تأليف – البوسنة والهرسك

جيل ما بعد الحرب إلى أين؟

البوسنة والهرسك حاليا دولة أوروبية جذورها التاريخية إسلامية تتكامل مع وعي شعبي يتنامى

ــــــــــ

كتاب البوسنة والهرسك جيل ما بعد الحرب إلى أين – النص الكامل (pdf) للتحميل 

يستهدف الكتيب عموما الخروج من نظرة التفاؤل أو التشاؤم إلى البوسنة والهرسك بميزان “صحوة إسلامية” أو واقع “الوصاية الدولية”، كي تقوم التوقعات المستقبلية على أساس نظرة موضوعية إلى الواقع.

من التوطئة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أعترف بأنني عندما أكتب عن البوسنة والهرسك لا يسهل علي أن أكتب بمنطق “الحياد المجرد”، فعلاقتي بهذا البلد الإسلامي الأوروبي علاقة محبة وولاء، نشأت وترسخت من خلال متابعة قديمة متجددة له ولأوضاع المسلمين فيه وفي مجموع منطقة البلقان، الموزعين كغالبيات سكانية في البوسنة والهرسك، وكوسوفا، وألبانيا، وكأقليات متفاوتة النسب في الجبل الأسود (لا سيما إقليم سنجق) وكروآتيا وسلوفينيا وصربيا ومقدونية ورومانيا وبلغاريا حتى اليونان.

كانت دوما متابعة عميقة التأثير على النفس، وأشد تأثيرا منها المتابعة لسنواتٍ أثناء الحرب الصربية ضد البوسنة والهرسك، إذ تواصلت يوما بيوم بحكم العمل الإعلامي، وبحكم علاقات شخصية واسعة النطاق، نشأت مع مسلمين بوسنيين لجؤوا إلى ألمانيا، وامتدت إلى مراسلين وصحفيين يعملون في ساحة الحرب، أتبادل معهم الحديث بما يتجاوز متطلبات المهنة آنيا، فينكشف لي من الوقائع ما ضاعف ارتباطي بالبوسنة والهرسك ومصيرها ومستقبلها وبأهلها وبمعاناتهم وبما يواجههم من عدوان وحشي على أرضهم، و”تآمر” دولي مكشوف في المحافل الدولية.

أصبح ارتباطي بالبوسنة والهرسك ارتباطا عقديا، وإنسانيا، ومهنيا، وشخصيا.. وأصبحت أتطلع إلى استقلالها الحقيقي، ووحدة أراضيها، وتقدمها، وإسلامها، مثلما أتطلع إلى ذلك على صعيد البلدان الإسلامية جميعا، مع قدر إضافي يرتبط بنوعية ما واجهته منطقة البلقان، وكثافته وأبعاده عبر مائة عام وأكثر، ويشابه عندي ما واجهته فلسطين وما حولها عبر الفترة نفسها.

رغم ذلك.. عندما طلب إلي المركز العربي للدراسات الإنسانية إعداد كتيب عن البوسنة والهرسك بعد مرور ١٥ عاما على “اتفاقية دايتون” ترددت عن ذلك، فما أرصده من حماسة كبيرة وتفاؤل بعيد المدى، في كثيرٍ مما يكتب عنها من منطلق إسلامي -وقد صنعتهما موجة الصحوة الإسلامية في البلقان أثناء الحرب الأخيرة- يتناقض مع ما أطلع عليه من مصادر غربية وبوسنية. وغمرني الإحساس بأن “الحقيقة” الموضوعية كامنة بين هذا وذاك، وتمنيت أن يفاجئني الاطلاع المباشر عبر زيارة لسراييفو كجزء من إعداد الكتاب لأؤكد على سلامة الحماسة والتفاؤل الإسلاميين، ولم يكن هذا سهلا، ولعل القارئ يجد جانبا من المقصود في فصل (انطباعات زائر) من هذا الكتيب، وقد دفعتني الزيارة وما كان فيها من رؤية مباشرة وأحاديث مستفيضة مع جهات عديدة، إلى إمعان النظر فيما بين يدي من مصادر عربية وأجنبية، والمقارنة الأدق فيما يكون أقرب إلى الحقيقة من التمنيات، وأقرب إلى سلامة الاستشراف المنهجي للمستقبل من الحماسة، وآمل أن أكون قد وفقت إلى ذلك، فليس الهدف من الكتيب “دغدغة المشاعر” وليس هو أيضا “وأد الآمال”، إنما نحتاج في متابعة واقع البوسنة والهرسك إلى ما نحتاج إليه في متابعة مختلف قضايا بلادنا وعالمنا وعصرنا، إلى رؤية موضوعية متوازنة للواقع القائم، تتخذ مكانها الطبيعي ما بين المعرفة التاريخية الموثقة، والتقديرات المستقبلية المنهجية، شريطة ألا نعتبر ذلك مجرد “ثقافة عامة”، فالتعامل مع قضايا من وزن قضايا البلقان، أو فلسطين، أو أفغانستان، أو القرن الإفريقي، ليس “ثقافة عامة”، بل مسؤولية فردية وجماعية، يلقيها على كواهلنا إيماننا العميق، بأن مستقبل هذه القضايا مرتبط ببعضه بعضا، وكذلك بالنهوض بأنفسنا في كل مكان وميدان إلى مستوى حمل المسؤولية، وإلى مستوى أداء الواجب، وإلى مستوى احتياجات إسلامنا وعالمنا وعصرنا، واحتياجات الإنسان والأسرة البشرية حولنا في هذا العالم والعصر.

لا بد من الإحاطة بلمحة تاريخية حول كل قضية من القضايا، تتجاوز حدود القراءة السطحية إلى استقراء السرد الأصح لوقائع التاريخ وما انبنى عليها من نتائج، مع تجنب تعميم الأحكام انطلاقا من اعتماد مصادر أقرب إلينا وإلى أمانينا، وأخرى نستشعر فيها عداء أو تشويها، ففي الأولى مبالغات إلى جانب الحقائق التاريخية المضيئة، وفي الأخيرة حقائق قد لا تعجبنا، يجب تقديرها واستخلاصها من وسط كم أكبر من التشويه والانحياز.

ويسري شبيه ذلك على الكتابات الحديثة مما يتعلق بحقيقة تعامل ما يسمى المجتمع الدولي، أي القوى الدولية المعدودة المسيطرة بحكم تفوقها المدني وقوتها العسكرية على صناعة القرار في الحقبة الراهنة من حياة البشرية، كما يسري على رؤية واقع بلادنا، ومنها البوسنة والهرسك، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا، وموقع الأثر الإسلامي من جهة والأثر التغريبي من جهة أخرى على ذلك كله.

ولا أزعم أنني حققت في هذا الكتيب جميع ما تطلعت إليه، لا سيما وأن المطلوب ابتداءً ألا يكون “مجلدا” ضخما، ولا دراسة “أكاديمية” محضة، رغم حاجة قضايا البلقان إلى مجلدات عديدة باللغة العربية من الدراسة والبحوث، إنما بذلت غاية الجهد شاكرا الله تعالى على ما وفق إليه، وطالبا مغفرته على ما قد يكون فيه من خطأ لم أتعمده، وراجيا أن أصل إلى القارئ العربي ببعض ما يحتاج إليه من معلومات ورؤى، توزعت على خمسة فصول تشمل نبذة تاريخية وخاتمة استشرافية للمستقبل، تحت العناوين التالية:

انطباعات زائر – أطياف تاريخية – مخطط دايتون – أرقام ومؤشرات – نظرة استشرافية – هوامش – المصادر

غلاف كتاب البوسنة والهرسكالمحتوى:

الفصل الأول: انطباعات زائر، يصف الواقع الراهن من وراء التمنيات حول استمرارية الصحوة الإسلامية عقب الحرب، لبيان واقع البوسنيين بين ضغوط المعيشة اليومية، وتصور تحسينها عبر مظاهر المعيشة الأوروبية.

الفصل الثاني: أطياف من التاريخ، مناقشة هادفة للمشهد التاريخي إلى ما بعد الحرب الصربية، كما تطرحه مصادر إسلامية وغربية، لاستخلاص “جذور الانتماء الإسلامي الحضاري”، واستخلاص “المشروعية القانونية الدولية” من منظور حشرها في رؤى غربية فقط ومفعول أحداث صنعتها القوى الغربية في حقبة تاريخية ما، وإعادتها إلى منظور تاريخي شامل ومتوازن.. ثم تفسير الأسباب البعيدة للصراع وكذلك لهمجية الحرب الصربية، والنقلة التي أوصلت إلى “اتفاقية دايتون”.

الفصل الثالث: مخطط دايتون، يبين عبر شهادات الباحثين الغربيين وعبر النتائج، أن الاتفاقية التي أنهت الحرب كانت مخططا صنع وضعا سياسيا ودستوريا تحت “وصاية دولية محكمة”، تمنع بناء دولة مستقلة والتقدم الاقتصادي، وترسخ الخلل على حساب البوشناق المسلمين تحديدا، مع عدم إغفال أن التدخل الغربي كان أيضا للحيلولة دون قيام “صربيا كبرى” ترتبط بالدولة الروسية.

الفصل الرابع: أرقام ومؤشرات، يركّز هذا الفصل على بيان ميدانين: الاقتصادي، والتعليمي/ الثقافي، ليطرح عبر الأرقام الجوانب العملية التي صنعها ويصنعها تنفيذ “دايتون” وكيف يجري ربط الدولة البوسنية بقوى خارجية أوروبية وإقليمية (صربيا وكروآتيا) وكيف تجري تنشئة جيل المستقبل بما يثبّت الأولوية لهذا التوجه، بغض النظر عن انتمائه الإسلامي تاريخيا أو عقديا، كما يطرح الفصل الجهود الإسلامية الذاتية وحدود تاثيرها.

الفصل الخامس: نظرة استشرافية، يبني هذا الفصل على ماسبق لاستبعاد الخروج من المعضلة الدستورية لتكوين الدولة أو الوضع الاقتصادي المرتبط بخارج حدودها في المستقبل المنظور، مع تأكيد أن التعامل إسلاميا معها يجب أن يراعي أنّها “دولة أوروبية” تقطنها غالبية مسلمة، وأن الجذور الإسلامية فيها تتكامل مع جهود محلية واعية، لا يزال تأثيرها محدودا ولكنه يتنامى بصورة منهجية في الاتجاه الصحيح، فكل “دعم” خارجي يجب أن ينطلق من معطياته على أساس التعاون وليس على أساس التلقين، لا سيما وأن المحاولات “التلقينية” الأولى في هذا الاتجاه عقب الحرب، اضمحلت واضمحل مفعولها بشكل ملحوظ، وسيرتبط مستقبل البلاد بعد ما صنعته الحرب وما تصنعه القوى الدولية حاليا، بحصيلة جولة أهمّ مضمونا ونتيجة، تدور الآن على “الجيل الجديد” فيها.

نبيل شبيب

كتاب البوسنة والهرسك جيل ما بعد الحرب إلى أينالنص الكامل (pdf) للتحميل

إغلاق