أمانة الكلمة

قل الحق طالبا الرضوان واحذر الباطل وغضب الديّان

ماذا تقول لجيل نورّثه النكبات؟ أقول لا تكن مثلنا، كيلا تصنع مثل ما صنعنا

قال: ماذا تكتب عن النكبة وكيف صنعناها؟ قلت: بل سأكتب عن جيل التغيير وكيف ينهيها

قوة الكلمة من قوّة شخصية قائلها، والثباتُ على الحقّ دليل صدقه

الإيمان والعلم محضن كلمة الحق والمعرفة والوعي شرط التعرف عليها

قال: علام لا تقبل الشعوب كلام الزعماء؟ قلت: علام لا يسمع الزعماء كلام الشعوب؟


مسؤولية السياسي: لا يمكن حصر مسؤولية من يتحرك باسم الثورة سياسيا في نطاق شخصي، فما يصنعه يترك آثاره على مسار الثورة وأوضاع الشعب وحاضر الوطن ومستقبله

Google Plus Share
Facebook Share
الإصلاح المزعوم في سورية.. سرعة السلحفاة وتلوّن الحرباء ومكر الرقطاء

بعد كلمة بشار الأسد يوم ٣٠/ ٣/ ٢٠١١م

لكلّ انتصار ثمن.. مهما بلغ فهو أقلّ ممّا دفعه شعب سورية من قبل على امتداد نصف قرن من الاستبداد والقهر والقمع والفساد

يا أيها الثوار المسلّحون.. يا أيها السياسيون من كل لون.. يا أيها المشرّدون والمعتقلون وكل من يعاني في كل مكان.. إن المشهد السوري هذه الأيام مع مطالع العام السابع على الثورة الشعبية، يطالبنا بالعودة إلى أيام اندلاعها الأولى.. فلم يتبدل جوهر الأسباب التي أطلقت الثورة الشعبية من عقالها في آذار / مارس ٢٠١١م، وقد كان مما زاد أوارها قبل نهاية الشهر نفسه المجرم الاستبدادي القمعي المتسلط على سورية وراثة غير مشروعة، عندما واجه بكلمته الأولى مسار الثورة بالمخادعة وهو يصدر الأوامر بالقمع الهمجي للمتظاهرين السلميين في أنحاء سورية.. فلا بد من تجديد طاقة الثورة حتى تحقق هدف التغيير، وإلا فالمصير المشترك قد يكون أشد وطأة واستبدادا ودموية مما كان قبل انطلاق الثورة.

 

سنوات الاستبداد تتحدث - كلمة هوجاء تثبّت هدف الثورة - التطوّرات الإقليمية - مخاوف محقة من تطوّرات دامية

 

اتخذت أولى ردود الفعل من جانب ثوار شعب سورية عقب كلمة بشار الأسد يوم ٣٠/ ٣/ ٢٠١١م صيغة تحرّك فوري على الأرض واجهته السلطة بإطلاق الرصاص، ورفض مطلق لمزيد من الاتهامات والمماطلة على ألسنة شباب الثورة، وخيبة أمل مشحونة بالقلق من جانب المحللين السياسيين لا سيما في "المنفى" خارج سورية.

 

سنوات الاستبداد تتحدث

ردود الفعل الرافضة لكلمة بشار الأسد لها أسباب عديدة أكثر من وجيهة، ويكفي تمهيداً لاستيعاب موقع تلك الكلمة التي وُصفت بأنّ  الأسد تكلّم ولم يقل شيئا، التذكير ببعض التواريخ:

١- في آذار/ مارس ١٩٦٣م وقع الانقلاب العسكري البعثي، وأُعلنت حالة الطوارئ، وكان يُفترض أن الانقلاب كان ضدّ الانفصال الذي أنهى الوحدة بين مصر وسورية، ولم يتحرّك النظام الانقلابي خطوة واحدة في اتجاه وحدة عربية جزئية أو شاملة، أمّا حالة الطوارئ فتمّ ترسيخها وترسيخ أبشع ممارسات الاستبداد بموجبها على امتداد ٤٨ سنة حتى اندلعت الثورة الشعبية الكبرى..

