أمانة الكلمة

قل الحق طالبا الرضوان واحذر الباطل وغضب الديّان

ماذا تقول لجيل نورّثه النكبات؟ أقول لا تكن مثلنا، كيلا تصنع مثل ما صنعنا

قال: ماذا تكتب عن النكبة وكيف صنعناها؟ قلت: بل سأكتب عن جيل التغيير وكيف ينهيها

قوة الكلمة من قوّة شخصية قائلها، والثباتُ على الحقّ دليل صدقه

الإيمان والعلم محضن كلمة الحق والمعرفة والوعي شرط التعرف عليها

قال: علام لا تقبل الشعوب كلام الزعماء؟ قلت: علام لا يسمع الزعماء كلام الشعوب؟


مسؤولية السياسي: لا يمكن حصر مسؤولية من يتحرك باسم الثورة سياسيا في نطاق شخصي، فما يصنعه يترك آثاره على مسار الثورة وأوضاع الشعب وحاضر الوطن ومستقبله

Google Plus Share
Facebook Share
مع وقفة تقدير لجهود الجمعية السورية للصحة النفسية

الصحة النفسية والعلاج الضروري في قضية سورية

نحتاج إلى رؤى ومشاريع وأنشطة مدروسة وفعالة، لعلاج مجتمعنا علاجا ذاتيا، مما توارثناه من حقبة الاستبداد ولم نتخلص منه

من أهم الميادين المنطوية على أخطار بعيدة المدى، مضمونا وزمنيا، ميدان الجوانب النفسية التي يصنفها الخبراء في خانة آثار الحروب والأزمات وما يتفرع عنها، وليس هذا غائبا عن العاملين والناشطين، المتخصصين وغير المتخصصين، كذلك لا يغيب خطره في مسار الثورة الشعبية في سورية على مرّ أعوام عديدة، وأصبح اهتمام المتخصصين به شاملا لسائر الفئات العمرية والمجتمعية، وإن تركز الاهتمام الأكبر على جيل الأطفال والناشئة، نظرا إلى أن ما يصيبهم من أضرار يتجاوز حجما وتأثيرا وعمقا زمنيا مستقبليا ما يصيب سواهم.

 

الجمعية السورية للصحة النفسية

تنبّه عدد من المتخصصين السوريين إلى هذا الجانب منذ بداية الثورة، فأسسوا في أيلول/ سبتمبر ٢٠١٢م في اسطنبول "الجمعية السورية للصحة النفسية"، التي نفذت في هذه الأثناء أنشطة متميزة عديدة، وعقدت أربعة مؤتمرات علمية سنوية، وحمل آخرها قبل عام واحد عنوان "الرعاية النفسية للسوريين في الداخل ومناطق اللجوء". وينعقد المؤتمر العلمي الخامس في غازي عنتاب جنوب تركيا في نهاية نيسان/ أبريل ٢٠١٧م، ويبدو من عنوانه الرئيسي " الصحة النفسية السورية من المعاناة إلى البناء"، أن القائمين عليه يريدون له أن

يعبر نقطة تحول مفصلية باتجاه "البناء" في مسار الأنشطة الجارية، ويصعب الجزم بتحقيق ذلك دون متابعة مضمون ما سيلقى فيه من محاضرات ويعقد من ندوات ومناقشات، ويمهد لمشاريع تنفيذية جديدة، وهذا ما يرجى للمؤتمر وفق عناوين محاوره الستة، وهي:

١- تحديات الرعاية الصحية النفسية للسوريين والتنسيق بين العاملين فيها وبناء الكوادر والمؤسسات 
٢- تنمية مهارات التكيف والتعامل مع الضغوط والصلابة النفسية المبنية على البراهين والتفكير الإيجابي ودورها جميعا في إعادة البناء 
٣- أزمة الهوية والقيم في الأزمة السورية بين الأصالة والتعددية الثقافية 
٤- كيف نتعامل مع الآثار النفسية والاجتماعية للنزوح واللجوء

٥- أخلاقيات الممارسة المهنية للعاملين في الصحة النفسية 
٦- الحرب النفسية والهزيمة النفسية وكيف نواجهها

 

بين تخصصات الصحة النفسية حديثا والوعي المعرفي الحضاري

في جميع المحاور المذكورة ما يشير إلى الحرص على النهج العلمي الذي يميز المتخصصين في هذه الجمعية، إنما يميل القلم بيد من لا يملك التخصص في هذا القطاع البالغ الأهمية إلى الوقوف هنيهة عند المحور الثالث بعنوان "أزمة الهوية والقيم في الأزمة السورية بين الأصالة والتعددية الثقافية".

في العنوان ما يوحي -وعلى الأرجح دون قصد- بربط أزمة الهوية والقيم بالأزمة السورية، والمقصود تداعيات الثورة الشعبية في سورية، ربما بسبب تفاوت ما تشهده قضية سورية وما يشهده سواها، إنما يبقى أنّ القواسم المشتركة تشمل جميع ما يتعلق بإشكاليات الأصالة والتعددية الثقافية وتشابكها مع إشكاليات الهوية ومنظومة القيم.

يضاف إلى ذلك إشارة غير مباشرة إلى انطباع عام منتشر في "دائرتنا المعرفية الحضارية"، وهو أن جامعات بلادنا وحلقات المتخصصين والدارسين عموما، اعتمدوا في قطاعات "علم النفس.. والصحة النفسية" إلى حد كبير على أسس ونظريات وتجارب ومناهج "مستوردة" من إنجازات الحضارة الحداثية المعاصرة.

