تحت المجهر – الإخوان المسلمون وثورة مصر

مراجعات إسلامية واجبة

مقالة نشرت يوم ٢ / ٧ / ٢٠١٣م عشية الانقلاب العسكري ضد الثورة الشعبية وضد التيار الإسلامي

ــــــــــ

العنصر التاريخي الأهم هو تحقيق أهداف الثورات الشعبية، ومحورها: تحرير الإرادة الشعبية لتحقيق العدالة والحرية والكرامة والتقدم. أما الكيفية فهي ما تتعدّد بشأنه الأطروحات والاجتهادات، بما في ذلك ما يُصنع تحت عنوان إسلامي.
وينبغي أن تدرك جميع قوى التيار الإسلامي وجميع القوى الوطنية المخلصة الأخرى، أن ما قد تجده من دعم أو عداء خارجي، لا ينفي – في الحالتين – استهداف الثورات والأوطان والشعوب بالعداء، أي العمل للحيلولة دون تحرر الإنسان في هذه المنطقة من الاستبداد المحلي والاستبداد الدولي اللذين اعتقلا معا طاقات أجيال عديدة.
العنصر السياسي الأهم على صعيد التيار الإسلامي تخصيصا هو أن الإسلام هو الأصل وأن الحركات كلها وسائل، والوسائل تخطئ وتصيب، فلا بد من التمييز بين الأصل والوسيلة، عند وقوع الخطأ من جانب أي حركة أو حزب أو جماعة أو فرد ممن يعملون تحت عنوان إسلامي، وكثيرا ما شهدنا ونشهد كيف يُستهدف الإسلام نفسه أو يستهدف التيار الإسلامي تعميما، عبر استهداف بعض التنظيمات والأفراد، وهو ما لا ينبغي الإغفال عنه في متابعة مجرى الأحداث هذه الأيام في مصر وأخواتها.

. . .

في هذا الإطار نقف بين يدي الثورة الشعبية في مصر، وعيوننا على أخواتها، وهي وقفة تتعرض للإخوان المسلمين في مصر، فهم في بؤرة الحدث، وليست الكتابة المباشرة عنهم سهلة، لا سيما عند الحديث عن أهم أخطائهم في اللحظة التاريخية الراهنة، فقد أصبحنا نتحرج من الحديث عن الأخطاء بسبب ابتعادنا كثيرا عن تطبيق ما نردده بشأن وجوب النصيحة والمحاسبة والنقد، حتى في مثل ظروف أحد وحنين، كما علمنا القرآن الكريم، وحتى بات بعضنا يعتبر النقد عداء ومعركة جانبية، ويعتبر الحديث عن الأخطاء طعنة من الخلف، لا سيما إذا كان الكاتب الناقد من خارج تنظيم الحركة المعنية، كما هو الحال مع كاتب هذه السطور.

الكلمات التالية موجزة في حدود ما تقتضيه الضرورة والمصلحة، وتنطلق من أن مصر ومستقبل مصر أهم من أي فرد أو جماعة، وأنّ ما يجري فيها هذه الأيام يترك آثاره على مسار ربيع الثورات الشعبية جغرافيا وتاريخيا إلى حد بعيد.
الأخطاء لا تنفي عن أحد القيمة الحقيقية لدور يؤديه، أو يمكن أن يؤديه مستقبلا، ولكن رصدها وتقويمها ومراجعتها ضرورة حيوية ليكون أداء ذلك الدور سليما في مسار التغيير عموما.

يمكن التركيز في محاولة تعداد الأخطاء على بعض العناوين دون تفصيل:

تاريخيا:
قبل الثورة الشعبية في مصر كان من أخطاء الإخوان المسلمين – وسواهم – استبقاء جيل الشبيبة مهمشا، بعيدا أو مبعدا عن مواقع صناعة القرارات القيادية. وكان من المفروض عند اندلاع ثورات الربيع العربي عبر تحرك جيل الشبيبة في الدرجة الأولى، أن يتم استدراك هذا الخطأ التاريخي على الفور.. لترتفع الحركة إلى مستوى الثورة وما صنعته من تجديد للمعايير والمعطيات ومن تعبئة للطاقات، ولم تصنع الحركة ذلك كما ينبغي.

سياسيا:
من “الأخطاء السياسية الاستراتيجية” من جانب حركة الإخوان المسلمين في مصر:
– العلاقة الاندماجية بدلا من الفصل التنظيمي بين جماعة تتحدث وتتحرك باسم الدعوة إلى الإسلام الشامل، وبين الحزب كأداة سياسية للعمل السياسي فقط، ليكون مستقلا كل الاستقلال، وليس مجرد “واجهة من واجهات عمل الجماعة”، وليكون متخصصا في الجانب السياسي فقط، يمارسه ممارسة مهنية، ولا يتعرض لنشر الانطباع أنه يتحرك تحت وصاية الجماعة عليه من خارج نطاقه.
– الظهور في موقع الانفصال عن الثورة والتحرك على صعيدها من خارج نطاق مسارها وكوادرها وشبابها وتجمعاتها التي تشكلت مع اندلاعها، حتى أصبح العمل من أجل “دعمها” أقرب إلى مساعي “الاستحواذ” عليها، بغض النظر عن النوايا.
– التسرّع في خوض غمار “التنافس” السياسي مع “الآخر”، أو الوقوع في شراك سعي “الآخر” لهذا التنافس المبكر، فالأصل ألا يبدأ إلا بعد استقرار البنية الهيكلية للدولة المنبثقة عن الثورة في إطار “الوحدة الوطنية”، دستورا وتشريعات قانونية، بحيث تتوزع المسؤوليات على الجميع، أما التنافس “المبكر” فقد نشر الانطباع أنه سباق على السلطة على حساب الثورة أو سباق على اختطاف ثمار ثورة يصنعها الشعب.
– ممارسات سياسية عفا عنها الزمن، أو تجاوزتها الثورات الشعبية، التي أسقطت عهد الاستبداد محليا ودوليا، وأسقطت أساليب “المعارضة التقليدية” التي لم تسقط الاستبداد من قبل.. فكان من الأخطاء السياسية الجسيمة في مصر (وفي سواها) اعتبار التأييد الأمريكي مصدر قوة، ويمكن القول إن سرعة تحول الموقف الأمريكي (في الأيام الأولى للثورة) باتجاه “تأييد” مشاركة الإخوان في السلطة، قد استهدف من البداية:
أ- تحجيمهم: سمعة التأييد الأمريكي معروفة
ب- توريطهم: بتجاهل الحاجة الحيوية إلى حكومة وحدة وطنية وليس إلى حكومة غالبية
ت- إضعافهم: عبر دعم الخصوم لاحقا
ث- إخفاقهم: للزعم المضلل أن “المنهج الإسلامي في الحكم” قد أخفق

تكتيكيا:
المقصود بالكلمة هو التصرفات الضرورية في ميادين السياسة اليومية، وليس ما شاع من معنى سلبي بصدد أن التكتيك يعني إخفاء نوايا وأهداف أخرى للمدى الأبعد. وقد كان من الأخطاء “التكتيكية” للإخوان المسلمين في مصر:
– التفاهم مع قادة القوات المسلحة – وهم من العهد السابق – ثم الانقلاب عليهم.
– إعلان العزوف عن منصب الرئاسة ثم السعي إليه بقوة.
– تشكيل دائرة كبيرة من مختلف الأطياف بعنوان مؤسسة رئاسية، ثم تجاوز مشورة أعضائها بوضوح.
– التسرع في إصدار قرارات من وزن بيان دستوري، ثم التراجع لعدم العمل مسبقا لتأمين تنفيذه.
– اعتبار تشكيلات القضاء والنيابة العامة من العهد السابق دستورية واعتبار قراراتها ملزمة تبعا لذلك، ثم خوض معركة “كسر العظم” مع بعضها.
– تفويت فرصة قيام مصر بدور عربي وإقليمي.

هذه السطور من تاريخ ٢ / ٧ / ٢٠١٣م وسيان ما تسفر عنه الأحداث الجارية في مصر في اللحظة التاريخية الراهنة، ينبغي تأكيد بعض البدهيات التاريخية، وفي مقدمتها:
١- الدروس من التجارب تؤدي مفعولها بقدر استيعابها والعمل بموجبها وهذا ما يرجى لمصر وأخواتها ويؤمل من القوى المخلصة، بما فيها تشكيلات التيار الإسلامي المتعددة.
٢ – لا ينبغي ربط مصير أي هدف جليل بأي طرف كبير أو صغير يعمل من أجله.
٣- إن التغيير التاريخي يعني تحقيق أهداف جليلة عبر مسيرة جيل كامل وليس خلال سنوات معدودات.
٤- إن ثورات الربيع العربي الشعبية ثورات تاريخية تصنع التغيير التاريخي على كل صعيد، ولا بد أن يساهم فيه كل طرف مخلص، فمن المستحيل حصر صناعة التغييرات الكبرى في جماعة أو حزب أو تيار أو فئة.
والله ولي التوفيق.

نبيل شبيب

إغلاق