٢- في شباط/ فبراير ١٩٧٠م وصل حافظ الأسد إلى كرسي التسلّط تحت عنوان حركة تصحيحية، عبر انقلاب عسكري فزجّ برفاقه من انقلابات سابقة في السجون، وكان مضمون "التصحيح" على أرض الواقع هو تحويل حزب البعث إلى أداة استبدادٍ في الدولة مع ممارسة الاستبداد داخل نطاق الحزب نفسه، ومع اختزال الحكم في أركان "العائلة الأسدية" ومن والاها، ومضى على ذلك ٤١ سنة حتى اندلعت الثورة الشعبية الكبرى..

٣- في حزيران/ يونيو ٢٠٠٠م تمّ تعديل الدستور لتنصيب بشار الأسد وريثا لأبيه، وبعد بعض الإجراءات الشكلية بدأ في العام نفسه كيلُ وعود الإصلاح على كل صعيد، ومضى على عدم تنفيذها ١١ سنة حتى اندلعت الثورة الشعبية الكبرى..

٤- في عام ٢٠٠٥م قيل إن عددا من الإصلاحات وُضعت قيد الدراسة، وعناوينها حالة الطوارئ وقانون أحزاب وقانون إعلام، ومضى على عملية الإعداد المتطاولة هذه ٦ سنوات حتى اندلعت الثورة الشعبية الكبرى..

٥- لم تكن ثورة شعب سورية قد اندلعت بعد، ولكن اندلعت ثورة شعب مصر بعد شعب تونس، عندما أدلى الحاكم بأمره بشار الأسد بتصريحات صحفية يوم ٣١/ ١/ ٢٠١١م جاء فيها أنّ الواقعية تقتضي القول إن تحقيق الإصلاحات في سورية يتطلّب الانتظار حتى الجيل القادم.. (ربما يعني ابنه الأكبر: حافظ الأسد الثاني!).

٦- اندلعت الثورة في آذار/ مارس عام ٢٠١١م وتكرّر الحديث عن الإصلاح على ألسنة المسؤولين في سورية خلال الأيام التالية وآخرها ما ورد على لسان كبيرهم في الاستبداد والفساد يوم ٣٠/ ٣/ ٢٠١١م.

. . .

هذا غيضٌ   من فيضِ   ما يمكن استخراجه وتعداده من تاريخ جيلين متعاقبين لم يعرفا في سورية سوى نمط التسلّط الاستبدادي الفاسد، وسيّان بعد ذلك أن يحمل اسم الأسد.. أو البعث.. أو جمهورية.. أو ملكية.. فهل يمكن توجيه اللوم لأيّ فرد ثائر، أو محلّل سياسي شابَ فوداه وهو يحلّل، أو معارض ناصح قضى عمره إمّا في المعتقل أو المنفى.. هل يمكن أن يُلام أيّ إنسان عاقل إذا قال: هذه الكلمة لا تتجاوز حدود المماطلة والمراوغة والاتهامات العشوائية، فلا يمكن تصديق الوعود بأي إصلاح، بحال من الأحوال؟

لقد بلغ الاستبداد والفساد مبلغا لا يطاق، وأصبح من المحتم الاعتقاد بأنّ  نظام التسلّط القائم قد فوّت على نفسه من خلال تلك الكلمة الفرصة الأخيرة من أجل تغيير جذري حقيقي شامل، ولم يبق سوى تحقيق التغيير رغما عنه.. عبر ثورة الشعب عليه.

 

كلمة هوجاء تثبّت هدف الثورة

كلمة بشار الأسد يوم ٣٠/ ٣/ ٢٠١١م ككلمة بن علي زين العابدين الأولى عقب اندلاع ثورة شعب تونس، وكلمة مبارك الأولى عقب اندلاع ثورة شعب مصر.. تكشف عمّا يستشعره المستبدّ من هبوب رياح التغيير الحتمي عليه، ومدى تعنّته في عدم الاستجابة لها، وهي في مراحل هبوبها الأولى، إنّما لم تمنع محاولات البقاء المستميتة من سقوط رأسي التسلّط في البلدين الشقيقين تباعا.. ولكن انطوت كلمة الأسد -وانطوت مقدّماتها في أسبوعين سابقين- على كثيرٍ ممّا يُنذر بتقليد بعض محاولات البقاء المستميتة من نوع آخر:

- كما يصنع المستبدّ في اليمن وفق قاعدة "فرّق تَسُد".. ومن أبرز تعابيره على ألسنة المسؤولين في سورية: "فتنة طائفية"!

- وكما يصنع "شبه النظام" في ليبيا ممّا يجمعه عنوان "الانتقام الدموي" بعد سقوط ما اصطنع لنفسه من بنية هيكلية مبتكرة للاستبداد والفساد، وظنّه أنّ شذوذها يكفي لاستثنائها في حقبة ثورات التحرر العربية المعاصرة، ويتخذ التعبير عن ذلك على لسان الأسد القول إن "ربيع العرب يقف هنا"!

من أراد استشراف إلى أين يمضي المستبد الفاسد في سورية بسورية وشعبها والمنطقة الإقليمية من حولها، لا بدّ أن يتبيّن ما تعنيه معالمُ هذا الخليط الخطير، الذي عبّرت عنه أولى كلمات "رئيس" دولة وأولى تحرّكات أجهزتها، في مواجهة أولى أمواج ثورة الشعب في سورية..

ثمّ لا بدّ من وقوع مفاجآت، تتجاوز توقعات الثائرين أنفسهم وحسابات المستبدين كما تتجاوز التحليلات التي تسعى لتقيس ما يجري اليوم في سورية على ما يجري في سواها، أو ما جرى بالأمس فيها وفي سواها.

وكلّ صيغة من الصيغ يجري التنبؤ بها الآن وفق المعطيات الراهنة، لا بدّ من تعديلها أو الأخذ بسواها خلال أيام أو أسابيع أو أكثر، فالثورة تصنع جديدا كل يوم.. والإجراءات المضادّة لإخماد الثورة يمكن أن تؤثّر على مجرى الأحداث من حيث كيفيتها، وإن عجزت عن الحيلولة دون وصول الثورة إلى هدفها الأوّل.. وإلى حين ألقى الأسد كلمته، كان الهدف الأول يتأرجح حول قابلية استباق إسقاط النظام بالتغيير الجذري الحقيقي الشامل، وبعد تلك الكلمة أصبح الهدف الأول للثورة واضحا وثابتا ويمكن أن يشمل المزيد من قطاعات شعب سورية في مختلف المدن والقرى ومن مختلف الأطياف: لا بدّ من إسقاط هذا الذي يسمّونه نظاما أولاً ليتحقق الإصلاح من بعده.

 

التطوّرات الإقليمية

لا يُستغرب من مخاوف كثير من المخلصين لقضية فلسطين، وكذلك المخاوف الصادرة عن أصحاب الاتجاهات القومية العربية تخصيصا، من النتائج الإقليمية للتغيير بعد سقوط النظام المتسلّط في سورية، ليس بسبب الأجواء والمعطيات التي يصنعها تتابعُ الثورات العربية لاسترداد إرادة الشعوب في بلد بعد بلد، فالمفروض هنا الاستبشار بتلاقي الشعوب على أساس الإرادة المتحرّرة لصنع مستقبل آخر، ولكن تصدر المخاوف عن حقيقة أنّ الطاغوت الأسدي في سورية بالذات تميّز بقدرته على اللعب بمختلف الأوراق الهامّة إقليميا، وهو ما يستدعي وقفات قصيرة عند أهمّها مثالا على سواه:

١- قضية فلسطين: تاريخيا.. كانت سورية معقلا من معاقل ما تحتاج إليه ديمومة الحياة في قضية فلسطين من أجل التحرير، وهنا بالذات لا ينبغي الخلط بين كلمة سورية.. وبين أي نظام، فوجود هذا المعقل "السوري" مرتبط بوجود شعب سورية نفسه، من قبل ولادة الأسد الأول ثم ابنه، ومن قبل تأسيس حزب البعث الذي امتطياه إلى السلطة، بل حتى من قبل النكبتين الكبريين، وستبقى سورية معقلا لفلسطين، ففلسطين وسورية جسد واحد تاريخا ومصيرا، ولهذا لا ينبغي لأيّ طرف من الأطراف أن يستعدي شعب سورية المتطلّع إلى حريته بحقّ، بذريعة دعم شعب فلسطين المتطلّع إلى حريته وتحرير أرضه بحقّ. إن العمل لتحرير فلسطين يوجب العمل لتحرير جميع الشعوب، ومنها شعب سورية تحديدا، وهذا ما يوجب التمييز بدقة متناهية بين (١) "إرادة" شعب سورية التي صنعت المقاومة قبل النكبة الأولى وبعدها، وبين (٢) "الورقة" الفلسطينية التي استخدمها الأسدان، بما فيها احتضان المقاومة إعلاميا مع منع وجودها جغرافيا، وممانعة التصفية سياسيا مع الاستعداد للمشاركة في مفاوضات التصفية وفق "ثمن" مناسب، فهذه الورقة التي استخدمت للاستمرار في التسلّط، هي التي تجري محاولات تجميلها فيطلق الاتجاه القومي العربي عنوان "سورية قلب العروبة النابض" ليعبر عنها..

٢- إيران وتركيا: بدأ "التحالف" بين إيران وسورية فور الثورة الإيرانية سنة ١٩٧٩م، فكان حضور سورية في الاحتفالات السنوية الأولى للثورة الإيرانية سنة ١٩٨٠م بصفة "ضيف الشرف" متزامنا مع ما كانت تواجهه المدن السورية من قمع دموي في إطار أحداث ١٩٧٩-١٩٨٢م، بما في ذلك مدينة حماة قبل قصفها بالطائرات والمدفعية والدبابات سنة ١٩٨٢م، ولم يتزعزع هذا التحالف حتى اليوم رغم جميع التقلّبات الإقليمية، أما "التقارب" بين تركيا وسورية فبدأ مع تعزيز مسيرة الانفتاح التركي إقليميا، وازدياد تضييق الخناق على المتسلّطين على سورية بسبب الأوضاع في لبنان وفلسطين.

إن كلّ تحرّك سياسي إقليمي بمشاركة "سورية" كان منطلقه طوال العقود الماضية هو "بقاء النظام" وحرصه على نفسه، وعلى تخفيف الضغوط الخارجية عليه، مع الاستعداد لألوان من المساومات، ولا غرابة إذن أن يجمع المتناقضات، فيتحالف مع إيران أثناء الحرب بين إيران والعراق، ومع دول الخليج بعد احتلال الكويت ضد العراق، وأن تتقلّب تحالفاته داخل لبنان عاما بعد عام، إنّما تتجلّى "قدرته المتميّزة" في وضع عناوين لجميع تلك التناقضات، وفق المعطيات الآنية، فيستمدّها من التوجّهات القومية أو العلمانية أو مكافحة "الإرهاب" أو المقاومة في فلسطين.

. . .

آن الأوان لاستيعاب أنّ قلب العروبة النابض هو شعب سورية.. وليس نظاما استبداديا يقهر شعب سورية، وأنّ تقييد الشعب بالاستبداد والفساد والقمع والتنكيل، يعني تقييد قلب العروبة النابض في قضية فلسطين وسواها، ولا بدّ من تحريره، لتستعيد سورية دورها وتكون "مصنعا للمقاومة والتحرير" وليس "حاضنة مشروطة للمقاومة وللحديث عن التحرير".

آن الأوان لرؤية استشرافية للمنطقة العربية بعد الثورات على الخارطة الإقليمية والدولية، فمستقبل المنطقة مرتبط بتحرير إرادة شعوبها وليس بترسيخ الاستبداد رغم إرادة شعوبها، والشعوب وليس الأنظمة هي الضمان من أجل تلاقي الدول العربية تخصيصا ودول المنطقة عموما، على ما يحقق المصالح العليا.

إنّ الشعوب التي تصنع قرارها بنفسها لا تساوم على قضية فلسطين، ولا تساوم على إنهاء التبعيات السياسية والأمنية والاقتصادية بمختلف أشكالها، والأنظمة التي تنبثق عن إرادة الشعوب، في سورية وسواها، هي المرشحة لاستعادة قوّة المنطقة إقليميا واستخدام طاقاتها وثرواتها من أجل استعادة مكانتها دوليا، والتصدّي الحقيقي -لا الممانعة- لمختلف الأطماع والمؤامرات الصادرة عن قوى الهيمنة الدولية.

كلّ موقف يشكّك في ثورة شعب سورية يمثل عقبة إضافية على طريق قضية فلسطين، وعلى الصعيد الإقليمي، في وجه مستقبل أفضل.. بعد حقبة النكبات والهزائم والكوارث والتخلف والضعف والتجزئة، وكل موقف يدعم شعب سورية في ثورته من أجل التحرّر من قبضة الاستبداد والفساد يمثل دعما لقضية فلسطين وعلى الصعيد الإقليمي بما يحقق مصلحة العرب والمسلمين.

ثمّ إنّ تحرّر الشعوب من قبضة الاستبداد والفساد.. حق أصيل مشروع بمختلف المقاييس، وقد بلغت الشعوب من الوعي ما يكفي لمواجهة استعداء بعضها على بعضها الآخر، فهذا بالذات ما يُنذر بالخطر في المواقف التي تحاول تصوير تحرّر شعب سورية من الاستبداد والفساد.. كما لو كان على حساب شعب فلسطين أو سواه من الشعوب العربية والإسلامية.

 

مخاوف محقّة من تطوّرات دامية

المخاوف الأكبر والأظهر للعيان هي تلك التي تصدر عن المتخوّفين بقدر ما سبق أن عاصروه من أفاعيل التسلّط الأسدي في سورية على مرّ زهاء خمسة عقود "بعثية" أو أربعة عقود "أسدية"، لم يخلُ عام واحد منها من الاعتقالات والمحاكمات والتشريد والتعذيب والإرهاب والترويع.. ناهيك عن موجات كبرى من الفتك والتنكيل.

ولا يستهان بتلك المخاوف، إنّما ينبغي وضعها في مكانها، وهو ما يتطلّب مواكبة الأحداث والتطوّرات الجارية، فسوف تكشف يوما بعد يوم عن معطيات جديدة ورؤى جديدة، إنّما يسري من حيث المبدأ عدد من القواعد الأساسية:

١- كلّ جرعة إضافية من التحرّك القمعي الدموي -كالذي شهدته درعا واللاذقية أكثر من سواهما- يمكن أن تطيل عمر التسلّط بمقياس المقارنة مع "شبه النظام" المترنح في ليبيا، إنّما تزيد ثورة الشعب في سورية اشتعالا وانتشارا، كما شهد الأسبوعان الأول والثاني.

٢- كلّ اتهام لتشويه ثورة شعب سورية، لا يمثل "ابتكارا" جديدا، ولا يميّز المستبدّ في سورية عن سواه، فعنوان "المؤامرة الدولية" كعنوان "الأجندة الخارجية" وعنوان "الفتنة الطائفية" كعنوان "الفتنة القبلية" وتصوير "الشبّيحة" أو "الزعران" من القنّاصة وسواهم كما لو كانوا من خارج نطاق الأجهزة القمعية، لا يختلف عن شبيه ذلك في التعامل مع جرائم "البلطجية".. وبقدر ما تناقض النظام الحاكم مع نفسه في تقلّب تصريحاته ما بين اتهام وآخر، بقدر ما حافظت ثورة شعب سورية على الصورة الواحدة التي نشأت وبقيت هي الغالبة عليها: ثورة شعبية مشروعة جامعة لأطياف الشعب ضد باطل الاستبداد والفساد، سيّان ما هي ارتباطاته وسياساته الخارجية، فهو مرفوض بحد ذاته، ومشروعية رفضه لا تتزعزع، ودمويته في القمع سبب إضافي لتصعيد الثورة ضدّه وليس لتراجعها.

٣- كلّ "تخويف" من تدخّل دولي، بأيّ شكل من الأشكال، في أي مرحلة من المراحل، لا جدوى منه في ثورة شعب سورية تحديدا.. فلئن كان لكل بلد خصائصه التي تميزه -رغم القواسم المشتركة- عن البلدان العربية الأخرى، فإن في مقدمة ما يميّز ثورة شعب سورية، أنّه لا يوجد أحد على مستوى شبابها وشيوخها، رجالها ونسائها، ومن يدعمها من المعارضين داخل الحدود وخارجها، ومن لا يزال في مرحلة التعاطف قبل الدعم من أهل سورية في أي مدينة أو قرية أو منفى.. لا يوجد صوت واحد معتبر يقبل بتدخل أجنبي بأي ذريعة من الذرائع، إنّما يوجد ما لا يُحصى من الأصوات، التي كانت ترفض ذلك قبل هذه الثورة، وترفضه منذ اندلاعها، وسترفضه مستقبلا أيضا بغض النظر عن مجراها.

٤- كلّ من يستشعر التخوّف من لجوء السلطات في سورية إلى أساليب شبيهة بما جرى ويجري في ليبيا، لا ينبغي تحويل مخاوفه إلى "تهدئة" الثوّار بأسلوب التخذيل بل إلى "تهدئة" المجرم.. ليمتنع عن سلوك طريق إراقة الدماء، كيلا يضيف إلى ممارسات سابقة ما يجعله أقرب إلى "شبه النظام" الحاكم في ليبيا، ويجعل اللوثة الدموية آخر ما يحمل سجّله قبل السقوط.. فالشعوب لا بدّ أن تنتصر على كل حال.

. . .

ثورة شعب سورية ثورة العدل ضد الظلم، والحق ضد الباطل، والحرية ضد الاستبداد، والطهارة ضد الفساد.. هي ثورة شعب ضد نظام، اندلعت لأن الشعب فقد ثقته بجميع وعود النظام وجميع أركانه، ولأن النظام سدّ بنفسه جميع أبواب التغيير الجذري الشامل المطلوب المشروع.. وهو الذي فتح بذلك باب الثورة ضدّه، ولن يستطيع أن يوصده، وكان باستطاعة بشار الأسد في كلمته يوم ٣٠/ ٣/ ٢٠١١م أن يحاول محاولة جادة أخيرة لهذا الغرض، ولم يفعل، ولهذا أصبحت كلمته وقودا للثورة، ونذيرا بانتصارها، ولكلّ انتصار ثمن، مهما بلغ فهو أقلّ ممّا دفعه شعب سورية على امتداد نصف قرن من الاستبداد والقهر والقمع والفساد.. ولئن ارتكب النظام الحاكم مزيدا من الموبقات في أيامه الأخيرة فذاك ما يحمّله مزيدا من الأوزار، ولن يمنع الشعب من تحقيق الانتصار.

نبيل شبيب

 

Google Plus Share
Facebook Share

تعليقات

لا يوجد نتائج مطابقة


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق