من ألوان المداد

استراحة – استعمار مسرح العرائس

إلى أين تمضي سياسات الأنظمة في بلادنا ببلادنا؟

ــــــــــ

ظهر مسرح العرائس قبل قرون عديدة في مناطق آسيوية ثم في سواها، وراج في بلادنا في القرن الميلادي العشرين، فاشتهر به مثلا محمود شكوكو (1912-1985م) في مصر، وكان منّا آنذاك، أي من بلغ من العمر عتيا في هذه الأثناء، من يجلس طفلا كالآباء والأجداد من قبل، أمام ذلك “المسرح” ولا يرى إلا العرائس أو الدمى بألبستها الملونة المزركشة وحركاتها المضحكة وأصواتها الصاخبة، الضاحكة حينا الباكية حينا آخر، وكأنها تتحدث فلا يدرك الأطفال أن وراءها مَن يتكلم، وأنهم يسمعون كلامه على ألسنتها، وأنه هو يحركها وهم يحسبونها تتحرك من تلقاء ذاتها، بل يغلب عليهم الضحك عندما يرونها تضرب بعضها بعضا كما يفعل بعض أصحاب السلطة في بلادنا ببعضهم بعضا أو بشعوبنا وجيوشنا وأحزابنا، ولا يدرك الأطفال ما يدركه الكبار هذه الأيام أن هؤلاء يدفعهم إلى الاقتتال بينهم والجبروت على شعوبهم، اعتيادهم على الطاعة العمياء الانتحارية، لمن يختبئ وراء ستار ويتقن إتقانا كبيرا فنّ تحريك العرائس والتكلم بألسنتها من بطنه كما يقال، مثل محمود شكوكو وعرائسه قديما.

لا يوجد فارق كبير بين ذلك المشهد الطفولي، المضحك المبكي، وما نعايشه منذ زمن في “عالمنا” العربي والإسلامي، وإن تطور ذلك “الفن” في دنيا السياسة، فلم يعد محمود شكوكو يختبئ وراء ستار، بل كثيرا ما يظهر نوابه ومبعوثوه في الصدارة حول مآدب البذخ والتبذير في عقر قصورهم، أو يجلبهم إلى عتبات بيته الأسود، ولم تعد ألبسة العرائس مزركشة بل هي تارة من الأزياء الوطنية المخادعة للشعوب، وتارة أخرى من الأزياء الغربية الممالئة للأسياد، حسب “المناسبة” ومشاهد المسرحية.

كما نشهد كيف أن القليل من المبكي المؤام، مما كان يراه المشاهدون قديما، قد تحول إلى ما لا يحصى من ضحايا، وهم مجرد أرقام، وتحولت رسوم المشاركة في أدوار مسرح العرائس المستحدثة إلى مليارات الدولارات، وهي من الثروات المغتصبة، وتحولت الأسلحة من عصي ليّنة في أيدي العرائس، إلى صواريخ ودبابات وطائرات مقاتلة ومسيّرة وبراميل متفجرة وأسلحة كيمياوية وجرثومية بل مناشير حادّة، في أيدي من يتصرفون بوعيهم كمجرمين أو كالعرائس المخدوعين، كما تحولت الأهداف القومية والوطنية في قضايا مصيرية، إلى تطبيع يرجون الوصول إليه عسى تصبح أوضاع العرائس “طبيعية”، سواء حملت عناوين قومية أو وطنية أو قبلية أو بدوية أصيلة أو إسلامية مزعومة.. ويزيدون على ذلك بما ينشرون من تقارير مزورة عن أوضاعنا “الإنسانية”، ولا يستحيون عندما يستعرضون حقيقة واقع أصحاب الفخامة والمقامات العالية، دون رتوش، ليفهم من لم يفهم بعد من المتفرجين، أن الاستعمار القديم لم يندثر في سجل التاريخ ولكن تحول مظهره مع حداثة أساليبه فصار جديرا بتسميته استعمار مسرح العرائس.

والأنكى من ذلك أن يوجد في جمهور المتفرجين أطفال في شؤون السياسة والفنون والتاريخ والمنطق والحاضر والمستقبل، ممن يشيرون بالبنان إلى صفقات البيع والشراء والمتاجرة بالدماء، ثم يقولون لمن قد يعترض وهو يجلس معهم بين المشاهدين: كلا، لا تعترضوا، المسألة مسألة مصالح لا تفهمونها، ولغة مصالح لا تنطقون بها، وصراع مصالح لا تستوعبونه ولا تقتنونه!
ونؤكد.. نعم يجب أن نراجع أوضاعنا وأفكارنا وأخطاءنا، ولكن لا ينبغي أن نكون أغبياء، ولا أن نغفل عن وجود قوى أجنبية دولية تدفع السلطات في معظم بلادنا دفعا إلى ممارسة سياسات انتحارية، من مؤشراتها تحول الأنظمة إلى دمى تعبث بها وتعبث من خلالها بالشعوب والثروات، عبثا دمويا، ويحق القول إذن بئس “لغة المصالح” عنوانا مزيفا لذلك.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى