أمانة الكلمة

قوة الكلمة من قوّة شخصية قائلها، والثباتُ على الحقّ دليل صدقه

الإيمان والعلم محضن كلمة الحق والمعرفة والوعي شرط التعرف عليها

قال: علام لا تقبل الشعوب كلام الزعماء؟ قلت: علام لا يسمع الزعماء كلام الشعوب؟

من الفتن ما يثيره الكلام بالباطل.. ومن الفتن ما يثيره كتمان الحق

قل كلمة الحق ولا تخش إلا الله.. وستعطي ثمارها ولو بعد حين

الصيام عن الطعام فريضة لشهر ثم تطوع.. وعن الزور فريضة مدى العمر


Google Plus Share
Facebook Share

اعتقال يوم الجلاء في سورية

تحرير الإنسان يشمل تحرير العلاقات الإنسانية والاجتماعية المشتركة من الإكراه، وتحرير الأوطان يشمل تحرير الهوية الجماعية من التمزيق

في مطالع الفترة الأولى بعد استقلال سورية رسميا عام ١٩٤٦م كانت الاحتفالات السنوية بيوم جلاء آخر جندي فرنسي استعماري عن البلاد مهرجانات شعبية كبيرة، شاملة لجغرافية الوطن وسائر أطياف أهله، وكانت الفعاليات الاحتفالية تنطلق عفويا من التنظيمات الأهلية الشعبية، على مستوى الأحياء في المدن والقرى الصغيرة والكبيرة، كمواكب السيارات والعربات المزينة، والغناء والرقص في الحارات الشعبية، وندوات الخطابة في المدارس والأندية، وغير ذلك من مظاهر تجسد الوجدان الشعبي المشترك بمعنى الكلمة، دون تصنع ولا تكلف ولا توجيه „فوقي“.

هذا مما ينبغي أن يعود مجددا بعد انتصار الثورة الشعبية وجلاء آخر مغتصب استبدادي للوطن وحريته وكرامة أهله وثروات أرضه وصناعة القرار فيه.

. . .

مع موجة الانقلابات العسكرية المتتالية، بدأ اغتصاب عيد الجلاء الوطني المشترك، بتحويله إلى احتفال تمجيد قيادات عسكرية منحرفة، استخدمت أهلنا في الجيش وثرواتنا في تسليحه، أدوات لاغتصاب السلطة وقهر الشعب وتدمير ماضينا البعيد مجدا حضاريا متألقا، والقريب مقاومة للمستعمر الأجنبي، وتدمير الحاضر والمستقبل أيضا.

في عام ١٩٦٤م، بعد وصول حزب البعث بانقلاب عسكري إلى السلطة بعام واحد، اكتملت عملية الاغتصاب واقعيا، فلأول مرة تقرر أن تكون الفعاليات العسكرية من مسيرات، ولقاءات خطابية منظمة، ومشاركات "شعبية" قسرية منظمة، مرتين في العام، في يوم الجلاء كما اعتادت البلاد عليه كأكبر احتفال وطني مشترك يوم ١٧ نيسان / إبريل، وفي يوم اغتصاب البعث للسلطة عسكريا في ٨ آذار / مارس.

إن هذا التحول التدريجي هو الذي أوصل إلى ما نعرفه الآن من تمجيد دبابة العسكري مكان وحدة الوطن، وتمجيد همجية التسلط مكان كرامة الإنسان، وتمجيد الفرد المستبد الفاسد مكان الشعب الواحد.

ولهذا أيضا لا ينبغي التهاون الآن في مسارات ثورات الربيع العربي مع بذور جديدة أولى تصطنعها قوى استبدادية مضادة، لإعادة إنتاج مظاهر تمجيد انقلابيين ومستبدين وفاسدين، جنبا إلى جنب مع تمزيق الجسد الوطني الواحد. 

. . .

تدريجيا فقد يوم الجلاء في سورية وجهه الشعبي الأصيل، فقد أصبح معتقلا مثل سائر ما يمتلكه الشعب من ذكريات وتاريخ وتربية وإعلام وتعليم ورياضة وفنون وعلاقات اجتماعية، فجميع ذلك من ميادين صناعة الهوية الجماعية، وصياغة الأهداف المشتركة، ورعاية العلاقات الشعبية، وهذا ممّا يساهم إسهاما حاسما في صناعة الإنسان نفسه، وهو ما يخشاه الاستبداد الفاسد الذي يعتمد على صناعة الخضوع والخنوع، عبر تمزيق الشعب نفسه وتمزيق علاقاته اليومية وارتباطاته الوطنية، فذاك شرط أساسي لتسلّط أي فئة باغية على البلاد والعباد.

. . .

لهذا ولأسباب عديدة أخرى.. يجب أن يكون تحرير الميادين المذكورة من الاعتقال الاستبدادي، والتسلط الأحادي عليها، جزءا عضويا من الرؤية الثورية لمستقبل سورية، ومن مسار الثورة نفسه. 

إن تحرير الإنسان لا يكتمل دون تحرير العلاقات الإنسانية والاجتماعية المشتركة من الإكراه، وإن تحرير الأوطان لا يتحقق دون تحرير الهوية الجماعية من التمزيق.

نبيل شبيب

 

Google Plus Share
Facebook Share

تعليقات

لا يوجد نتائج مطابقة


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق