أمانة الكلمة

قل الحق طالبا الرضوان واحذر الباطل وغضب الديّان

ماذا تقول لجيل نورّثه النكبات؟ أقول لا تكن مثلنا، كيلا تصنع مثل ما صنعنا

قال: ماذا تكتب عن النكبة وكيف صنعناها؟ قلت: بل سأكتب عن جيل التغيير وكيف ينهيها

قوة الكلمة من قوّة شخصية قائلها، والثباتُ على الحقّ دليل صدقه

الإيمان والعلم محضن كلمة الحق والمعرفة والوعي شرط التعرف عليها

قال: علام لا تقبل الشعوب كلام الزعماء؟ قلت: علام لا يسمع الزعماء كلام الشعوب؟


مسؤولية السياسي: لا يمكن حصر مسؤولية من يتحرك باسم الثورة سياسيا في نطاق شخصي، فما يصنعه يترك آثاره على مسار الثورة وأوضاع الشعب وحاضر الوطن ومستقبله

Google Plus Share
Facebook Share
على جراح الغربة

هذا القلم

ما كان هذا القلم إلاّ الوعاء الذي حمل الفكر الذي أعيش له كما يريني إياه الإسلام بعونه تعالى

التشريد من عكا - النشأة في دمشق - بون دار الغربة

 

التشريد من عكا

أوّل ما يذكره من حياته رواية تشريده مع أسرته عن عكا بفلسطين، في عام النكبة الأولى ١٩٤٨م، وهي المدينة التي ولد فيها يوم ٢٩ صفر ١٣٦٦هـ و٢١ / ١ / ١٩٤٧م

وقد أقام أبي فتحي رحمه الله في عكا، وفي حيفا من قبل لمدة ١٧ عاما، يعمل في مؤسسة السكك الحديدية، وتزوّج بأمي ماوية حمزة رحمها الله من مسقط رأسه في دمشق، وأنجبا في حيفا كلا من وهيب وحنان ونادية، ثم في دمشق بعد التشريد من عكّا كلاً من رغداء ومازن وسامر، فكنتُ الأوسط عمرا في أسرتي، وكنت الأصغر يوم شُرّدت الأسرة عن فلسطين، وروت لنا أمّي كيف ازدادت كثافة القصف اليهودي على المدينة المنكوبة وأهلها، يوم صعدت إلى سيارة ركوب كبيرة، وأدخلني أبي وآخرون مع بعض إخوتي عبر النوافذ، لتنطلق سيارة التشريد بمن فيها شمالا، وتخلّف أبي فبقي في عكّا سبعة أيام، قبل أن تسقط المدينة ويلحق بنا عند بعض الأقارب في صيدا جنوب لبنان.
وعائلة شبيب موزّعة على عدد من الأقطار العربية، منذ كانت تلك الأقطار "أرضا عربية إسلامية" لا تعرف الحدود الفاصلة بين أرجائها، إلى أن جزّأتها المؤامرات الاستعمارية، وشارك في التنفيذ فريق من العرب، وسقطت الدولة العثمانية فتحوّلت إلى أشلاء، وإذا بالعرب المشاركين في إسقاطها يتحوّلون إلى ضحية للمؤامرات أيضا، وبعد فترة وجيزة، أصبحت فلسطين هي الضحية الكبرى، وأصبحت الأنظمة نفسها مسؤولة عن استمرار التجزئة.. واستمرار التخلف.. واستمرار بقاء فلسطين ضحية منكوبة إلى يومنا هذا.

 

ديار أناجيها
لم يسجدِ الهامُ إلاّ شطرَ قبلتِها
أو يطلبِ النورَ إلاّ عند كعبتها
وهل يطيبُ مقامٌ كالمقامِ بها
أم هل تطيبُ حياةٌ دونَ رؤيتها
تفديكِ مكّةَ أرواحٌ وأفئدةٌ
لم تعرفِ العزَّ إلاّ عبرَ عزّتِها
وحبُّ طيبةَ من حبِّ الرسولِ وكمْ
أرجو الشفاعةِ من ساجٍ بروضتِها
والقدس جرحٌ جرتْ أدماؤُهُ بدمي
كدماءِ عكّا على أسْوارِ قلعتِها
والشامُ كالجمرةِ الحرّى على كَبِدي
تؤجّجُ الشوقَ في عيني ودمعتِها
تلك الديارُ أناجيها وأذكرُها
وتوشكُ النفسُ أن تفنى بغربتِها

 

النشأة في دمشق

بعد إقامة قصيرة في صيدا انتقلت الأسرة إلى دمشق، وأوّل ما أعي منها من وراء ضباب ذاكرة الطفولة الأولى، بلدة دوما -قبل أن تصبح مدينة- حيث كان سكننا الأول في كنف جدّي لأمّي نظمي حمزة رحمهما الله، ولا أعرف جدّي لأبي وهيب شبيب رحمهما الله إلا عبر الصور والحكايات. 

مسجد "دك الباب"

إنّما كان أوّل عهدي بدنيـا الأطفال في شارع الروضة في دمشق، حيث كان مسكننا عند مدخل شارع عبد الحميد الزهراوي، قريبا من "ساحة عرنوس"، وهي ساحة احتفظ السكان باسمها الأصلي، رغم تحويله من جانب السلطات إلى "ساحة ٨ آذار" بعد هدم قسم من أبنيتها في أعقاب حريق ردّد العامّة في حينه أنه كان مدبّرا، وقد قضى على البناء القديم لمسجد "دك الباب" الذي كان لي فيه أوّل روضة من رياض الإقبال على الإسلام، بين يدي إمامه وخطيبه الشيخ عادل الدادا، الذي رأيته لآخر مرة في إحدى زياراتي لدمشق لاحقا، وكان في صحبة مفتي سورية آنذاك الشيخ أحمد كفتارو، وأذكر أنه كان شديد الحيرة، لا يدري ماذا يفعل بعد أن فقد مسجده وأهل الحيّ، ولم تعوّضهم السلطات بمسجد بديل في الساحة المجدّدة.

 

طفولة قلم

في دمشق نشأت وفي مدرسة عمر بن عبد العزيز في حيّ الجسر الأبيض كان للأستاذ نجم الدين العجلاني، أستاذي في الصف الثالث الابتدائي، فضل كبير في تشجيعي على الكتابة في تلك السنّ المبكرة، عندما عرضت عليه "رواية" كتبتها في خمسين صفحة أو أكثر، لم تكن تصلح للقراءة قطعا، وبادرني رغم ذلك بكلمات لطيفة مشجعة كما لو كانت رواية عالمية المستوى.

وكنت في المدرسة أعشق دروس العربية والحساب، كما كنت لا أنقطع عن مطالعة مجلات الأطفال، وما أستطيع شراءه من قصص من مكتبة صغيرة في إحدى زوايا ساحة عرنوس، يبيعها صاحبها بسعر رخيص بعد أن يتقادم بها العهد، وكانت غالبا من روايات "أرسين لوبين" أو روايات "طرزان" المترجمة عن الفرنسية والإنجليزية، فكنت أخفي القصة عن عيني أبي فأضعها داخل أحد الكتب المدرسية وأنا جالس على مقربة منه في متجره الصغير في الساحة، أو في البيت، وأحسب الآن أنه كان على علم بأمري آنذاك، كما أصبحت من بعد على علم بكثير من أمور أولادي أثناء صغرهم وهم يحسبون أنفسهم يخفون أمرا من الأمور، ولكنه كان يتغاضى متجاهلا، فما كنت مقصّرا في المدرسة، بل اختتمت المرحلة الابتدائية فكنت من العشرة الأوائل في سورية، وقد أصبحت في هذه الأثناء "الإقليم الشمالي" من الجمهورية العربية المتحدة، وحصلت مع آخرين من المحافظات السورية على جائزة، المشاركة في رحلة لمدة ٣٥ يوما إلى بلغاريا، وكان الجزء الأعظم منها في "مخيم للشبيبة" -ولنقل للأطفال والناشئة- على ساحل مدينة "فارنه" على البحر الأسود، ويبدو أن الهدف في ظل الاشتراكية التي حكمت مصر وسورية آنذاك، كان أن نتعرّف في تلك السنّ المبكّرة على "منجزات الدولة الشيوعية" البلغارية، فرأينا "أجمل صورة" يمكن أن تبقى في ذاكرة "أطفال" بين العاشرة والثانية عشرة من العمر، ثمّ .. كم كان ذهولي كبيرا عندما رأيت صورا أخرى تماما، وأنا أعبر بلغاريا بعد ١٥ عاما تقريبا بالسيارة، فأرى من كثب أهلها ومدنها وقراها وأحياءها، مرّة بعد مرّة، أثناء سفري زائرا لبلدي سورية، وقادما من بلد غربتي ألمانيا، حتّى أنني كنت أحرص على ألا أتوقّف بعد تجاوز حدود النمسا مع بلغاريا، إلاّ عندما أتجاوز حدود بلغاريا مع تركيا.

 

"المركز الثقافي العربي" وجولات أقلام الأمس

لم أقتصر في مطالعاتي على القصص "الرخيصة" كالتي ذكرت، فقد كان "المركز الثقافي العربي" التابع للدولة في عهد الوحدة، مقصدي المفضل في تلك الفترة، أطالع فيه الروايات العالمية خاصة وأقرأ لمن اشتهر -أو من كان يراد له أن يشتهر أكثر من سواه- من كتّاب مصر في تلك الفترة التي حفلت بالأقلام المبدعة، على تعدّد الاتجاهات وصراعها فيما بينها، وكنت أستمتع بقراءة مسرحيات توفيق الحكيم، وروايات جرجي زيدان وأستصعب قلم طه حسين، ولكن كنت أسعى لقراءة ما أجده أيضا -وكان قليلا- بأقلام آخرين من عمالقة القلم، ممّن تأثّرت بالتزامهم الإسلامي وقلمهم الأدبيّ من بعد، من أمثال مصطفى صادق الرافعي وإبراهيم بن محمد بن عبد القادر المازني -الشهير بعبد القادر المازني، وهو اسم جدّه كما يقول الزركلي صاحب "الأعلام"- وأحمد حسن الزيات وغيرهم، وأذكر أنني قرأت معظم ما كتب مصطفى لطفي المنفلوطي، إلا أنّني ما أقبلت على كتب عباس محمود العقاد وآخرين ممّن قد يطول المقام هنا بذكرهم إلا متأخّرا.. وكان هؤلاء بداية الإحساس بما يمكن أن يصنعه القلم في النفوس، وما يمكن أن يؤدّي من خدمات، وأن يؤثّر به في مختلف ميادين الحياة.

ثانوية "جول جمال"

أصبحت في هذه الأثناء في "ثانوية جول جمال" حيث استأنف تشجيعي معيد المدرسة الأستاذ عبد القادر عرب أوغلي رحمه الله، والذي شاء الله تعالى أن يزوّجني بابنته هناء بعد أكثر من عشرة أعوام، وأصبح لي في هذه الأثناء ابنتان وثلاثة بنين، الأصغر جهاد الذي صمّم الإصدارة الأولى لهذا الموقع أثناء إعداده لامتحانات الشهادة الثانوية، وطوّره إلى إصدارة ثانية وثالثة أثناء دراسته الجامعية، والتي انتقلت منها إلى إصدارات تالية، بعد أن بلغ عدد زيارات الموقع أكثر من خمسة ملايين و٥٠٠ ألف زيارة. وابنتي الكبرى رائدة التي أصبحت لها كتاباتها بالعربية والألمانية وقد تخصّصت جامعيا في العلوم السياسية، ويجد بعضُ ما نشرت طريقه إلى هذا الموقع إن شاء الله. وهي أوّل من جعلتني "جدّاً" بميلاد حفيدتي "نور"، وتبعها حفيدي "أيمن" لابني بلال، ثمّ تتالى ذلك إلى أكثر من عشرة أحفاد في هذه الأثناء، وبانتظار المزيد.. وأسأل الله أن يبارك فيهم وفيمن يليهم، ويجعلهم قرّة أعين لأهلهم ويسدّد دربهم إلى ما فيه خيرهم وخير أمّتهم دنيا وآخرة.

 

بين المهد واللحد
هِيَ الحياةُ بِغَيْبِ اللهِ قَدْ حُجِبَتْ
إِنْ يُزْهِرِ الزّهْرُ قَدْ لا يُثْمِر الثّمَرُ
فَاعْلَمْ بِأَنّكَ مَهْما عِشْتَ في رَفَهٍ
فَسَوْفَ تَفْنى وَيَفْنى عَيْشُكَ النّضِرُ
فَاخْتَرْ لِنًفْسِكَ تَقْوى اللهِ تَحْمِلُها
زاداً لِحَيٍّ.. فَما تَدْري مَتى السّفَر
أَمّا المَتاعُ.. فَما الدُّنْيا بِباقِيَةٍ
إِلاّ لِبِضْعِ سُوَيْعاتٍ.. هِيَ العُمُرُ
يَكْفيكَ ما خَفَّ هَلْ يَبْقى سِوى عَمَلٍ
وَالَوَعْدُ أَنْ يَرْحَمَ الرّحْمنُ مَنْ صَبَروا

 

أستاذي، وحماي من بعد، عبد القادر عرب أوغلي رحمه الله، اختارني في أحد الأعوام مع مدير المدرسة لأكون الخطيب باسم التلاميذ في احتفالهم بعيد الأمّ، فكنت شديد الاعتزاز بذلك إذ رأيت فيه شهادة على سلامة لغتي العربية، وقدرتي على الخطابة، كما ساعدني في هذا الطريق في آخر عام قضيته في ثانوية جول جمال ثم في عام الحصول على الشهادة الثانوية في ثانوية ابن العميد، تردّدي على مسجد أبي النور الذي كان يوصف بمسجد الشيخ كفتارو، فكان لتعلّم تلاوة القرآن الكريم أثره الكبير، وقد بدأت أتميّز بأنّ لي اتجاها "إسلاميا" بين أقراني من تلامذة المدرسة، وأذكر منهم عماد غازي الذي طالما أعجزني تفوّقه على الجميع في لعبتنا المفضلة كرة الطاولة، ورياض جابر الذي طالما صدّع رؤوسنا بحديثه الدائم عن كتاب "كفاحي" لهتلر وكان معجبا به إعجابا كبيرا، وإياد شعبان الذي كان أشدّ المنافسين لي على المرتبة الأولى في الصفّ، وغياث سابق أكثرنا هدوءا وتحمّلا لمقالب الزملاء في المدرسة، وبشار حفّار التلميذ الأثرى من سواه بيننا والمحبّب إلينا جميعا، ثم وضّاح العظم وفوّاز طباع وكنّا نشكل الثلاثي الذي لا يفترق في المدرسة ولا خارجها، وسمعت بعد عشرات السنين أنّ الأوّل يقيم في أمريكا، أمّا الثاني فاجتمعت به في زيارة للرياض في السعودية، حيث أصبحت له عيادته الخاصة، إذ أصبح طبيبا كأبيه، وكان من أصدقاء الحيّ السكني في تلك الأيام ماهر طلعت، وانقطعت أخباره عنّي، ورضوان غيبة، الصديق الذي تعرّفت عليه في مسجد "أبو النور"، ووصلني خبر استشهاده في حرب ١٩٦٧م (١٣٨٧هـ).. وغير هؤلاء كثير.

 

مدينة الشيوخ والعلماء

في ثانوية ابن العميد في حيّ ركن الدين بدمشق -وكان يعرف باسم حي الأكراد- كانت المحطّة الثالثة من محطات التشجيع المبكر على الكتابة، وجدتها لدى أستاذ العربية الفاضل محيي الدين القضماني، الذي التقيت به في المدينة المنوّرة بعد سني المدرسة بأكثر من ربع قرن، وقد أصبح شيخا جليلا مهيبا أحرص ما يكون على البقاء في جوار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلّم. وقد كان في مدرسة ابن العميد عنوان الصبر والأناة في التعامل مع الزلاّت والأخطاء التي يرصدها خلال حملي المسؤولية عن اللجنة الثقافية في المدرسة، وإشرافي على المكتبة والإذاعة وجريدة للحائط لتلاميذ المدرسة.. وما كان ذاك "الإنتاج الصحفي" المبكّر سهلا في تلك الفترة بين عامي ١٩٦٤ و١٩٦٥م (١٣٨٤هـ)، وقد بدأ الاستبداد البعثي في سورية يكشّر عن أنيابه بمعنى الكلمة، ويضاعف من بطشه ذات اليمين وذات الشمال نتيجة انقساماته وصراعاته الداخلية كحزب، ونتيجة رفض الشعب لسياساته التي ناصبت العقيدةَ العداء، وهو ما بلغ ذروته الأولى في قصف مسجد السلطان في حماة، واقتحام المسجد الأموي في دمشق بالدبابات.

 كانت دمشق آنذاك مدينة "الشيوخ والعلماء" وكلّ منهم يستقطب أعدادا كبيرة من الشباب في أحد مساجد المدينة، وكان أحبّ ما أسمعه إلى نفسي -ككثير سواي رغم حداثة السنّ- دروس الشيخ الفاضل والمربي الكبير علي الطنطاوي رحمه الله، فكانت الحلقات حول المذياع لا تجمع الشباب في البيوت وخارجها إلاّ على دروسه الإذاعية، قبل أن يخرجه البعثيون من سورية مثلما أخرجوا من بعده جلّ العلماء والدعاة الأفاضل، وكان لحديثه -وكتبه من بعد- فضل كبير في تقويم ما اعوجّ به اللسان والقلم تأثّرا بكتب ومجلاّت أو برامج إذاعية جعلوها سهلة المتناول على الشبيبة، في أيام لا يدري الشاب فيها هل كان ذلك نتيجة سياسة مرسومة، أو حصيلة سياسة معوجّة من الأصل كي تتسلّل الانحرافات عبر تلك الكتب والمجلات والبرامج الإعلامية إلى القلوب والعقول وتستفزّ ما استقر فيها من ثقافة الإسلام وأدبه وفكره. 

 

الإسلاميون والبعثيون في دمشق

كانت سنوات الوحدة بين مصر وسورية فالسنوات الأولى من الستينات في القرن الميلادي العشرين أوّل فترة بدأت أعي فيها على موقع الإسلام في حياة الإنسان، وفي المجتمع، وفي مختلف القضايا السياسيّة وغيرها، إلى جانب أول معالم الوعي السياسي-أو هو التأثّر السياسي- عندما استحكمت المعركة بين الإسلاميين والبعثيين أثناء ما سمّي "حكم الانفصال" في جولة انتخابات نيابية -يتيمة- في تاريخ سورية الحديث، فآنذاك قُدّر لي أن أسمع أشهر خطب عصام العطار، قائد التيّار الإسلامي في سورية آنذاك، وهو يلقيها في جامعة دمشق، وأدّت في حينه إلى سقوط الحكومة السورية بعد أيّام.. وتركت كلماته أثرا عميقا في نفسي إلى جانب الأثر السلبي الذي تركته الأحاديث التي كانت تدور بين الناس يومذاك -دون أن أدرك التفاصيل إدراكا عميقا أو كافيا- أن يؤيّد "شيخي" في تلك الفترة أحمد كفتارو انتخابَ المرشح "البعثي" رياض المالكي، على حساب المرشح الإسلامي الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله، ومنذ ذلك الحين استقرّ الاقتناع عندي أنه لا ينبغي أن يكون التعامل مع الحدث السياسي تعاملا مرتبطا بالانتماء إلى تنظيم ما، بل الأهمّ هو التصور والفكر والاتّجاه القويم، مع التنظيم أو بدونه. 

 

بون دار الغربة

هذا المعنى كان في مقدمة ما جمعني مجدّدا على الطريق التي اختارها عصام العطار لنفسه ومن سار معه، وهو يطرح فيما يطرح أنّ "الإسلام هو الأصل والحركات كلها وسائل، وأنّ الأخوّة في الإسلام لا التنظيم، وأنّ كلّ منظمة هي جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين، وأنّ التعاون من أوجب الواجبات". فقد شاء الله لي اللقاء به بعد أن استقرّ بي المقام في ألمانيا منذ جمادى الآخرة ١٣٨٥هـ (تشرين أول/ أكتوبر١٩٦٥م)، إذ استقرّ الترحال فيها أيضا بعصام العطار، بعد خروجه من سورية بقصد الحجّ وإغلاق الحدود في وجهه ومنعه بذلك من العودة إلى بلده الأول ثم تهجيره من بلد عربي إلى آخر، إلى أن أوصله "الاضطهاد" إلى السجن في بيروت، ومن هناك نُقل إلى سويسرا وبلجيكا، حيث بقي مريضا عاجزا عن الحركة، قبل أن يستقر به المقام في مدينة آخن الألمانية، حيث سبق أن أقام الطلبة والعمال المسلمون (مسجد بلال) فطلبوا إليه أن يكون مديرا على المركز الإسلامي التابع له، فانطلق يعمل -رغم بقايا المرض وآثاره- على جمع الشباب المسلم المغترب على الإسلام.

 

عصام العطار ومسجد بلال

كان عصام العطار في ألمانيا أستاذي الذي شجّعني على الكلام في جموع من المسلمين من مختلف الأعمار من الرجال والنساء، وكان يتعهّدني بالعناية بصبر لم أعرف مثله في غيره، وهو مَن لا يزال لإرشاداته الفضل الأكبر في كلّ كلمة خطّها القلم عبر عشرات الأعوام التالية، وقد استلمت المسؤولية عن تحرير مجلة (الرائد) التي أسّسها في محرم ١٣٩٢هـ وآذار/ مارس ١٩٧٢م، وعندما وافق لي على نشر أوّل مقالة (مترجمة) لي كان قد صدر من (الرائد) عشرة أعداد، ولو وصلني ذاك المقال من أحد أصحاب الأقلام الناشئة اليوم، لتردّدت في نشره، ولكن منذ ذلك الحين لم أنقطع عن الكتابة في الرائد أولا، إضافة إلى تأليف بعض الكتب لا سيما عن قضية فلسطين في السبعينات من القرن الميلادي العشرين، أيام النكبة السياسية الكبرى الأولى في تاريخ القضية، ثمّ فيما انفسح له المجال من كتابات صحفية في عدد من الصحف والمجلات ومراكز الدراسات، وأخيرا في شبكة العنكبوت وقد أخذت مكانها بين وسائل النشر والإعلام.

 

منهج القلم

كان من إرشادات أستاذي عصام العطار أنّ نضوج القلم مشروط بكثرة القراءة، وأنّه لا بدّ من حسن الاختيار لأمهات كتب الأدب والفكر بغضّ النظر عن اتّجاهات أصحابها، فالوعي كفيل بتوظيف المعرفة توظيفا حسنا، حتّى لما يشمله الضعيف من تصوّرات وأفكار.

وكان من إرشاداته أنّ التعبير القويّ عند الجهر بالحق والموقف الذي يمليه الواجب، لا يتطلّب الشدّة في الألفاظ، بل الوضوح والقوّة في الفكرة وحسن الأسلوب في التعبير والأداء، فضلا عن التوقيت المناسب والظروف الملائمة.

وكان من إرشاداته أنّ الاهتمام بالكليّات أَوْلى من الاستغراق المضيع للجهود والأوقات في الفروع والتفاصيل وخوض الخلافات حولها.

وكان من إرشاداته أنّ أفضل السبل لمكافحة الباطل بالقلم، هو سبيل بيان الحقّ، فظهور شعاع من النور يكفي لمحو أمواج متراكمة من الظلمة.

وربّما وجد عصام العطار لديّ من البداية بعض الإتقان للنحو والصرف ولهجةً خطابية، ولكن كان ينقصني آنذاك الكثير خارج هذا الإطار، كي أصل إلى مستوى كتابة تصلح للنشر أو مستوى إلقاء ما قد يفيد الاستماع إليه. والقسط الذي حصلت عليه مع الزمن من هذا "الكثير" هو ما أدين به من بعد فضل الله تعالى، لإرشادات عصام العطار، وهو لا ينفكّ عن التشجيع حينا، والتقويم حينا آخر، والتصويب حينا ثالثا، والتعليم حينا رابعا، دون أن يشعرني مرة واحدة بأنّ التشجيع أتى بعد ضعف في الكتابة، ودون أن يبلغ التقويم من الشدّة ما يستحقّه الاعوجاج في القلم، أو أن يحمل التصويب عتابا على خطأ جسيم، أو أن يرافق التعليم الشعور بأنه يأتي لِمن يقف على أوّل درجات السلّم بين يدي من صعد إلى ذروته، وهو الذي لم يفتأ يرددّ على مستمعيه، أنّه لا يوجد أحد أكبر من أن يتعلّم ولا أصغر من أن يعلّم، وأنّ الإسلام في حاجة إلى "جيل جديد يتفوّق علينا في كلّ ميدان من الميادين"، جزاه الله تعالى عنّي وعن كلّ من انتفع به وبفكره واستقامته وقلمه وجهاده المتواصل واستعلائه على مرغبات الدنيا ومرهباتها خير الجزاء في الدنيا والآخرة.

 

الحمد لله

ما كان هذا القلم إلاّ لحمل الفكر الذي أعيش له كما يريني إياه الإسلام بعونه تعالى، وقد أخذ الفكر اتجاهه وحمل معالمه الأولى من خلال معايشة أستاذي الجليل من كثب عبر العقود الماضية، ولن أبدأ الحديث مفصّلا عن ذلك، فجلّ ما أكتب يتحدّث ببعض ما أعطاه، فما كان فيه الصواب فبفضل الله تعالى أولا، وأحمد الله أن كنت تلميذا له فيه، وأمّا الزلل والخطأ، فمن نفسي، أستغفر الله تعالى عليه، وجزى الله خيرا كلَّ من يعين على استدراكه بنصيحة أو نقد أو تنبيه.

والعاقبة للمتقين

نبيل شبيب

 

حرر النص لأولى إصدارات مداد القلم يوم: ٢٣/ ٩/ ١٤١٨هـ و٢١/١/١٩٩٨م

وينشر في هذه الإصدارة دون تعديل يذكر يوم: ٢٩/ ١/ ١٤٢٨هـ و١٠/ ١١/ ٢٠١٦م

Google Plus Share
Facebook Share

تعليقات

لا يوجد نتائج مطابقة


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق