أمانة الكلمة

قوة الكلمة من قوّة شخصية قائلها، والثباتُ على الحقّ دليل صدقه

الإيمان والعلم محضن كلمة الحق والمعرفة والوعي شرط التعرف عليها

قال: علام لا تقبل الشعوب كلام الزعماء؟ قلت: علام لا يسمع الزعماء كلام الشعوب؟

من الفتن ما يثيره الكلام بالباطل.. ومن الفتن ما يثيره كتمان الحق

قل كلمة الحق ولا تخش إلا الله.. وستعطي ثمارها ولو بعد حين

الصيام عن الطعام فريضة لشهر ثم تطوع.. وعن الزور فريضة مدى العمر


صناعة مستقبل التغيير الثوري أكبر من العمل الميداني والتفاوضي معا

هل يكفي التحرك الميداني لتوجيه مسارات جنيف؟

إن لم توضع رؤية مستقبلية متكاملة لن يوجد ما يمنع من أن يصبح وضع ما يسمّى "الدولة الهشّة" حالة مستمرة إلى أجل غير معلوم

بعد تراجع الفصائل الثورية عن شرقي حلب تحت وابل القصف الروسي الهمجي بمشاركة بقايا النظام والميليشيات المستوردة، بدأت حملة نفسية أخرى من حملات الحرب ضد شعب سورية وثورته: انتهت الثورة، وستشهد إدلب حملة قريبة تقضي على من تم تهجيره إليها ليصبح "هدفا" سهلا.

بعد اضطرار الثوار في داريا إلى القبول بتهجير من لم يستشهد منهم إلى إدلب، انتفخت أوداج المتنبئين بسقوط الغوطة الشرقية بين ليلة وضحاها في براثن التسلط الاستبدادي على سورية.

ويوجد المزيد من هذا المسلسل من قبل القصير في القلمون إلى ما بعد حي الوعر في حمص، ومن الهدن المحلية في دمشق وتخومها إلى العبثية العسكرية المتبادلة بين داعش وبقايا النظام، ومن تمدّد فريق مسلح مدعوم من الأكراد على حساب جمهرتهم المنكوبة بالاستبداد كسواها، إلى تسكين الجنوب في درعا وأخواتها حيث ولد عنفوان الثورة الشعبية.

هل بدّل ذلك شيئا من مسارات جنيف وأخواتها، فيينا سابقا وآستانا لاحقا، إلا في حدود ما يصلح لحرب نفسية ولا يصلح لصناعة وضع مستقر بغض النظر عن شكله المستقبلي؟

إن ما يجري الآن ويبدّل مجددا موازين القوى الميدانية يؤثر دون ريب على المواقف ومواقع المتفاوضين، ولكن لا يبدل تبديلا جذريا مسارات التفاوض في جنيف وأخواتها، إلا في حدود ما يصلح لحملات التمني المتفائلة وحملات التشكيك المتشائمة.

صناعة مستقبل سورية بدأت بتراكم الغضب الشعبي على امتداد العقود الماضية، وفجّره حمزة الخطيب وإخوته، وروته دماء الشهداء وعذابات المعتقلين على امتداد سنوات الثورة.. ويحتاج إلى ما هو أوسع نطاقا من ميادين المواجهة وقاعات التفاوض.

. . .

جنيف وأمثالها أشبه بمكتبة تجلس فيها لجان غير متجانسة، قد تساهم أو لا تساهم في وضع "الصياغة" المناسبة لحصيلة مجموع ما يجري بعيدا عن جنيف، ومن ذلك ما يشهده الميدان، وهو الصانع الرئيسي للمسار، منذ بداية الثورة حتى يوم انتصارها، ولكن "مادة المحتوى" المطلوب الغائب حاليا هو "دعائم المستقبل وهيكلية الدولة".

١- ميدان المواجهات على أرض سورية.. مصدر أول للقوة الفاعلة وليس هو المصدر الوحيد للنتائج.. ولهذا تتقدم الثورة ميدانيا فينتشر التفاؤل أما النتائج فلا تتحقق كما تريدها الثورة، ويتقدم أعداء الثورة فينتشر التشاؤم أما النتائج فلا يمكن أن تستقر بعد أن فتحت الثورة من لحظة اندلاعها أبواب التغيير الحتمي.

٢- ميدان الفكر الثوري.. أي ميدان القادرين على وضع الصيغ الدستورية والقانونية والسياسية والاقتصادية وعقد التعامل على مستوى المجتمع ومخطط الانتقال من وضع بائس حالي إلى وضع مأمول مستقر والمعالم الكبرى لمستقبل علاقات الدولة المنبثقة عن الثورة مع القوى الإقليمية والدولية، جميع ذلك مطلوب، وجميع ذلك وجد بعض الإنجازات، ولكن ما يزال متخلّفا عن الحدّ المطلوب، فبقي السؤال مطروحا: ماذا تريدون بالتحديد تحت عناوين الكرامة والعدالة والحرية والأمن وغير ذلك من أهداف شعبية ثورية كبرى؟

النقص على هذا الصعيد كبير.. وقد مضى ما مضى من الأعوام على الصمود الثوري والشعبي التاريخي المذهل، فسقطت الحجة القديمة المتكررة بشأن العقم السياسي والاجتماعي الموروث من عقود الاستبداد والفساد من قبل.

٣- ميدان التنظيم والإدارة.. يسري عليه ما سبق أيضا، والمقصود به نشأة عمل مؤسساتي منهجي نزيه وفاعل وتطوره المتجدد على كل صعيد، بدءا بالقطاع السياسي مع ما يشمل علاقته بالميداني، مرورا بالقطاع الأهلي/ المدني مع ما يشمل علاقته التخصصية بأمثاله على المستوى الدولي لمواجهة مآسي المعاناة، انتهاء بالقطاع الحقوقي على صعيد توثيق جرائم المجرمين وشق الطريق لمحاكمات عادلة في المستقبل المنظور، وليس بأسلوب الحبوب المسكّنة: لن يفلت مجرم من العقاب.

. . .

ليست مشكلة النقلة من ثورة إلى دولة حرة مستقلة مستقرة محصورة في جناحي العمل الميداني وجولات التفاوض.

في الميدان يجري تهديم البناء الفاسد المتعفن الملوّث منذ نشأته..

في التفاوض توضع الصيغ التي تفرضها حتمية عدم نشأة "فراغ" بعد ذلك التهديم..

الثورة أنهت ما سبقها من عقود ولا يوجد طريق للعودة إلى ما كان.. ولكن سيان كم يكون المفاوض بارعا أو ضعيفا، كيف توضع صيغة "مستقبلية" دون أن يكون للثورة جناح أقوى مما يوجد حاليا، يعمل في ميادين الفكر والتنظيم والإدارة على بيان الطريق بيانا واضحا مقنعا بمنطق الثورة ومنطق التغيير، وعلى التخطيط لمراحل التنفيذ من لحظة آنية هي لحظة الانهيار بسقوط "النظام" يوم اندلعت الثورة، وبقاء بقاياه لغياب من ترتفع هامته على تراكم ما يعطيه من بديل سياسي وأمني وحقوقي وعسكري واجتماعي وثقافي وفكري.

ليس في ذلك تجاهل لجهود مبذولة، ولكن المطلوب هو الإقرار بوجود نقص وضرورة استدراكه.

. . .

كأننا نسعى لتبرئة أنفسنا من المسؤولية عندما نوجه أصابع الاتهام بحق أو دون حق نحو المقاتلين والمفاوضين، ونحو عدو لا يمكن أن يتصرف إلا وفق كونه عدوا، ولا ننظر في الوقت نفسه إلى ما لم يصنعه المتخصصون والخبراء من أهلنا على الثغرات التي تصدّوا لها، تحت عناوين عريضة، لتجمعات قديمة وجديدة، وهياكل إدارية نشأت من قبل أو في رحم الثورة، وهي حافلة بالطاقات والتجارب والمكانة المرموقة، وقد تكررت أساليب التبرير:

المقاتلون متفرقون ومنهم المتعصبون المتشددون والفصائليون..

المفاوضون غير حرفيين في سياستهم وغير مستعدين في تشكيلاتهم..

وهذا غيض من فيض فمسلسل الاتهامات والتبريرات طويل، ولكن غالب من يوجهون هذه الاتهامات وأمثالها، كاتهام التفرقة، متفرقون أيضا وهم في ظروف أنسب من ظروف المقاتلين والسياسيين لتوحيد فكرهم وكلمتهم وجهودهم إذا توافرت لذلك إرادة صادقة ونظرة ثاقبة وجهد مدروس.

. . .

مسار الثورة يتقلب ميدانيا وسياسيا، ولكنه مستمر نتيجة الصمود الشعبي المنقطع النظير..

ومسار الثورة يفتقر إلى إنجاز مبدع من جانب أجنحة فكرية وتنظيمية، ولكنه مستمر رغم غيابه حتى الآن..

إنما قد يصل ذلك المسار إلى مفترق طرق لا يفيد معه تحقيق ذلك الإنجاز، فحتى الآن لا يزال في الإمكان الإسهام في توجيه عملية التغيير الجارية نحو صياغة رؤية شاملة من أجل دولة مستقرة منبثقة عن الثورة، ولكن إن لم يتحقق ذلك في المستقبل المنظور لن يوجد ما يمنع من أن يصبح وضع ما يسمّى "الدولة الهشّة" حالة مستمرة إلى أجل غير معلوم. 

وعندما يردد بعضنا: وسيأتي الله بقوم آخرين، يفترض أن نعلم جميعا أنها قاعدة تسري على المتخصصين فكرا وإدارة وتنظيما وتخصيصا وتشريعا، فضلا عن أهل الميدان وهم يقدمون أرواحهم وأهل السياسة وإن أصبحت جنيف وأخواتها مجرد ساحة تدريب لبعضهم للخروج من عقم سياسي وتنظيمي قديم. 

نبيل شبيب

Google Plus Share
Facebook Share

تعليقات

لا يوجد نتائج مطابقة


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق