أمانة الكلمة

لكلمة الحق درجات.. أدناها التواصي بالحق والصبر وأعلاها مرتبة سيد الشهداء

الجهر بالحق واجب كفائي فهل ننجو من الإثم إن بقي الأداء دون حدّ الكفاية؟

ما أكثر من يعرف كلمة الحق وما أقل من يعرف ثمنها ويجهر بها

بقدر صدقنا قولا وعملا بشأن المقاومة، يتسارع العدّ العكسي لعصر النكبات

أغمض عينيك واطوِ مسافة الخلاف بيننا وستسمع ما أقول وإن لم تقرأه مكتوبا

قد يرقى جزاء كلمة الحق في وجه سلطان جائر إلى مرتبة سيد الشهداء

لا يرتفع صوت متبجحا بالباطل إلا عندما يغيب الجهر بكلمة الحق


الثورات جذوة تغيير، تتحول عبر حقبة من الزمن.. إلى أنوار كاشفة للحق ونيران حارقة للتضليل، ودواء يعالج الأوبئة

لا تحتاج الثورات إلى ساسة وارثين لخنوع ما قبل الثورات، بل إلى ساسة مبدعين على مستوى إبداع شعوب صنعت الثورات

لا ينهي الثورات عدو دولي إذا التقى الثوار على العمل لها.. وتنتهي إن افترقوا وتراجعوا.. ولو غاب العدو الدولي

إن طلبت أسباب الشفاء، فلا تبحث عمّن يقول: لا يوجد دواء، لعجزه عن التشخيص أو لجهله بالدواء

عاقبة التسويف في الأمور الشخصية خسران وندم.. وعاقبة التسويف في القضايا المصيرية ذل وهوان

كم ذا نرفع شعارا يقول الثورة لا تموت، الثورة تنتصر أو تستشهد، فهل حددنا مواقعنا على درب التغيير أم اكتفينا في التنافس على رفع الشعار


Google Plus Share
Facebook Share
هل أصبح الانحراف السياسي بالانتصارات مستحيلا؟

حرب العبور بعد جيل كامل

ليست قضية فلسطين ولا قضايا مصر وسوريا وأخواتها في حاجة إلى قيادات تطعن جنود العبور في الظهور، بل إلى قيادات سياسية واعية مخلصة وقادرة

مضى ما يعادل أكثر من فترة حياة جيل كامل على حرب العبور، عبور الجنود الصائمين في العاشر من رمضان ١٣٩٣هـ (٦ تشرين أول/ أكتوبر ١٩٧٣م) قناة السويس ليحطّموا أسطورة التحصينات الإسرائيلية في "خطّ بارلييف"، وليسجّلوا في التاريخ العسكري مجددا أنّ في الإمكان اعتمادا على العقيدة والإخلاص والإعداد العسكري الهادئ، تحقيق نصر عسكري كبيرا، كان أولا وأخيرا من صنع الجنود، على الجبهتين السورية والمصرية، إلى أن ظهر ما بيّتته القيادة السياسية، من تخطيط متعمّد أن يكون النصر محدودا، فأدّى إلى الإقالات العسكرية، وتغيير الخطط الموضوعة للتحرّك في سيناء، فمكّن من ثغرة الدفر سوار، وانكشف أنّ حرب العبور لم تكن عند السادات وسيلة للتحرير وإنّما وسيلة لتسويغ ما أتى بعدها من خطوات غيّرت خارطة المنطقة سياسيا وعسكريا، في صالح الطرف المهزوم عسكريا في بداية حرب العاشر من رمضان.

 

نصر العبور المأساوي

من تابع مفاوضات كامب ديفيد آنذاك، وتفحّص حصيلتها، ثمّ ما سمّي "اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل" ودرس بنودها، كان مضطرا للوصول إلى نتيجة تقول، إنّ الأطراف الثلاثة التي أجرت المفاوضات، كانت على أرض الواقع طرفا واحدا، أمّا أصحاب الحق الشرعيون في صناعة القرار بشأن بلادهم وواقعهم ومستقبلهم، فكانوا مغيّبين، وكلّ من تجرّأ من المسؤولين المصريين أنفسهم على محاولة أخذ بعض مصالح الشعوب بعين الاعتبار، كان مصيره الإقالة، والإقصاء عن آليات صناعة القرار.

قيل الكثير أيام السادات عن دور مصر القادم في عهد السلام، وعن الرفاه القادم في ظلّ السلام، ومع مرور السنين في عهد السادات ومن بعده، وتحوّل هذا الدور إلى العجز عن دفع مخاطر جديدة كتلك عند منابع النيل، وإلى الإسهام في ضغوط على أطراف عربية أخرى على طريق التطبيع والتركيع، دون أن يجد أهل فلسطين سلاما وأمانا، ودون أن يجد أهل مصر مأوى وطعاما وكرامة. وتحوّل هذا الدور إلى الإسهام أو على الأقل إلى العجز عن منع حروب عدوانية تالية، بينما أصبحت مصر نفسها عرضة للابتزاز حتى عن طريق واردات القمح الأمريكي وسواها، وساحة لمناورات عسكرية تخدم أغراضا عدوانية جديدة.

إن التسويغ الأول لتمرير أخطر نكبة سياسية في التاريخ الحديث للمنطقة كان التلويح بالرخاء والرفاهية في ظلّ سلام ينعقد في كامب ديفيد، وإن كان على حساب فلسطين وقضيتها، والمنطقة ومستقبلها، وكان الاعتماد في ذلك على ما سبق صنعه من انهيار اقتصادي ومعيشي.. ومضت العقود التالية، وليس "السنوات" فقط.. وازداد الانهيار الاقتصادي والمعيشي، في مصر وفي المنطقة إجمالا، وكان ارتباط الأمن الغذائي بالدول الأجنبية محدودا، فأصبح مصيريا، وكانت العلاقات الاقتصادية البينية في الدول العربية ضعيفة في نطاق ما يقال ولا يُنفذ في جامعة الدول العربية، وازدادت في هذه الأثناء ضعفا.

لم تكن دماء شهداء العبور في القناة والجولان قد جفّت بعد، عندما تحوّلت حصيلة نصر العبور إلى نكبة سياسية، أخرجت مصر من الجبهة العربية، فأصابتها بضربة قاصمة، بينما بقيت الجبهة الأخرى المعادية ماضية على طريق التسلّح واستخدام السلاح في مسلسلات عدوانية تالية.

 

درس العبور التاريخي

رغم ذلك يمكن التأكيد أنّ انتصارات العبور في الأيام الأولى لحرب العاشر من رمضان أو السادس من تشرين أول/ أكتوبر، أكّدت أنّ صناعة النصر من قلب الهزيمة ممكنة، وأنّ الجيوش العربية ليست عاجزة إذا وجدت قيادات حكيمة مخلصة، ولم تُجمّد في إطار حماية الأنظمة، وأن مصير المنطقة وقضاياها المصيرية يمكن أن يعبث بها ويدمّرها قادة سياسيون منحرفون، ولكنّ قابلية المضيّ بها على طريق قويمة تجمع بين الانتصار العسكري والسياسي قابلية قائمة.

وتاريخ الأمم جميعا، وكذلك تاريخ هذه الأمّة، ينطوي على فترات يتحوّل فيها الاستبداد الداخلي إلى وسيلة من وسائل تمرير أهداف العدوّ الخارجي، كما كان في حقبة الحملات الصليبية، وكما هو الحال في حقبة المشروع الصهيوأمريكي، ولكن مثلما انتهى أمر النكبات العسكرية والسياسية في تلك الحقبة التاريخية القديمة إلى التحرير، يمكن أن ينتهي أيضا في الحقبة التاريخية المعاصرة إلى التحرير.

الإمكانات الذاتية عنصر حاسم، وهو الذي كان على أرض المعركة حاسما في حرب العاشر من رمضان، لا سيما ما صنعه الجنود المصريون للعبور فوق مياه القناة، وما خطّطوه لجرف تحصينات العدوّ على الضفة الأخرى، ولم يكن ذلك بفضل سلاح مستورد، أو خبير مستأجر، أو قاعدة عسكرية أجنبية، أو مناورات مشتركة مع قوات معادية.

والعقيدة التي كانت تحرّك الجنود الصائمين مع التصميم المطلق على صناعة النصر عنصر حاسم آخر، ولئن كانت في السبعينات من القرن الميلادي العشرين كافية رغم كلّ ما تعرّضت له من قبل من حملات الحصار والكبت، فإنّها اليوم على مستوى الشعوب والجنود -وما هم إلا أبناء هذه الشعوب- أصبحت على مستوى عالٍ من جديد، رغم استمرار حملات الحصار والكبت والانحراف والاعتقال والمحاكمات الصورية والأحكام الجائرة.

والظروف الإقليمية والدولية عنصر ثالث، ولئن كانت أثناء حرب العاشر من رمضان مواتية جزئيا، فهي في مرحلة انحسار عجرفة عسكرة الهيمنة الأمريكية مواتية جزئيا أيضا.

المشكلة الأكبر كامنة في القيادات السياسية.. فليست قضية فلسطين المصيرية، ولا قضايا مصر وسورية وأخواتهما في حاجة إلى قيادات تطعن جنود العبور في الظهور، بل إلى قيادات مخلصة واعية، وقادرة على التخطيط البعيد المدى، والتصرّف بموجبه في خطوات مرحلية متتالية، نحو هدف ثابت، لا يزوّر التحرير بسلام من جانب واحد، وبتطبيع لوضع باطل، وبخيار "استراتيجي" انتحاري قاتل، بل تنطلق من ثوابت الحق الذي لا يقبل التزوير والتزييف، والهدف الجليل الذي لا يقبل المسخ والتحنيط، وتعتبر مهمّتها خدمة المصلحة العليا لا استخدام طاقات الأمّة لتدمير مصالحها.

وقد شهد جيل ما بعد حرب رمضان ما يمكن أن يتمخّض عن ولادة تلك القيادات، مثلما ولدت الصحوة الشعبية الشاملة، وأن يصل بها إلى مواقع صنع القرار.. وإنّ صناعة نصر العبور في العاشر من رمضان والسادس من تشرين أول/ اكتوبر تؤكّد أنها ستتكرّر آجلا أو عاجلا، فمكانة الحدث في وجدان الأمة لم تتزعزع، ولم تضمحلّ، ولكنّ الذي تزعزع واضمحلّ هو تلك الحملات من التضليل والتزييف لتمرير ما تمّ صنعه بعد العبور، ولهذا لم يعد قابلا للتكرار، ولا يمكن تمريره بوعود زائفة وشعارات منحرفة مبتكرة.

إنّ كل تحوّل تاريخي لا يظهر للعيان -من وراء المعاناة اليومية- إلا عند النظر إليه بمعايير زمنية في مجرى التاريخ، فهو مهمة أجيال وليس مهمة فئات عابرة مع كل ما تصنع من استبداد وهزائم، لتتحوّل إلى مجرّد كلمة أو صفحة سوداء في سجل التاريخ، آجلا أو عاجلا.

وإنّنا لنبصر بعيون شهداء العبور، من وراء المعاناة بفلسطين ومصر وسورية وأخواتها أنّ التحوّل التاريخي قد بدأ بسننه الثابتة، نحو انتصار قادم لهذه الأمة، على كلّ عدوّ ما زال يفتك بأرضها ويعربد..

قادم رغم استبداد مستمر وسيزول لا محالة، وعلى أيدي شعوب ستصنع قياداتها بنفسها من قلب معاناتها وآلامها ونكباتها، ومثل تلك القيادات فقط هي الأقدر على التحرّك بشعوبها وصنع الانتصارات الحقيقية في عالمها وعصرها.

نبيل شبيب

 

Google Plus Share
Facebook Share

تعليقات

لا يوجد نتائج مطابقة


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق