السياسة والدولةقضية فلسطينمتابعات وحوارات

رأي – التطبيع بين التنديد والتمجيد

كيف يتحقق الخروج من النفق

ــــــــــ

إذا استمر الأمر على منواله الحالي ما بين التنديد بمرتكبي إثم “التطبيع” بكلمات الشتيمة المحترقة بذروة الغضب، وبين كلمات تمجيد شاذة، في هاوية التيئيس وحضيض الهوان، فلن يجد أبناؤنا وأحفادنا بعد عشرين سنة أو أكثر قليلا أو أقل سوى تكرار خطوات الانحطاط في اتجاه مناقض لكل منطق وعقيدة وحق وعدل وكرامة.

إن أحداث التاريخ لا تصنعها الكلمات، وإلا فاسألوا على سبيل مثال من عشرات الأمثال عهد جمال عبد الناصر وكلماته النارية قبل نكبة ١٩٦٧م، ورفض من كان يرفضها ويرفضه، مقابل تأييدها العاطفي المجلجل في البلدان العربية بين الخليج والمحيط، ثم اسألوا عن حصيلة الرفض بالكلام أو التأييد، شعبيا وجغرافيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا عند وفاته – قبل نصف قرن – يوم ٢٨ / ٩ / ١٩٧٠م.
إن أحداث التاريخ تصنعها قوة الحق، أو قوة الباطل، والنتيجة هي حصيلة العمل، انطلاقا من رؤية قويمة أو فاسدة، وأهداف مشروعة أو باطلة، وفي الحالتين من خلال وضع لبنة فوق لبنة من بناء متواصل، تخطيطا وتنفيذا وبذلا وصبرا وتصحيحا للأخطاء وتطويرا للإمكانات.

لقد قيل الكثير، وكتب الكثير تنديدا وتحذيرا وشتيمة وأدعية بعد تطبيع كامب ديفيد وتطبيع وادي عربة.. فيمكن أن تغطي الحروف والكلمات الصوتية والمكتوبة مساحة أرض فلسطين وما بورك من الأرض حولها، ولكن الخطوات العملية المعلنة والخفية كانت تجري في اتجاه ذليل نحو مزيد من ذلك التطبيع، ولهذا أصبحنا نعايش ارتكاب الجريمة مع التبجح بها علنا عن طريق أنظمة، لا قيمة لها بموازين التقدم ناهيك عن قيم الحق والعدل والتحرر، فهذا.. حصيلة تلك الخطوات العملية السابقة.

وماذا عن أنفسنا؟
كثير منا كان يذرف دموع التأثر العميق، ويسجل الكلمات التي يسمعها، ويوزعها، مع عبارات الإعجاب والإطراء، وهي إما من نصوص خطب “عصماء” أيام الجمعة والأعياد أو من نصوص صخب إعلامي يتمسّح باتجاه سياسي أو فكري من الاتجاهات المتعادية..
وكثير منا مفجوع مرة بعد أخرى بخطوة تطبيعية رسمية بعد أخرى، وبمن يؤيدها ممن كان معجبا بهم من قبل ومن كان يثق بكلماتهم من قبل.. والمفروض أن يكون مفجوعا بتأييده هو نفسه لهم من قبل!

في القضايا المصيرية لا يصح القول إن غياب الوعي عذرا، وقد غاب عند كثير منّا، عند من كان يتخذ مواقف التأييد أو الإعجاب أو التعليل إزاء من كانوا بخطبهم الصاخبة وكتاباتهم الصاخبة، يعارضون من قبل “التطبيع” الذي ينددون به اليوم، لأنهم ينطلقون في الحالتين من موقع ذليل، محوره أن “أسيادهم” المحليين كانوا يزعمون معارضته وهم يمارسونه الآن، ولعل أصحاب أبواق التأييد “الذليل” كانوا يعلمون أن “أسيادهم” كانوا يتبنون سياسات ويمارسون أعمالا تخدم التطبيع “الذليل” من خلال أجهزة رسمية وتربيوية وإعلامية وفكرية وثقافية، فعلام استغراب أن تكون الحصيلة مزيدا من الهوان والتخلف من أجل كرسي اسمه “كرسي السلطة”، وقد أصبح رمزا للمهانة على كل صعيد.
ولا يسري هذا “فقط” على من أصبح طريق التطبيع الذليل عنده رسميا بتوقيعات رسمية، فله كثير من قرناء السوء الذين قد يصلون عاجلا أو آجلا إلى ما وصل إليه.

*        *        *

علينا أن نوفّر الأقلام والأصوات والأعصاب ونوفّر مشاعر من “يتابعها”، فلا نستخدمها للتنديد بمن لا يستحقون تمجيدا ولا تنديدا، وللغضب ممن لا يفقهون للغضب سببا ولا دافعا، وبالتالي ألا نساهم في جعل التنديد والغضب يسيطران خلال عقود تالية على الأذهان والمشاعر والأفكار والكلمات مثلما كان في عقود ماضية.. دون نتيجة مشرّفة.

وعلينا بدلا من ذلك:
١- أن يكون أول ما نلتزم به ونعمل لبيانه، أنّ كل هدف كبير يبدأ من “الحضيض” فإن اقترن بالعمل تجاوزنا العقبات مهما كانت جسيمة، وإن اختزلنا العمل في الكلام، سقطنا وإن لم نواجه عقبات حقيقية.
٢- اعتبار الإخلاص للقضايا المحورية والمركزية، كفلسطين والتحرر والتقدم، هو المعيار من فوق اختلاف انتماءاتنا وتوجهاتنا، وأن يكون هذا الإخلاص الظاهر في الممارسة وليس في المزاعم الكلامية وحدها، هو القاسم المشترك الأول بيننا.
٣- التركيز على إبداع الوسائل والأساليب والآليات المناسبة للعمل، رغم الاستبداد المحلي والدولي، وللوصول بها إلى نشر المعرفة والوعي بقضايانا وكيف نخدمها بالأمل والعمل، وذلك على صعيد أنفسنا وأهلينا، ولا سيما الأطفال والناشئة، والآباء والأمهات، والأساتذة والكتاب، والعلماء والدعاة، والمفكرين والأدباء.
٤- أن يكون ذلك منطلقا للبحث عن مزيد من القواسم المشتركة والمعايير التي تصلح لقواعد عمل مشترك، عبر التواصل والتشبيك وعبر التخصص والتكامل.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى