أمانة الكلمة

من الأشدّ افتراء.. جاهل يفتي بما لا يعلم.. أم عالم يفتي بالباطل وهو يعلم؟

الأذواق نكهة الكلمات.. وكم ضاعت قيمة كلمةٍ لا نكهة فيها

تصل الكلمة من القلب إلى القلوب ومن الفكر إلى العقول، فإن لم تفعل أين الخلل؟

ننصر قضايانا وننصر أنفسنا عندما تكون الأعمال المتواصلة أكثر من كلامنا المتكرر عن ذلك

قل الحق طالبا الرضوان واحذر الباطل وغضب الديّان

ماذا تقول لجيل نورّثه النكبات؟ أقول لا تكن مثلنا، كيلا تصنع مثل ما صنعنا


القيادة لا تنشأ بأن تدعو الناس ليمشوا وراءك، بل تنشأ عندما تعمل بإخلاص ووعي وبصيرة فيدعوك الناس أن تمشي معهم وأمامهم

اعتمدت الهيمنة الأجنبية وتعتمد دوما على الاستبداد المحلي، التابع علنا أو التابع فعلا الممانع زعما.. ولهذا اشتد التآمر على الربيع العربي

الثورات التغييرية لا تبدأ بقرار ولا تنتهي بقرار، وكل تغيير تاريخي عملية انسيابية من حصيلة التلاقي على إرادة التغيير، فتفضي إليه آجلا أو عاجلا

قال: علام تنكر علي نقدي لما أصاب جسد الثورة في سورية؟ قلت: لا أنكر، على أن نتكلم باعتباره "جسدنا" نواسي ونداوي ولا نغرس فيه خناجر ألسنتنا

الشعوب تصنع النخب التي يمكن أن تقود.. أما النخب التي تصنع بعضها بعضا فلا تصنع شعوبا ولا تقود

لن يفني الكرد العرب.. ولن يفني العرب الكرد.. ولكن الاقتتال يفني كل شكل من أشكال الحياة الكريمة المشتركة


Google Plus Share
Facebook Share
أستاذ علوم القرآن والحديث

د. محمد بن لطفي الصباغ: عبد الرحمن الباني بركة هذا العصر

توفي الشيخ محمد بن لطفي الصباغ رحمه الله يوم ٢٧/ ١٠/ ٢٠١٧م وهذا رثاؤه لأخيه الشيخ عبد الرحمن الباني رحمه الله من ١٢/ ٥/ ٢٠١١م

في فجر يوم الخميس التاسع من جمادى الآخرة سنة ١٤٣٢ﻫ الموافق ١٢ من أيار سنة ٢٠١١م توفي أخي وحبيبي وصديقي وأستاذي الإمام العلامة الشيخ عبد الرحمن بن محمد توفيق الباني عن عمر جاوز السابعة والتسعين، فقد ولد سنة ١٣٣٥ﻫ/ ١٩١٧م وتوفي سنة ١٤٣٢ﻫ/ ٢٠١١م، قضاها كلها في طاعة الله ورسوله، ونشر دعوة الإسلام، والدفاع عنه. وقد أوتي شخصية مستقلة، وموهبة فذّة في الذكاء والقدرة على استيعاب ما يقرأ وعرضه، والفكر النير، والنظرة الصافية النقية، والدأب المستمر في تحصيل العلم والدعوة إلى الله، والإصرار على سلوك طريق الحق مهما كانت العوائق والعقبات، والرغبة في خدمة الناس ومعونتهم.

  • ولد الشيخ في أسرة كريمة متدينة من كرام أسر دمشق، وفي بيئة محافظة متمسكة بالدين ملتزمة لأحكامه، تقوم بينها وبين الأسر العلمية الدمشقية روابط من القرابة والصلة والتعاون.. هذه الأسر التي ظهر منها علماء كبار من أمثال العلماء من دار الكزبري والعلماء من دار الخطيب ومن أمثال الشيخ بدر الدين الحسني المحدّث الأكبر في بلاد الشام وفي عصره.
  • وكانت دمشق معقل الدين تزخر بالعلماء الفحول.. ولم يكن فيها مكان لدعاة الشر.. بل كل ما فيها قام على الدين.. في هذا الجوّ الإسلامي الكريم نشأ فقيدنا رحمه الله وأحسن إليه. وتعلم في مدارس بلده إلى نهاية المرحلة الثانوية ونال شهادة البكالوريا الثانية (قسم الفلسفة) ودرس في دار المعلمين، وكان الأول في مراحل دراسته كلها، وقد اطلعت على بحث قيم له كتبه عن ابن خلدون وهو في هذه المرحلة الدراسية التي نتحدث عنها.

شهد وهو فتى سقوط الخلافة الإسلامية -وهو أعظم مصاب حلّ بالمسلمين -وا أسفاه- فقد استطاع اليهود والنصارى أن يعملوا على إسقاط هذه الخلافة التي استمرت خلال القرون الماضية وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وشهد كذلك احتلال الفرنسيين بلاد الشام بالحديد والنار، وتنكيلهم بالثوار وبالناس الآمنين في بيوتهم.. ثم شهد العهود التي تلت.

وقام بعض المثقفين من الشباب المتدين بإنشاء جلسة يتدارسون فيها الواقع وكيفية إصلاحه، وكانوا يلتقون في جبل قاسيون وكان منهم الأساتذة بشير الباني وعبد الهادي الباني وعبد الرحمن الباني ومعروف الدواليبي والشيخ عبد الرؤوف الأسطواني.. وغيرهم، كانوا يلتقون في جبل قاسيون، ويتباحثون في كيفية العمل بالإسلام وتثبيت أركانه وأحكامه في قلوب الناشئة؛ ذلك لأن فرنسا وضعت مناهج التعليم في مدارس البلاد على ثقافة علمانية غريبة عنا.. فجعلت المناهج مصبوغة بصبغة علمانية بعيدة عن الروح الدينية، وجعلت اللغة الفرنسية تدرس في المرحلة الابتدائية، وتاريخ فرنسا ولا سيما الثورة الفرنسية يدرس بتوسع في المرحلتين المتوسطة والثانوية.. وجعلت مادة الديانة مادة هامشية: لا مناهج لها ولا كتب ولا تدخل في امتحانات الشهادات.. وجعلت في تلك المناهج دراسة الحركات الفكرية التي قامت في تاريخنا.. فكان الطلاب يدرسون الاعتزال بتوسع والفلسفة اليونانية وأئمة الفلسفة الذين ظهروا في العصر العباسي كابن سينا والفارابي وأمثالهما.. وحركة الخوارج.. والمرجئة.. والتصوف وما إلى ذلك من الاتجاهات.

يدرس الطلاب هذه الحركات التي فيها انحراف ولا يدرسون الإسلام والنظام الاجتماعي التعاوني فيه، ولا النظام الاقتصادي فيه، ولا النظام الروحي.. فكان لذلك كله أثر في تكوين فكر أبناء الأمة وبناتها.

كانت تلك النخبة في جبل قاسيون تفكر في إصلاح التعليم وإصلاح الأوضاع العامة في الأمة.. وكان عبد الرحمن الباني يفكر معهم.. وقرر من ذلك الوقت أن يعمل على إصلاح ذلك كله.. وقرر أن تكون حياته في خدمة التربية الإسلامية.. ولما أسندت إليه وظيفة مفتش التربية الإسلامية في سورية قام بتحقيق الكثير مما كان يتطلع إليه.. ولقد نجح هذا الرجل العظيم في ذلك أعظم نجاح.

فلقد قام مع عدد من كبار علماء الدين، وعدد من المفكرين في مطالبة المسؤولين بإدخال مادة التربية الإسلامية في امتحان الشهادات واستطاع تحقيق ذلك.

ثم وضع مع عدد من مدرسي هذه المادة المناهج المحكمة التي تعنى بدراسة النظام الاقتصادي في الإسلام، والنظام الاجتماعي وما إلى ذلك.. ثم شارك في تأليف الكتب وفق هذه المناهج، وكان يأبى أن يضع اسمه في عداد المؤلفين.

وكانت هذه الكتب هادية إلى الحق والالتزام بالإسلام والاقتناع بصلاحيته وأفضليته، وقد سمعت الأستاذ علي الطنطاوي يثني عليها الثناء الكبير

واختار -بصفته الرسمية- المدرسين الأكفاء، فاجتمع لهذه المادة المنهج الصالح، والكتاب الصالح، والمدرس الصالح

وانتفع الدارسون بذلك وتركت هذه الدراسة الأثر الكبير في نفوسهم وظهر هذا الأثر في انتخابات النقابات في عهد دستوري، فكان معظم الناجحين في هذه النقابات من ذوي الاتجاه الإسلامي.