لا يراد هنا تقويم هذا الانطباع سلبا أو إيجابا، إنما يرجى من المتخصصين والخبراء في قطاعات علم النفس والصحة النفسية وما له صلة بها من القطاعات العلمية الأخرى، أن يطرحوا من خلال دراساتهم المنهجية، بالتفاعل مع ما يشكل لديهم وعيا معرفيا حضاريا ذاتيا، رؤى حديثة ومناهج معاصرة لعلم النفس والصحة النفسية، لا تغفل عن مفعول منظومة القيم الذاتية والتاريخ الحضاري الذاتي على تكوين الإنسان في البيئة التي يعيش فيها، وعسى نخرج بهذا الصدد من قوقعة نسبة "العالمية.. والإنسانية.. والبشرية المشتركة" إلى مصدر واحد من بين مصادر الوعي المعرفي والحضاري، رغم تعددها وتباينها وقابلية تعايشها و"تعارفها" ما بين شرق وغرب، وما بين أصالة وحداثة، وما بين مجتمع بشري وآخر.

مع عدم إغفال ثقل الأعباء الآنية على الجمعية السورية للصحة النفسية يؤمل أن تحرص على هذا التوجه وأمثاله، وهو ما يساهم في اكتسابها مكانة متقدمة في مسار التغيير الحضاري التاريخي الذي فتحت الثورة في سورية وأخواتها أبوابه، وما زال في حاجة إلى جهود "تأسيسية" كبرى، في قطاعات عديدة، من بينها قطاع علم النفس والصحة النفسية، مع ملاحظة أن تحقيق ذلك رهن بالتواصل والتعاون فيما وراء الحدود على مستوى بلادنا والعالم.

 

قضايا الصحة النفسية "السورية" تتجاوز حدود حقبة الثورة

لقد اتخذت "الأوضاع النفسانية" للسوريين بعد اندلاع الثورة الشعبية معادلة التأثير والتأثير المضاد، فليس جميع ما يعانيه مجتمع السوريين (وأمثاله في الربيع العربي وما يتعدى حدوده) نتيجة مباشرة للتعامل العنيف المحلي والإقليمي والدولي مع مسيرة طلب التحرر، بل واجهت المسيرة نفسها عقبات كبرى ذات منطلقات وجذور من صنع حقبة الاستبداد الطويلة من قبل، وما انطوت عليه من رعب داخلي وخنوع يجري تجميله في مصانع التبرير، فضلا عن أمراض وتشوهات نفسية من صنع نكبات وهزائم وتخلّف على كل صعيد.

إن الآثار الناجمة في مسار الثورة عن تلك الحقبة واسعة النطاق، ويكفي للتنويه بحجمها رصد ما نتداوله تحت عنوان غلبة مفعول "الأنا" على الأهمية الوجودية المصيرية المرتبطة بضرورة ممارسة العمل الجماعي المؤسساتي في كافة قطاعات العمل الثوري الميداني والسياسي والإنساني والإغاثي والتربيوي والبحثي العلمي والإعلامي.. وغيرها.

إن الخبراء والمتخصصين في قطاعات علم النفس والصحة النفسية يحملون مع سواهم من علماء الاجتماع وكثير من الناشطين المنهجيين في قطاعات "العمل الأهلي/ المدني" مهمة مزدوجة، لا غنى لجانب منها عن جانب آخر.

حاجتنا كبيرة إلى مشاريع وأنشطة مدروسة وفعالة لعلاج الآثار النفسانية الواسعة الانتشار نتيجة التعرض للعنف وموبقاته بلا حدود، وللتشريد والحرمان من الضرورات المعيشية بما فيها التعليمية والتربيوية وحملات التيئيس والحرب النفسية وغيرها..

وحاجتنا التي لا تقل عن ذلك أهمية وضرورة هي الحاجة إلى مشاريع وأنشطة مدروسة وفعالة، لعلاج مجتمعنا عموما علاجا ذاتيا، مما توارثناه ولم نتخلص منه رغم مضي عدة أعوام على انطلاق الثورة التغييرية، وقد بات يمثل نسبة عالية من أسباب تأخر النصر والتغيير، وأسباب إفلات أزمّة توجيه المسار الثوري التغييري، ومن ذلك ارتكاب أخطاء جسيمة ووقوع انحرافات خطيرة على طريقنا المشترك، بما يعود بأضراره علينا جميعا.. وكذلك على أجيال قادمة. رغم ذلك نغفل غالبا عن أنفسنا وعن الأسباب الأولية الكامنة في نشأتنا وعلاقاتنا البينية، أثناء تركيز اهتمام بعضنا على جيل الأطفال والناشئة وما يمكن صنعه، ويجب صنعه، للخروج به من أتّون حاضر نعيشه ويعيشه جيل المستقبل، إلى معطيات أفضل في مستقبله.

بتعبير موجز:

إن كل عمل مستقبلي يتطلب ارتباطا قويما متوازنا بجذور الوعي المعرفي الحضاري من الماضي، وبقدرة متميزة لإصلاح ذاتي متجدد ومتواصل في الحاضر، وبفعاليات متنامية لرؤية مستقبلية والعمل لجعلها جزءا من واقع مستقبلي يستقرّ بعد حين من الزمن.

نبيل شبيب

 

Google Plus Share
Facebook Share

تعليقات

لا يوجد نتائج مطابقة


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق