أمانة الكلمة

قوة الكلمة من قوّة شخصية قائلها، والثباتُ على الحقّ دليل صدقه

الإيمان والعلم محضن كلمة الحق والمعرفة والوعي شرط التعرف عليها

قال: علام لا تقبل الشعوب كلام الزعماء؟ قلت: علام لا يسمع الزعماء كلام الشعوب؟

من الفتن ما يثيره الكلام بالباطل.. ومن الفتن ما يثيره كتمان الحق

قل كلمة الحق ولا تخش إلا الله.. وستعطي ثمارها ولو بعد حين

الصيام عن الطعام فريضة لشهر ثم تطوع.. وعن الزور فريضة مدى العمر


هل نقوم بما علينا ونحن نطالب العلماء أن يقوموا بما عليهم

بين استهداف العلماء واستهداف الإسلام

المطلوب من العلماء كبير وجليل، ولكن المطلوب من كل فرد منا أيضا كبير وجليل ما دام يرتبط بميدان اختصاصه وقدراته

أصبح قسط كبير مما ننشره عبر وسائل التواصل الشبكي في العالم الافتراضي بلا حساب، ولا حدود، ولا قواعد، ولا آداب، ولا حياء.. وقد يحسب كثير منا أنه أيضا دون رقيب وعتيد، غافلا عن يوم الحساب بين يدي الديان.

مثال على ذلك -وليس المثال الوحيد- التهجم على العلماء، وكأنه وسيلة لجلب الاهتمام عبر الضجيج، أو كأنه لا يكفينا ضجيج التقتيل والتشريد في كل مكان. ونعلم ونؤكد أن العلماء بشر يخطئون ويصيبون، يجوز بحقهم النقد البنّاء المنضبط بضوابطه المعتبرة، وهذا كسواهم من البشر، إنما لا يجوز بحقهم، ولا حق سواهم أيضا، التهجم والافتراء واستخدام أساليب مقيتة ممجوجة، وهنا نرصد ما هو أبعد من ذلك ممارسة ومفعولا، بعد أن أصبح استهداف العلماء -في سورية وسواها- أمرا شنيعا مشاعا.

. . .

صحيح أننا من موقع "العامة" من المسلمين ننتظر الكثير من علمائنا، وهو ما يعبر عن تقدير علمهم ومكانتهم والأمل الكبير الذي ربطناه بهم، إلى درجة المبالغة الخاطئة، فنحن لا نكتفي أن يكونوا "علماء" بل أصبحنا نريدهم -وفق مضامين ما ننتقد غيابه فيهم- أن يكونوا في وقت واحد علماء وقادة ومربّين ومجاهدين، بل وأن يكونوا سياسيين ومخططين ومفكرين وفق رؤية الإسلام شاملا لكافة الميادين.

ليس هذا أملا عريضا بل هو خطأ فاحش، إذ يستحيل أن يجتمع ذلك كله في أي إنسان فرد، سواء كان عالما فقيها مجتهدا أم لم يكن.. فلا قيمة لمن يقول من داخل ميدان المواجهات: أنتم خارج الميدان، ولمن يقول من أروقة "جعجعته السياسية": أنتم تتدخلون في السياسة، ولمن يقول من وراء مكتبه الأنيق: أنتم لا تفكرون للأمة، ولمن يقول دون أن يرى كيف يعيش أحد من العلماء المقصودين بكلامه: أنتم تستمتعون بالرغد في الفنادق..

العالم إنسان فرد.. فلا قيمة أصلا لمطلب يتجاوز حدود ما تقتضيه صفته "عالما فردا"، وإن بعض ما يرتكبه كثير من هؤلاء الذين يستهدفون العلماء أشدّ بنتائجه على الإسلام والمسلمين والثورة والثائرين وعلى الشعب والوطن من كل ما صنعه ويصنعه العلماء المستهدفون في بلادنا وفي المهجر.

علاوة على ذلك.. ليس لنا أن ننزع عن العالم حقّه أن يكون "بشرا" كسواه، فنتجاهل أن للعلماء أيضا احتياجاتهم البشرية، وقدراتهم البشرية، وسلوكهم البشري، فإن هاجروا مثل ما هاجر بعضنا نرفض مبررات هجرتهم ونحن نبرر هجرتنا أو هجرة سوانا وتشريده، وإن أصدروا بياناتهم ومواقفهم، ننتقد -بكلامنا الذي لا نكاد نقدّم سواه- أنهم يقولون ولا يفعلون، وإن ارتكبوا خطأ من الأخطاء سقطنا في فاحش الأخطاء غيبة وبهتانا واتهاما بلا بيّنة ولا دليل، وأصبحنا لا نترفع أصلا عن استخدام أساليب وعبارات لا تليق بأي إنسان تجاه أي إنسان، ثم نزعم تبريرا لأساليبنا المنحرفة أن لحومهم "ليست مسمومة" كما يزعمون، حتى جعلنا من ذلك ذريعة للنهش بلا حساب، وهي مسمومة لأنهم بشر لا تجوز غيبتهم -كسواهم- ولا يجوز بحقهم ولا حق سواهم سوى ذلك من فاحش القول أيضا.

. . .

مرة أخرى.. ليست القضية هنا قضية تحريم نقد العلماء.. معاذ الله، ولكن:

بعض من يخوضون باتهامات دون تبرير، فيما فعل العلماء ولم يفعلوا، هم أنفسهم من "أنصاف العلماء" وقد بلغ بعضهم بذلك من ارتكاب الآثام في اليوم الواحد -لا سيما عبر التصرف الارتجالي بمصائر البشر والبلاد- أضعاف ما يمكن أن يرتكبه العالم طوال عمره.

وبعض من يعيبون على كثير من العلماء عدم التواجد المباشر في ساحات "الجهاد" هم أنفسهم في مقتبل العمر، وليسوا كغالبية العلماء تقدما في العمر، ويجدون لأنفسهم ألف عذر وعذر لغيابهم، ولا يلتمسون لسواهم بضعة وسبعين عذرا ولا أقل من ذلك ولا أكثر.

وبعض من يتهمون العلماء بأنهم يعيشون خارج الثورة بتخطيطهم وفكرهم وعملهم، هم أنفسهم يرفضون ما يقدمه بعض القادرين من العلماء بهذا الصدد، ويتعاملون مع أهل الثورة من "أبراج عاجية" موهومة، وإن سألتهم خطة أو استراتيجية أو فكرا أو عملا، لا تكاد تجد عندهم أكثر من "سيروا ورائي" وهو قاعد في مكانه وراء حاسوبه.

. . .

الأخطر من جميع ما سبق فريق لا ينطلق من الإسلام أصلا في حديثه عن العلماء والثورة والشعب والوطن والدولة، ورغم ذلك تجده يتحدث منتحلا صفة المحامي عن الإسلام في انتهاكه لمكانة العلماء في الإسلام، داعيا إلى وضع الإسلام في "الموقع الجدير به" بزعمه، أي وراء جدران المعابد والمنازل فقط، ويمضي إلى التشكيك في كل مصدر من مصادر الإسلام، وليس في العلماء فحسب، وإلى إنكار كل علاقة لدين الله تعالى بميادين الحياة العامة جميعا، وليس بميادين الثورة والسياسة فقط، ولا يتردّد من خلال حملاته ضد العلماء عن الإسهام المباشر في المحاولات المعاصرة الواسعة النطاق من أجل تنفير جيل الشباب في الثورة من الإسلام نفسه، وليس من علمائه تخصيصا.

. . .

نحن في حاجة من كل إنسان فرد أن يعمل في موقعه حسب اختصاصه وقدراته وظروفه وأن يمدّ يده إلى سواه للتكامل والتعاون والتعاضد.

هذا ما يسري على العالم وسواه، والمفكر وسواه، والمجاهد وسواه، والإعلامي وسواه، والشاعر وسواه، وما قام الإسلام على "العلماء" فقط ولا على "المجاهدين" فقط، ولا على أي فئة من الفئات دون سواها، وليس لأحدنا، أيا كان، أن يتكلم عن الإسلام باعتباره هو وحده من يمثل الإسلام كما أنزل، ثم أن يطالب سواه بأن يكون نسخة عنه، سيان ما هو وضعه الحقيقي أو الوضع الذي يتوهمه عن نفسه، وسيان ما هو موقفه من الإسلام كما أنزل، وليس مما يمثله هذا الفريق أو ذاك من المعاصرين.

صحيح.. أن المطلوب من العلماء كبير وجليل، ولكن المطلوب من كل فرد منا أيضا كبير وجليل ما دام يرتبط بميدان اختصاصه وقدراته، ولن تكون لكلمته تجاه سواه قيمة، ما لم يوجهها إلى نفسه أولا.

صحيح.. أننا نأمل من علمائنا أن يكونوا أقرب إلى الحق والصواب بفضل علمهم، ولكن لسنا صادقين حقا في هذا الأمل عندما يكون في خطابنا نفسه الاتهام المباشر أو غير المباشر بأنكم أيها العلماء لستم كذلك ولن تكونوا كذلك.

صحيح.. أن علماءنا بشر مطالبون بأن يراجعوا أنفسهم وعطاءاتهم وأساليبهم مرة بعد مرة، وأن يرتقوا بما يصنعون إلى مستوى احتياجات الإسلام والمسلمين والإنسان في عالمنا وعصرنا، ولكن هذا أيضا مطلوب منّا جميعا، كل في ميدانه وموقعه، وكذلك في أسلوب حديثه عن سواه وتعامله معهم.

والله ولي التوفيق.

نبيل شبيب

 

Google Plus Share
Facebook Share

تعليقات

لا يوجد نتائج مطابقة


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق