أمانة الكلمة

قوة الكلمة من قوّة شخصية قائلها، والثباتُ على الحقّ دليل صدقه

الإيمان والعلم محضن كلمة الحق والمعرفة والوعي شرط التعرف عليها

قال: علام لا تقبل الشعوب كلام الزعماء؟ قلت: علام لا يسمع الزعماء كلام الشعوب؟

من الفتن ما يثيره الكلام بالباطل.. ومن الفتن ما يثيره كتمان الحق

قل كلمة الحق ولا تخش إلا الله.. وستعطي ثمارها ولو بعد حين

الصيام عن الطعام فريضة لشهر ثم تطوع.. وعن الزور فريضة مدى العمر


دلالات مضيئة خلف ظلال قاتمة

سورية.. ثورة تصنع المستقبل

شرف الانتساب إلى الثورة الشعبية لا يتحقق عبر ما أصنعه كي "أنتصر"، بل ما أصنعه لتنتصر الثورة، بجميع أطيافها

لا تزال ثورات الربيع العربي جميعا في بداية طريق التغيير التاريخي الجذري الكبير، ولكن أخذ كل منها -رغم النكسات- مكانة تاريخية منذ الآن، فتونس فتحت بوابة مستقبل جديد، ومصر تحدّت حصون التضليل الفرعوني، واليمن كسرت حاجز التخلف المصنوع صنعا، وليبيا مرغت جبروت الاستبداد الهمجي في التراب، أما سورية فستأخذ ثورتها الشعبية مكانة متميزة لا تقارن بسواها، فقد شهدت جميع أشكال الصراع وأعنفها بين إرادة التحرر المجرّدة من وسائل القوة الفاعلة في عالمنا وعصرنا، وبين ممارسات محلية وإقليمية ودولية، جمعت ألوان القهر الهمجي المطلق والعداء الفاحش والصداقات الملغومة.. فأصبحت الثورة بذلك هي المفتاح لتتجدد ثورات الربيع العربي وتتلاقى معا وتصنع مستقبلا آخر في هذه المنطقة بإشعاع حضاري جديد، يمكن أن تمتد آثاره قرونا عديدة في حياة الأسرة البشرية.

. . .

لقد حيرت الثورة الشعبية في سورية المؤرخين والمفكرين والسياسيين وما تزال، وحق لها ذلك.. ولهذا شاع في محاولة تفسيرها وتوصيف مسارها الكثير من العناوين، وأبرز ما قيل من ذلك أنها الثورة الكاشفة، والكلمة عميقة المغزى واسعة الدلالة لا تقبل الاختزال في سطور معدودة، وعددت الأقلام بعض ما كشفته، بدءا بانكماش محور المقاومة والممانعة ليبرز على حقيقته: مشروع هيمنة طائفي إقليمي عنيف، مرورا بنوعية ما تبقى من "نظام إقليمي عربي" انتحاري، انتهاء بزيف شعارات "العالم الحر" من منظومة دولية صنعتها شرعة الغاب وفق حصيلة الحرب العالمية الثانية، وتسيطر على صناعة القرار فيها وتنفيذه. 

ولكنّ أعظم ما كشفت عنه الثورة أنه لا حدود لإرادة الإنسان، ثائرا، ومضحيا، ومعانيا، في مواجهة همجية غير مسبوقة أُطلق لها العنان لكسر هذه الإرادة مجددا على امتداد السنوات الماضية.. ولم تنجح، ولن تنجح.

ولئن خيمت ظلال المعاناة الشعبية الثقيلة والأخطاء الذاتية الفاحشة والخذلان الخارجي الشامل للثورة وشعبها، فلا ينبغي أن تحجب عن الأنظار معادلات جديدة عديدة في هذه الأثناء، أبرزها وأهمها: القدرة على الاستمرار.

. . .

لقد انطلقت الشرارة الأولى للثورة من معطيات وظروف كان مستواها تحت درجة الصفر إلى حد بعيد، فحطّمت فور انطلاقتها جميع المعايير التقليدية المعتمدة بصدد "صناعة الحدث".

ومن وراء جميع ما ثار وأثير حولها من خارج نطاقها، اعتمدت الثورة على الإمكانات الشعبية وحدها، فواجهت من البداية بعيون "الأجساد السلمية" مخارز "القتل الهمجي".. ولا تزال تواجه اليوم بانطفاء نور الحياة في عيون "الأطفال الضحايا" مخارز "سلاح الحصار والتجويع والمجازر" محليا و"المشاركة في الجريمة" خارجيا.  

لن تتوقف الثورة الشعبية في سورية رغم ما تتنبّأ به أو تريده حملات الإحباط والتيئيس من داخل الصفوف، وممارسات الحرب النفسية المضادة، فضلا عما تشارك فيه "قوى صديقة" سياسية وإعلامية من الهبوط بمستوى التعامل مع مسار الثورة، إلى مستوى التعامل مع "أزمة" أو "انتفاضة عابرة" أو "حرب أهلية" أو "حرب بالنيابة إقليميا" أو "مشكلة إرهاب". 

لقد انطلقت في سورية ثورة شعبية، وتتقلب الظروف المحيطة بالثورة كيدا وتأييدا فتتبدل الألوان حولها، ولكن لا ينتهي مسار الثورة نفسها إلا بتحقيق أهداف الإرادة الشعبية التي أطلقتها في لحظة اندلاعها الأولى. 

. . .

الثورة في "عنق الزجاجة" كما يقال.. هذا صحيح، ولكن لم تكن الثورة موجودة من قبل أصلا، والتشبيه بعنق الزجاجة يعني خطر "الاختناق" ولكن يعني أيضا قابلية الخروج منها بطاقات متفجرة جديدة، ويكشف عن ذلك أن العنصر الحاسم في مسار الثورة لم يعد عنصر "استمرارية قوة النظام" بل أصبح عنصر "التخلص من نقاط الضعف في الثورة".. ولم يعد جوهر السؤال الإقليمي والدولي يدور حول كيفية التعامل مع النظام، بل يدور حول ما يمكن أن تعطيه الثورة من معالم للوضع بعد استكمال انهيار بقايا النظام.

. . .

كان من المستحيل بحكم عوامل التاريخ القريب أن تولد مع انطلاقة الثورة في ظروفها الاستثنائية رؤية متوازنة متكاملة ومن ورائها قوة قيادية وتوجيهية متماسكة، ولكن من يتابع الثورة من أعماق صانعيها "من عامة الشعب"، يرصد كيف أصبح السؤال الأوسع انتشارا يدور حول ما الذي ينبغي أن نصنعه لظهور معالم ما نريد أن نقيمه على أرض سورية بعد اكتمال سقوط الاستبداد والفساد.

النظام الاستبدادي الفاسد لا يسقط سقوطا نهائيا بقطع رأسه، ولا تقطيع أوصاله، ولا تصدّع هياكله، بل يسقط في اللحظة التي يكتمل فيها ظهور أركان النظام المنشود للحلول مكانه.

. . .

لقد شهدت ثورات الربيع العربي الأخرى استمرار مساراتها بعد سقوط رأس الاستبداد والفساد، في مواجهة اجترار إفرازاته السابقة في مصر، أو فوضى الفراغ لعدم ظهور من يخلفه ظهورا مقنعا في ليبيا، أو في خليط بين بعض ما كان وبعض ما يجب إيجاده كما في اليمن وتونس، ولا يختلف مسار الثورة في سورية عن ذلك من حيث المضمون بل من حيث التوقيت، فجميع ما واجهته الثورات الأخرى جزء من مسارها أيضا ولكن يظهر ويفعل مفعوله قبل اكتمال هدف إسقاط رأس الاستبداد والفساد، وجميع ثورات الربيع العربي لا يبلغ هدف التغيير الجذري الجوهري فيها، إلا باستكمال تلك المسارات بعد العقبات والنكسات، وإيجاد "الثوري الجديد" المنتظر الذي تصنعه الإرادة الشعبية. 

لهذا.. لا بد أن تبني المرحلة القادمة على ما سبقها في سورية.. حيث بدأت الثورة بكسر حاجز الخوف الجاثم على الصدور والأعناق والأفواه على امتداد خمسة عقود، وعبرت مرحلة كسر البنية الهيكلية القمعية المسلحة لممارسة العنف الهمجي، ودخلت مع عجز "بقايا النظام" مرحلة مواجهة حلفائه من ميليشيات مستوردة وقوى دولية.

وفي سائر تلك المراحل أخفقت مساعي اختطاف الثورة إقليميا ودوليا، وقد تركزت على محاولات إيجاد بديل يصلح لتحقيق المطامع الإقليمية والدولية دون الأهداف المشروعة لتحرر الإرادة الشعبية.

. . .

لا تزال الثورة تواجه معضلة إيجاد الجسد الثوري الموحد، بالرؤية المعبرة عن مرجعية الإرادة الشعبية وحدها، والسياسة المنبثقة عن قلب الثورة المجسدة لتلك الرؤية، والمعالم الكبرى للأطروحات الضرورية من أجل استعادة الوطن وأهله، دولة ونظاما واقتصادا وجيشا وأمنا وعلاقات داخلية وخارجية.

ولن يتكون الجسد الثوري الواحد عبر إنشاء جبهات بعد جبهات ومجالس بعد مجالس..

ولن تصاغ السياسة الثورية المشتركة عبر "صياغة الوسيلة"، أي إصدار المواثيق والبيانات وعقد المؤتمرات وتقلب المحاور والتحالفات..

ولن تظهر معالم الأطروحات المنهجية المطلوبة من خلال عمل المتخصصين كل على انفراد في مركز بحوث أو دائرة دراسات مرتبطة "فقط" بالجهة التي شكلتها دون توافر شروط التواصل والتنسيق والتعاون والتكامل بين جميع ما يوجد من ذلك وهو ما يعد بالعشرات في هذه الأثناء..

إنما يمكن أن يتحقق ذلك كله بتحقيق شرط أولي لا غنى عنه، هو ارتفاع كل طرف على حدة، فردا كان أم تنظيما، إلى مستوى الثورة والتغيير الكبير المنتظر من خلالها، وهو في موقعه، ليتحوّل كلّ منا عن سؤال (الأنا) بصيغة مطالبة الآخر بأن يقدم (هو) ما أريد، إلى السؤال عما أستطيع أن أقدم مما يريد الآخر في الثورة المشتركة، للوطن الواحد، وللشعب الواحد، وللمستقبل الواحد.

من لا يصنع ذلك أثناء الثورة مسؤول مسؤولية مباشرة عن تأخير الانتصار وإن قدّم جميع ما يملك من طاقات في ميدان المواجهة.

إن شرف الانتساب إلى هذه الثورة الشعبية التاريخية لا يتحقق عبر ما أطالب به لأنتصر بدعوى انتصار الثورة، بل يتحقق عبر ما أصنعه لتنتصر الثورة، بجميع أطيافها، وفق إرادة جميع أطياف الشعب الذي أطلقها، وهو الذي يعاني ويقدم فلذات كبده من أجل التحرر عبر انتصارها.

نبيل شبيب

 

Google Plus Share
Facebook Share

تعليقات

لا يوجد نتائج مطابقة


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق