ذاكرة – بين يدي محمد الدرة وحمزة الخطيب

الإنسان.. يريد.. نهاية الإجرام

ألا يحمل كل منا قسطا من المسؤولية عن الطفولة الموؤودة بين أيدينا

ــــــــــ

منذ أبصرت عيناي للمرة الأولى صورة حمزة الخطيب، الطفل السوري الشهيد عام ٢٠١١م، كانت تلوح لي مجددا صورة محمد الدرّة، الطفل الفلسطيني الشهيد عام ٢٠٠٠م. وتتابعت في هذه الأثناء مشاهد الأطفال الشهداء، بالعشرات، بالمئات، من السوريين، كالمشاهد التي رأيناها واعتصرت قلوب كل من لديه حسّ إنساني، من العرب والمسلمين وسواهم في أنحاء العالم، على امتداد السنوات الماضية.. ضحايا من الأطفال، بالألوف المؤلفة، من الفلسطينيين، والعراقيين، والأفغان، والصوماليين، وغيرهم، ثم منذ مطلع ربيع الثورات العربية من تونس ومصر واليمن وليبيا والعراق والبحرين وسورية، ورغم ذلك بقيت صورة حمزة تتصدر تلك المشاهد في النفس والقلب، كصورة محمد الدرة التي تصدّرت تلك المشاهد في النفس والقلب.

ندع جانبا ما يركز عليه بعض المغرضين عندما يقارنون بين عدد ضحايا المشروع الصهيوني الآثم الغاشم وعدد ضحايا الأنظمة الاستبدادية العربية الغاشمة، ويحاولون تصوير العدو الصهيوني ومن وراءه كما لو كان هو “الأرحم”، ويتجاهلون أن هذا المشروع الصهيوني الغربي هو المصدر الأول والأخطر للقسط الأعظم مما أصاب بلادنا العربية والإسلامية، من نكبات وكوارث ومآسٍ على امتداد عشرات السنين الماضية، كما يتجاهلون أن جميع ما يقولون به ويروّجون له لا يمكن أن يزعزع قيدَ أنملة ذاك الأساس الإنساني الراسخ في وجداننا وعقولنا وثوابت قيمنا العقدية والمعرفية والحضارية على امتداد القرون، والذي تقرّره الآية الكريمة، وتجعله عنوانا لا يوازيه أي عنوان آخر حول قيمة النفس البشرية: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} – المائدة: 32 –

لهذا، لا يهمّنا كثيرا صنيعُ من يوظفون لغة الأرقام في حديث باطل عن الإنسانية والإنسان.

إنّما نتساءل أمام مشاهد اعتقال الأطفال والناشئة، وتعذيبهم، وقتلهم، هذه الأيام: ما سر استمرار الهدوء والصمت فيما يُسمّى الشارع العربي، نسبيا؛ فلا نغفل عما شهده ميدان التحرير وسواه في مصر، ولا جمعة النصر لشامنا ويمننا، ولا بعض ما كان في أقطار عربية وإسلامية أخرى ولا تحرك الجاليات في عواصم غربية، إنما كلمة الشارع العربي هنا، كناية عن “الشعوب”، عن “ضمير الأمة”، عن “غضبة الوجدان”، عن التعبير الجماهيري المباشر الناطق بالموقف الشعبي في عصر تقييد الحريات وتجيير الإعلام وتسلط السيف على القلم.، بل على الأصابع التي تحمل القلم كأصابع علي فرزات؟
هل يعود ذلك “القصور الخطير” إلى انتشار قسط من الاطمئنان لدى الإنسان العربي بأن الثورات الشعبية ستوصل في المستقبل المنظور إلى فرض واقع آخر تسود فيه معاني الكرامة والحرية والعدالة؟

الأطفال الضحايا
ضحايا الإجرام والسكوت على الإجرام

ألا يحمل كل منا قسطا من المسؤولية عن الطفولة الموؤودة بين أيدينا، وعن اغتيال المستقبل بين أيدي أجيال المستقبل من أولادنا وأحفادنا؟

ألا فليعلم كل “قاعد صامت” أن هذه الثورات جميعا ليست إلا شرارة، صنعت البداية، على طريق طويلة، تفرض على الجميع التحرك والكلام، قبل أن يخبو وهجها، بفعلِ ما لا يكاد يمكن الإحاطة به، من “تآمر” علني وخفي، مباشر وغير مباشر، لإخمادها، أو احتواء نتائجها.
ألا فليعلم كل “قاعد صامت” أنّ مسؤولية “القاعدين الصامتين” مسؤولية كبرى، عن حصيلة الثورات العربية الجارية، وعن ضحاياها.. طفلا طفلا.. فردا فردا.. “زنقة زنقة”.. وهي ذاتها المسؤولية التي يحملونها على كواهلهم تجاه أبنائهم وأحفادهم هم، فما يصيب الأطفال والناشئة الآن، إمّا أن يصنع مستقبلا مشرقا آخر، إذا شارك الجميع في تعبيد الطريق، أو ينتكس، فيحوّل ما يسود الآن من مظالم بدرجات متفاوتة، ليشمل بعنفوان أكبر وأشد، المزيد من الشعوب، والمزيد من الفئات الشعبية المنشغلة عن بعضها بعضا، الغافلة عن القاعدة النبوية التي تجعل منها جميعا “جسدا واحدا” إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، وإلا أصاب المرض العضال كافة الجسد دون تمييز بين عضو وعضو وشلو وشلو.

هل يعود ذلك “القصور الخطير” إلى جهل بحقيقة ما يجري، طالما جرى تعليله بمفعول حملات التضليل بالكلمة، وشَغْل الإنسان عن قضاياه الإنسانية والسياسية بفقره أو ترفه؟
لم يعد يوجد عاقل يأخذ بذلك التعليل، فصنّاع الثورات من الشبيبة اخترقوا حواجز التعتيم بمختلف صنوفها، ووصلوا بالخبر صوتا وصورة إلى كل زاوية من زوايا العالم كله، ومن يرَ بأمّ عينيه هذه المشاهد ويسمع بأذنيه ما يرافقها من أنين وألم، لا يمكن أن يدفع عن نفسه تهمة فهمها وتجاهلها، عبر أيّ تأويل وتعليل مقنع، إلاّ أنّ الإجرام – سيّان ما لونه وعنوانه – لا حدود لِما يمكن أن يصنعه بالأمة ومستقبلها، شعبا شعبا.. “زنقة زنقة”، فمن لا يزال “ناجيا” بنفسه لبقاء مفعول الإجرام خارج أبواب بيته، عليه أن ينجو أيضا من “خداع” نفسه بقابلية بقاء أبواب بيته موصدة.

لن يتوقف مسلسل الإجرام دون أن تتضافر الأمة – غير المسلّحة – لتجعل من صوتها وموقفها سلاحا يرقى بمستوى مفعوله إلى مستوى حمزة وأقرانه، الذين أشعلوا نار الثورة في أنحاء سورية، وأمثالهم في سواها؛ فمتى تتحوّل الشوارع والأسواق ما بين الرباط ودبي، إلى شبيه ما تحوّلت إليه يوم انتقلت صورة الشهيد محمد الدرّة، إلى القلوب والعقول فأوقدت شعلة الوجدان فيها، وليس إلى “الشاشات البيضاء الصغيرة” لتصبغها بحمرة الدماء فقط، فيهرب المشاهد منها إلى تلك التي لا تزال تحبّذ الرقص على الأشلاء، والغناء عساه يطغى على مفعول الاستغاثات!
إنّ وحدة الأمة التي يتحدث عنها المتحدثون، تارة من منطلق عقدي، وأخرى من منطلق قومي، وثالثة من منطلق الواقعية وما تفرضه في عالم التكتلات المعاصر، ورابعة من منطلق الحصيلة المادية عبر فتح الحدود وتكامل الطاقات والموارد.. وحدة الأمة هذه لا تصنعها “قرارات فوقية” وسنويا تمرّ بنا في ٢٨ / ٩ ذكرى الانفصال الذي أنهى التجربة الأكبر والأهم في تاريخ الأمة، ما بين مصر وسورية، كما ذكّرنا سقوط القذافي قبل فترة وجيزة بمحاولاته الفجّة التي أسهمت في نشر مقولات “موت الوحدة العربية” بعد نشر التيئيس من تحقيقها.
إن وحدة الأمة تصنعها وحدة الشعوب.. تصنعها إرادة الشعوب..
إن مشاهد الضحايا من الأطفال من أمثال محمد الدرة وحمزة الخطيب، هي أوّل ما يجب أن يكشف عن وحدة الشعوب بما لا يمكن أن تصل إليه بلاغة خطيب من الخطباء ولا إبداع ريشة فنان عبقري ولا حنكة مفكّر أو عالم أو ناشط سياسي..
وإن مشاهد الشبيبة التونسية.. والمصرية.. والليبية.. واليمنية.. والسورية.. والبحرينية.. والعراقية.. والفلسطينية.. يجب أن تكشف عن وحدة جيل المستقبل بمشاعره وتفكيره وطرق عمله ومستوى طاقاته وقدراته.. وتؤكّد أن وحدة الأمة قادمة، رغم عقبات الاستبداد المحلي، والانحرافات في السياسات الإقليمية، والجهود المضادة من جانب القوى الدولية..
وإنّ مشاهد القعود والصمت.. والتجاهل لا الجهل.. والتشاغل لا العجز.. على مستوى “الشارع العربي” تؤكّد أنّنا جميعا في حاجة إلى مراجعة أنفسنا، والتأمل في واقعنا، وواقع أبنائنا وأحفادنا من بعدنا، لندرك.. أنّنا نكاد ننفصل بأنفسنا عن عالم جديد بدأ يتشكل في بلادنا، وأننا نحمل مسؤولية القرار الحاسم:

– إما أن نكون قوة رافدة للتغيير الجذري الذي انطلق بقوّة النار في جسد البوعزيزي بعد محمد الدرة، ووصل إلى جميع “زنقات” سورية واليمن وأخواتهما دون استثناء..
– أو أن نكون عبر القعود والصمت قوة داعمة لمن يتكتلون علنا ومن وراء ستار، لإطفاء جذوة الثورات، واغتيال الدرّة وحمزة وأقرانهما.. مرة بعد مرة، ليس لأنها ثورة، بل لتستمرّ أوضاع التجزئة والتخلّف والعجز، وأوبئة التبعيات المحلية الذاتية، وموبقات الهيمنة الخارجية الأجنبية، والنكبات والكوارث المتتالية عبر المشاريع الصهيونية وغير الصهيونية.

بكل صدق: لا أدري.. كلما لاحت لي ملامح وجه محمد الدرة.. أو ملامح وجه حمزة.. أو ملامح وجه الطفلة الشهيدة الفلسطينية إيمان حجّو.. أو ملامح الطفلة الشهيدة السورية هاجر.. لا أدري كيف يستطيع إنسان، أي إنسان، في أي مكان، أن يحسب نفسه قادرا على إجابة تساؤلات أبنائه وأحفاده غدا، ولا كيف يستطيع الآن أن ينظر إلى عيون أحد أطفاله، أو أحفاده، أو أطفال جار من جيرانه، ثم يمضي إلى الفراش لينام هادئا مطمئنا، وقد يعاني من الكوابيس، ولكن لا يتحرّك ليشارك في وضع حدّ لها، ولو بكلمة واحدة: الإنسان يريد نهاية الإجرام في كل مكان.

نبيل شبيب

إغلاق