تأملات – أشواق الحج

هل نلبّي الله تعالى ونقبل عليه حقا؟

إذا (حججنا) حقّا إلى الله تعالى، ستتحقق الأهداف الجليلة وإن لم نحصل على نعمة أداء الفريضة إلى بيت الله الحرام هذا العام

ــــــــــــ

(كان عام ٢٠٠٣م عام احتلال العراق وكان لأداء فريضة الحج يومذاك طعم خاص، دفع إلى نشر هذه الكلمات بعنوان أشواق الحج يوم ٨ / ١٢ / ٢٠٠٣م في ملحق الرسالة من جريدة المدينة في جدة، وتكرر نشرها يوم ٤ / ١٢ / ٢٠٠٧م في موقع إسلام أون لاين، ويحملها مداد القلم هذا العام ٢٠٢٠م إلى القراء في هذه الإصدارة بعد أن تم تقليص عدد الحجيج إلى ألف فقط بسبب جائحة كورونا)

كم تشتاق نفس المؤمن إلى الحج، إلى البيت العتيق.
كم تشتاق إلى الطواف حيث بدأ محمد صلى الله عليه وسلم فردا، وها نحن من بعده أكثر من مليار ونصف المليار مسلم ومسلمة عددا، بدأ مؤمنا داعيا عاملا مجاهدا، فبنى أمّة، وها نحن من بعده “أمّة؟!”.
كم تشتاق إلى السعي بين الصفا والمروة، يذكّرنا أننا بين يدي الله عبر العصور، ماضون مع أنبيائه جميعا، على تتابع القرون، على مرّ الزمن، ماضون في عالمنا المعاصر على هذا الطريق، فهل وعينا حقّا معنى التواصل على بعد المسافات وتباعد الأمكنة وتتابع الأزمنة؟

نحن أمّة، لو اجتمعت قلوب أفرادها على الطواف حول هذا الدين العظيم، كما يذكّرنا به الطواف في موسم الحج عاما بعد عام، لكان حالها غير هذه الحال.
أمّة، لو اتجهت إلى القرآن الكريم بفكرها وعملها كما تتّوجه إلى القبلة الشريفة في صلواتها، وتقصدها في حجها، لكان حالها غير هذه الحال.
كم تشتاق نفس المؤمن إلى الحج، إلى البيت العتيق، وقد ينال تلك النعمة فيحجّ، فيزداد شوقا، عاما بعد عام، كما هو حالنا عندما كنّا (نسمع) عن الحج، ونقرأ عن الحج، ونشتاق إلى الحج، عن بعد. وقد أصبحت شعائر الحج تتراءى أمام أعيننا داخل بيوتنا عبر الشاشة الصغيرة، فتزيدنا شوقا على شوق، أن نعود ثانية إلى الحج.

كأنّما أراد الله عزّ وجلّ أن يجعل من رؤية الحج عن بعد تذكرة إضافية لنا، فما كان تشريع الحج، إلا طلبا لتقوى الله “لعلّكم تتقون”… تذكيرا بنعمة الإيمان “لعلكم تشكرون”… حثّاً على طاعة الله “لعلكم تعملون”… تأكيدا على نصرة الله لعباده إذا ما اجتمعوا على ما أرادهم أن يجتمعوا عليه، لا تفرّقهم لغة ولا جنس ولا مكان ولا مال ولا شيء من اعتبارات الدنيا كلها، فهم بين يدي الرحمن سواسية، وفي ميزان الإسلام سواسية، على قدر ما يقتربون من الله يزدادون ثقة برحمته في يوم الحشر، ويزدادون ثقة بقدرته على تحقيق النصر!

أين نحن إذن من الحج والشوق إلى الحج؟ هل نشتاق إلى الحج حقا؟
هل نشتاق إليه وبين أيدينا أحاديث كثيرة عما يمكن أن يحقق للمسلم مثل أجر الحج وهو في مكانه أضعافا مضاعفة، وقد لا يكون في العمل المطلوب منه ما يماثل مشقة السفر، ولا أداء بعض الشعائر؟ هل نشتاق إلى الحج، وفي الحج نجتمع على صعيد واحد ننادي لبيك اللهم لبيك؟ فكم منّا من لا يحصل على نعمة الحج في عامه هذا، فهل حاول الحصول على نعمة (لبيك اللهم لبيك..)؟

هل نلبّي نداء الله تعالى في عمل يقرّبنا إلى نيل مغفرته ورحمته وتوفيقه ونصره؟
هل نلبّي الله تعالى إيمانا… صلةً بالقرآن الكريم… تطبيقا لآيات الذكر الحكيم… تأسّيا برسوله الكريم، صلوات الله تعالى عليه وعلى أصحابه أجمعين.
هل نلبّي الله تعالى في مراقبة أنفسنا وأعمالنا، في البحث عن (واجباتنا) كما نبحث عن (قضاء حوائجنا)، في خدمة ديننا، كما نخدم ما قد نشتهي تحقيقه لأنفسنا من نعم الدنيا؟
هل نلبّي الله تعالى، في استعادة ثقتنا بأنفسنا أفرادا، فالفرد الواحد صلّى الله عليه وسلم صنع أمة، أيام كان يواجه في عالمه وعصره أضعاف ما نواجه اليوم في واقعنا العالمي المعاصر، هل نلبّيه كما لبّاه، في استعادة ثقتنا بأنفسنا، أفرادا، وجماعات، وشعوبا، وأمة؟
هل نلبّي الله تعالى ونقبل عليه حقا إقبالَ الواثقين بأننا إذا أنجزنا وعدنا إيمانا وإخلاصا وعملا، فسينجز وعده، وأن النصر لا يبتعد عنا إلا بقدر ما نبعده نحن عن أنفسنا بقصورنا وتقصيرنا؟

معذرة أيها الحجاج إلى بيت الله الحرام، معذرة إليكم فردا فردا، ومعذرة إليكم وأنتم تعدون الملايين.
إننا إذا (حججنا) حقا إلى الله تعالى، سيتحقق النصر، ستتحقق الأهداف الجليلة حتى ولو لم نحصل على نعمة أداء فريضة الحج في هذا العام أو قادم الأعوام.

إن الحج المطلوب أولا هو الإقبال على الله تعالى بتلبيته، في واقع حياتنا، أفرادا، في واقع حياتنا، أسرا، في واقع مجتمعاتنا، في الحي الواحد، والقرية الواحدة، والجامعة الواحدة، والمصنع الواحد، فإذا أدّى كل منا واجبه حيث هو من الأرض، صار الحج المفروض مرة في العمر شعيرة تذكر الغافل منا، فترده إلى الصواب، وكان الحج الحقيقي اليومي المطلوب منا هو الطريق الواجب أن نسلكها لنرقى بأنفسنا إلى حيث يريد منا إسلامنا، ولنرتفع بمستوى كفاءاتنا وتخصصاتنا إلى حيث ينفع ديننا وأمتنا وعالمنا وعصرنا، ولنرتفع بمستوى إنجازاتنا اليومية، إلى حيث أمر الله تعالى، ليتنزل نصره الموعود!

اللهم ألهمنا السداد، واعفُ عن تقصيرنا، وألهمنا العمل، واعفُ عن زللنا، وألهمنا الإيمان الذي يجعل من قبلتك الشريفة أمانة تحملها القلوب والأفكار، مثلما تدور حولها الأجساد والأقدام.
اللهمّ اجعل التلبية على ألسنتنا وفي واقع أعمالنا، كصادق التلبية الصاعدة إليك من أهل عرفات، فلا ملجأ منك اللهمّ إلا إليك.

نبيل شبيب

إغلاق