فكان معظم الناجحين في نقابة المهندسين من الإسلاميين.

وكان معظم الناجحين في نقابة الأطباء كذلك من الإسلاميين.

وكان معظم الناجحين في نقابة المعلمين من الإسلاميين.

وهكذا.. حدث انقلاب فكري هادئ قام به هذا الإنسان المجاهد.

من أجل ذلك كان أول عمل قام به حزب البعث عندما تمكنوا في الحكم إخراج عبد الرحمن الباني من وزارة التربية والتعليم وتحويله إلى التدريس.. ثم ما لبثوا أن غيروا الكتب وعدلوا المناهج وأفسدوا الإفساد الذي درجوا عليه.

كانت الحكومة السعودية تعرض عليه العمل في بلادها فكان يعتذر لأنه كان يقوم بعمل عظيم في وزارة التربية، فلما أبعد عن عمله، وطلبته حكومة المملكة استجاب لذلك وعمل في اللجنة الفرعية لوضع المناهج التي كان يرأسها الشيخ حسن آل الشيخ، وكان ينوب عنه دائماً الشيخ ناصر الحمد الراشد رحمهما الله، وكان له جهد في وضع سياسة التعليم التي قال عنها المودودي يوم أن رآها: إنّ هذه السياسة ثروة للملكة تفُوق الثروة النفطية التي أكرمها الله بها.

وكان له دور كبير في إيجاد مادة التربية الإسلامية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

- كانت لديه اقتراحات نافعة يقدمها لمن يتوسم فيه القدرة على الكتابة فيها، فقد طلب من شيخه العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني أن يكتب في آداب الزفاف وفي أحكام الجنائز وفي حجاب المرأة فكتب في ذلك، واقترح على العلامة الشيخ محمد أبو زهرة عندما اجتمع به في بيتي في زيارته لدمشق أن يكتب كتاباً في أصول التفكير الإسلامي.

- وكان الفقيد يملك أسلوباً جزلاً في الكتابة، وكان خطه جميلاً جدا.

- له بحوث كثيرة في موضوعات تربوية وإسلامية نافعة وهي موجودة ضمن جزازات، كان يطلعني عليها.

- وكان نصيراً للغة العربية متحمساً أشدّ الحماسة للتعليم بها في المستوى الجامعي في الكليات العلمية، وعنده في هذا الموضوع ملف كبير غني.

- وهناك فوائد في تعليقاته على كتبه التي يقرأها، وأذكر هنا بصورة خاصة تعليقاته على الكتاب العظيم (الأعلام) الذي كان يجلّه ولا يكاد يفارقه، ففيه استدراكات وزيادات نفيسة وكذلك الأمر في الكتب الإسلامية الحديثة، وبالكتب المتعلقة بالتربية والفلسفة وعلم النفس.

- اشتركت معه في مراجعة الموسوعة العربية العالمية مع طائفة من الدكاترة، وكنا نلتقي حوالي ثلاث سنوات حتى أتممنا مراجعتها، وكان الأستاذ عبد الرحمن دقيقاً في المراجعة من حيث المضمون والأسلوب.

- ومن آثاره القيمة تلك المقدمة المهمة لرسالة (العبودية) لابن تيمية التي لا تقل في أهميتها عن الرسالة نفسها

- وسبق أن ذكرت البحث الذي كتبه في وقت مبكر عن ابن خلدون.

- وكذلك له بحث عن الحوار.

- وكتب مقدمات لعدد من الكتب طلب مؤلفوها منه أن يكتب لهم مقدمات فاستجاب وفعل.

- ومن آثاره المطبوعة (مدخل إلى التربية في ضوء الإسلام) و(الفلم القرآني).

- ومن آثاره المخطوطة:

- (الدين والتربية وأسس التربية الدينية)

- (فكرة وحدة الوجود عند ابن عربي)

- (فن التراجم وحاجة الأمة إليه)

- وله مقالات عدة منشورة

. . .

  • كان -رحمه الله- عفّ اللسان، فلم يكن يذكر أحداً بسوء.
  • وكان -غفر الله له- كريماً في بيته يبالغ في إكرام الضيف ويقدم إليه ما عنده.
  • وكان حريصاً على مساعدة الآخرين بالمال سخياً في حدود طاقته فما أكثر ما رأيته يتبرع ويجمع لبعض المستحقين.
  • وكان حريصاً على نصح الآخرين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللطف والحكمة.
  • وكان يريد من الباحثين أن تكون بحوثهم مستكملة لعناصر الجودة فإذا سمع أنّ طالب علم يبحث في موضوع من الموضوعات، كتب له توجيهات ثم كتب قائمة بالمراجع، وقد يعيره هذه المراجع من مكتبته.

. . .

  • وقد أكرمه الله تعالى بأن حفظ عليه صحته وقوته وبصره، فلم يستعمل عكازاً، ولم يكن يلحظ الإنسان عليه أمارات الشيخوخة.

ظلّ إلى آخر عمره محتفظاً بذاكرته وفكره وعلمه، ولم يقعده المرض في الفراش إلاّ أياماً معدودة، وكان يصعد الدرج، ويذهب إلى الصلوات الخمس على رجليه، وما كان يظهر عليه إلاّ ضعف السمع لقد حفظ الله عليه صحته وملكاته وأجهزته لأنه حفظها من المعاصي في كل مراحل عمره.                            

  • ابتعث إلى مصر للدراسة في الأزهر من قبل وزارة المعارف السورية فنال شهادة كلية أصول الدين، والإجازة في الدعوة والإرشاد من الأزهر وشهادة الفلسفة من كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، وإجازة التدريس من المعهد العالي للمعلمين في القاهرة.
  • وكان له لقاء مع الأستاذ المرشد العام للإخوان المسلمين حسن البنا وعمل مع الإخوان، وسجن معهم أيام الملك فاروق وتعرّف على علماء مصر ومنهم الشيخ محمد الأودن الذي كان يكبره ويثني عليه كثيراً، ومنهم الأستاذ محب الدين الخطيب.

وتعاون في المجال العلمي والدعوي مع عدد كبير من الشباب منهم الأستاذ محمود نفيس حمدي، والأستاذ الدكتور رشاد سالم والأستاذ عبد المعز عبد الستار والأستاذ عبد الحكيم عابدين وعز الدين إبراهيم وغيرهم والأستاذ عبد الحليم محمد أحمد أبو شقة وتزوج أخته وجاء بها إلى الشام.

فقضى في رحلته الدراسية هذه سبع سنين. وعاد إلى الشام سنة ١٩٥١م

  • وأما علاقتي به فتمتد ستين سنة ما ترك أحدنا الآخر، وكنت جاره في السكنى، وكنا نزور معاً العلماء الكبار الذين يزورون دمشق. فقد زرنا أبا الحسن الندوي والأستاذ أحمد محمد شاكر والدكتور تقي الدين الهلالي وغيرهم

واستمرت هذه الصلة وتوثقت عندما جاء إلى نجد بعدي فاستقبلته واستأنفنا اللقاءات.

وكان زميلي في كلية التربية لسنوات.

ثم كان زميلي في وزارة المعارف حيث عملت أنا وهو مستشارين في مكتب الوزير.

وكنت معه في جلسة أسبوعية نتدارس القرآن حتى ما قبل وفاته بأسبوعين.

كان رحمه الله ورعاً غاية الورع.. فلا يستعمل أوراق الدولة إلاّ فيما يتعلق بأمور الدولة، ولم يكن يملأ قلمه من حبر الوزارة بل كان يشتري دواة ويملأ منها قلمه.

ولم يكن يلبي دعوة أحد من موظفي الوزارة.

وكان حريصاً على التوجيه في كل مجتمع من المجتمعات التي تكون.

. . .

وأقدم التعزية الخالصة إلى العلماء في العالم الإسلامي وإلى أحبابه من الدعاة إلى الله وإلى ولديه الكريمين المهندس أسامة والأستاذ محمد وإلى بناته الدكتورات: داعية وخديجة وأسماء وسمية وسلمى العالمات الصالحات وإلى أزواجهن وإلى أحفاده.. جزى الله كل من كان في خدمته ورعايته منهن ومن غيرهن.

غفر الله لنا وله، وجمعنا به في مستقر رحمته في الجنة وإنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين

محمد بن لطفي الصباغ

 

Google Plus Share
Facebook Share

تعليقات

لا يوجد نتائج مطابقة


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق