أمانة الكلمة

قوة الكلمة من قوّة شخصية قائلها، والثباتُ على الحقّ دليل صدقه

الإيمان والعلم محضن كلمة الحق والمعرفة والوعي شرط التعرف عليها

قال: علام لا تقبل الشعوب كلام الزعماء؟ قلت: علام لا يسمع الزعماء كلام الشعوب؟

من الفتن ما يثيره الكلام بالباطل.. ومن الفتن ما يثيره كتمان الحق

قل كلمة الحق ولا تخش إلا الله.. وستعطي ثمارها ولو بعد حين

الصيام عن الطعام فريضة لشهر ثم تطوع.. وعن الزور فريضة مدى العمر


من تاريخ ٩/ ١١/ ٢٠١٥م – (٢) أرضية سياسية للثورة؟

من حوار مع مسؤولين في الغوطة الشرقية (٢ من ٦)

لا يصح اعتبار أحد الاجتهادات وحده هو السياسة الشرعية دون سواه

(٢ من ٦)

في ٩/ ١١/ ٢٠١٥م استضافت كاتب هذه السطور مجموعة شبكية تضم عددا كبيرا من أهلنا في الغوطة الشرقية، منهم مسؤولون في قطاعات مدنية وميدانية، وجرى حوار مطول مكتوب، بقي خارج نطاق النشر حتى اليوم (١٠/ ٥/ ٢٠١٥م) وقد يكون في نشر مقتطفات رئيسية منه في ست حلقات بعض الفائدة على خلفية ما شهدته وتشهده الغوطة الشرقية من "اقتتال انتحاري" لا يجوز استمراره، ولا يجوز استبقاء الأسباب التي أدّت إلى اندلاعه. صحيح أن فيما ينشر من الحوار صيغة تعميمية، إنما تتناول بشكل غير مباشر أسباب النزاعات، بينما أصبح الخوض في التفاصيل من العقبات في وجه التلاقي على ما اندلعت الثورة من أجله بدلا من هدر الدماء والإمكانات.

وفيما يلي الفقرة الثانية من الحوار.

. . .

هل تحتاج الثورة الشعبية إلى أرضية سياسية لتحقق أهدافها؟

عرف التاريخ عمليات تغيير كبرى، أعظمها ما كان عن طريق الرسالات الربانية ونعلم أن آثارها باقية إلى يوم القيامة، ومنها ما يمكن وصفه بأحداث تغيير من صنع البشر بمشيئة الله، وهي التحولات الحضارية كما كان مثلا في أوروبا قبل قرون.

في جميع الأحوال لا تولد السياسة ومناهجها في بداية حدث التغيير بل يكون هو مخاضا وإرهاصات أولى للمناهج السياسية المفصلة والتطبيقية فيما بعد.

الانتفاضات الفلسطينية والثورات العربية ولا سيما في سورية تمر بمرحلة المخاض، ولن يستقر المنهج السياسي أثناء الثورة ولا حتى بعد النصر مباشرة، ولهذا تعتبر جولات الصراع الجارية بسبب رؤى سياسية مستقبلية عبئا على الثورة وليست مصدر قوة لها، لا سيما وأنها جميعا مستمدة من تجارب سابقة، تجاوزها حدث التغيير الثوري.

هل يعني ذلك الاستغناء عن السياسة أثناء الثورة؟

هذا خطأ كبير في فهم ما سبق، فالمقصود هو تجنب التفاصيل "المستقبلية" إنما المطلوب من البداية، أثناء الثورة، هو التلاقي على أرضية سياسية مشتركة تدفع الثورة في اتجاه النصر، والاكتفاء بقواعد متفق عليها للتعامل السياسي بين أطراف الثورة أي الفصائل والداعمين للثورة، وبينهم وبين القوى الإقليمية والدولية.

في السنة الخامسة فقط من عمر الثورة، أي بعد النكسة الكبيرة في السنة الرابعة بدأ الحديث بأصوات متفرقة ومحدودة التأثير حول الحاجة لمثل هذا التلاقي، وبدأت تطرأ تعديلات مبدئية على بعض مناهج الفصائل، وبالمقابل ازداد تصعيد استخدام القوة الخارجية للحيلولة دون تطور مسار الثورة باتجاه النصر.

ما نمر به سياسيا يتطلب أن نبحث عن العناصر المشتركة سياسيا ودعمها وعن عناصر الاختلاف وتأجيل الصراع حولها إلى أن يتحول مستقبلا إلى تنافسٍ مشروع ومدروس أثناء الانتقال من وضع الثورة إلى وضع الدولة.. وهذا ما يحتاج إلى عملية سياسية وليس إلى ما يسمى حلا سياسيا أو إلى منهج سياسي قسري.

. . .

السؤال عن أرضية سياسية يتبعه السؤال المطروح من جانب أحد الإخوة أيضا:

هل نتحدث عن السياسة الشرعية أم السياسة العامة؟

لنبدأ على سبيل الدعابة.. بما قاله أبو العلاء المعري عن السياسيين في عصره.. قال:

يَسُوسُونَ الْبِلادَ بِغَيْرِ عَقْل
فَيَنْفُذُ أَمْرُهُمْ ويُقَالُ سَاسَهْ
فَأُفَّ مِنَ الْحَيَاةِ وَأُفَّ مِنِّي
وَمِنْ زَمَنٍ رِئَاسَتُه خَسَاسَهْ

صفة "شرعية" لا تكتسب وزنها الفعال دون نص شرعي قطعي الدلالة من القرآن الكريم أو نص شرعي قطعي الورود والدلالة من الحديث الشريف، ونعلم أن كلمة السياسة غير واردة على هذا النحو، بل ورد المعنى في الحديث عن بعض الملوك، أو العدل، وما شابه ذلك.

الواقع أن هذا شأن كلمة "العقيدة" أيضا، فهي غير واردة في القرآن الكريم ولكنّ محور الآيات القرآنية كما نعلم هو العقيدة.

المقصود بهذه المقارنة: إن النص الشرعي القرآني والنبوي لم يستخدم عبارة واضحة تصلح لاستخدامها تعريفا اصطلاحيا لكلمة سياسة، وبالتالي فكل ما يتعلق بالكلمة بعد انقطاع الوحي هو اجتهادات لها ضوابطها ومعاييرها.

السياسة العامة هي إدارة الشؤون الجماعية العامة.. هذا مصطلح بشري ثابت وله مفهوم متوافق عليه نسبيا.

أما عندما نقول: السياسة المدنية أو الشرعية.. أو الشيوعية.. أو الرأسمالية وكذلك عندما نقول السياسة الثقافية.. والسياسة الأمنية.. والسياسة الصحية.. وهكذا فنحن نستخدم أوصافا متبدلة.. لمصطلح ثابت التعريف.

كلمة السياسة نفسها اجتهاد اصطلاحي بشري، أو هي آلية إدارية مثل الدواوين التي استوردها الفاروق رضي الله عنه.

أما وصفها بالشرعية أو الإسلامية أو سوى ذلك، فهذا ما يخضع لقاعدة تعدد الاجتهادات، هنا لا يصح اعتبار أحد الاجتهادات وحده هو السياسة الشرعية دون سواه، والإسلام ميسر، لأنه يتسع للاجتهادات المتعددة طالما أنها تحافظ على مقاصده وأصوله.

والله أعلم

نبيل شبيب

Google Plus Share
Facebook Share

تعليقات

لا يوجد نتائج مطابقة


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق