، حتى وإن انقطع عن ممارسة الجهاد وانخرط في الحياة المدنية!

هل وصلت الرسالة؟

*        *        *

المهمات القذرة.. صورة مقابلة

من مقالة للكاتب بعنوان “شركات خاصة للمهمات القذرة
نشرت يوم ١٥ / ٥ / ٢٠٠٤م في مجلة المجتمع الكويتية

تردّد المسؤولون السياسيون في الولايات المتحدة الأمريكية طويلا قبل إعلان الإدانة الرسمية لِما انكشف أمره في معتقل أبو غريب في العراق وكان معروفا لهم منذ شهور، فانتظروا حتى أصبح معروفا أيضا أنه لا يمثل حالة استثنائية، بل مثالا صارخا على الممارسات الجارية في أفغانستان والعراق وجوانتانامو، وفق سيل المعلومات والصور والتقارير المنشورة في وسائل الإعلام ومن جانب منظمات حقوق الإنسان.
خلال الأيام الأولى بعد نشر تلك الصور حول بعض ما جرى في معتقل أبو غريب، والمعبرة عن درجة قصوى من وحشية الإنسان عندما يفقد إنسانيته، حاول المسؤولون الأمريكيون، عبر التصريحات الرسمية أو من خلال الإيحاء إلى وسائل الإعلام، أن ينشروا الانطباع بأن المسؤولية تقع على “منظمات أمنية خاصة” ارتكب بعض العاملين عن طريقها “تجاوزات” غير قانونية، وكلمة “منظمات أمنية خاصة” قناع يُستخدم سياسيا وإعلاميا لتجنب كلمة “مرتزقة”.. وصحيح أن هذه المنظمات انتشرت أولا في البلدان الأوروبية، إلا أن الأمريكية منها احتلت في هذه الأثناء مكانة الصدارة عالميا، نتيجة دعم كبير من جانب الحكومات الأمريكية المتعاقبة، فكانت تحصل أكثر من سواها على “طلبات رسمية” تتولى بموجبها نوعين من المهام، يوصف النوع الأول بالمهام “الاعتيادية”، التي لا يقبل بها آخرون لخطورتها أو لأنها منكرة مرفوضة سياسيا، مثل الحراسة الشخصية لرؤساء دول مشكوك في مشروعية أوضاعهم، والنوع الثاني ما يوصف بالمهام القذرة، والمقصود بها غالبا أعمال تنتهك القوانين والقيم الإنسانية، وترتبط  بقطاع التجسس، وتشمل التحقيق مع المعتقلين، أو إخماد تمرد، أو إشعال تمرد في بلد من البلدان.
في العراق تأرجح عدد قوات الاحتلال النظامية الأمريكية حول رقم ١٣٥ ألف جندي، منهم ٤٠ ألفا لا يحملون الجنسية الأمريكية، وهم من الراغبين فيها، فانخراطهم في القتال أشبه بشرط ابتزازي لقبول طلباتهم، ثم يوجد علاوة على ذلك أكثر من ٢٥ ألف شخص تابع لمنظمات المرتزقة، أي ما يناهز مجموع عدد أفراد سائر القوات التابعة للدول الأخرى المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية ضد العراق.
ويمكن تقدير “نوعية” المهام القذرة المطلوبة من هؤلاء في العراق، إذا علمنا أن الفرد الواحد يحصل يوميا على حوالي ١٥٠٠ دولار، أي أضعاف ما يحصل عليه الجندي النظامي شهريا من مرتّب مرتفع وعلاوة عمل في ميدان القتال.
ويمكن أيضا تقدير طاقات شركات المرتزقة، إذا علمنا أن إحداها “سي-إي-سي-آي” من آرلنجتون، الوارد ذكرها في التقرير العسكري الرسمي عن واقعة معتقل أبو غريب، تعمل بميزانية سنوية تناهز ٨٥٠ مليون دولار، ويعمل في مكاتبها حوالي ٧٦٠٠ شخص.

لقد انتشرت ظاهرة شركات المرتزقة منذ الحرب العالمية الثانية، وكانت لها أدوار عسكرية وحشية في بلدان عديدة، مثل الكونجو عام ١٩٦٥م، وسيراليون عام ١٩٩٥م، وأنجولا وكوسوفا في عهد كلينتون، وأفغانستان والعراق في عهد بوش الابن.
المهم فيمن تجندهم الشركات للمهام القذرة، هو أنهم لا يخضعون عند تنفيذها للأنظمة السارية رسميا على القوات العسكرية، وهذا بغض النظر عن أن هذه القوات تتجاوز بنفسها ما تقول به النصوص النظرية للأنظمة والتعليمات الرسمية. ويشير إلى تلك “الحرية الخاصة” أحد إعلانات شركة “سي-إي-سي-آي”، ففيه عبارة تقول “القيام بمهام التحقيق مع معتقلين تحت إشرافٍ غير صارم”، والمقصود بكلمة “غير صارم” غياب المحاسبة، والمثال على نوعية الجريمة واضح فيما انكشف من ممارسات في معتقل أبو غريب، ومن ذلك أن المشاركين في الجرائم، ليسوا من المرتزقة فقط بل كانوا من الجنود النظاميين أيضا.
يضاف إلى ذلك الحملة الكبرى التي أطلقتها واشنطون للبقاء خارج نطاق المحاسبة عن طريق المحكمة الجنائية الدولية لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فهذا ما يمثل بالنسبة إلى المرتزقة وشركاتهم “ضمانا رسميا” على أعلى المستويات، أنهم لن يتعرضوا للمحاسبة على ما يرتكبونه من جرائم.

وإن حكومات بلادنا التي تستعين بشركات “المرتزقة” الأمريكية وسواها، تحمل قسطا كبيرا من المسؤولية عمّا تنزلق إليه من ممارسات، نتيجة العقود و”التراخيص” الممنوحة لتلك الشركات، بما في ذلك من يعمل منها في فترات السلم، حتى أصبحت قضايا الأمن الداخلي، أمن السلطة، وأمن الدولة، وما يُفرض على الشعوب من ممارسات استخباراتية منحرفة، في أيد أجنبية، ولاؤها للدولة الأم أكبر وأثبت من ولائها لأي دولة مضيفة.

نبيل شبيب

إغلاق