أمانة الكلمة

 

لكلمة الحق درجات.. أدناها التواصي بالحق والصبر وأعلاها مرتبة سيد الشهداء

 

الجهر بالحق واجب كفائي فهل ننجو من الإثم إن بقي الأداء دون حدّ الكفاية؟

 

ما أكثر من يعرف كلمة الحق وما أقل من يعرف ثمنها ويجهر بها

 

قد يرقى جزاء كلمة الحق في وجه سلطان جائر إلى مرتبة سيد الشهداء

 

لا يرتفع صوت متبجحا بالباطل إلا عندما يغيب الجهر بكلمة الحق

 

أغمض عينيك واطوِ مسافة الخلاف بيننا وستسمع ما أقول وإن لم تقرأه مكتوبا

 

استخدام كلمة "رئيس" في وصف رئيس عصابة لا يجعله رئيس دولة

 

قال نقول كلمة الحق بأفضل صورة ولا يسمعها أحد، قلت هل نفعل ذلك حقا؟


اكتبْ أيّها القلم العنيد!

شجون - حوار في هدأة الليل

اكتب أيّها القلم العنيد، اكتب عن أيّ شيء.. اكتب ما شئت قبل أن أجعلك حطاماً وأثراً بعد عين!

أمسك بقلمه كما كان يمسك به منذ سنين وسنين.. وهمّ بالكتابة، فتحرّك القلم كما كان يتحرّك منذ سنين وسنين، وبقيت الورقة كما كانت بيضاء..ناصعة البياض!.
هل نفذ المداد أم فسد الورق؟
لا هذا ولا ذاك.. 
فما بالك أيّها القلم إذن؟
وعاود المحاولة، دون جدوى، فوجد نفسه يسأل القلم كمن يكلّم نفسه بصوت مرتفع:
- علام لا تكتب أيّها القلم العنيد؟
وفاجأه القلم متسائلا بدوره:
- وماذا أكتب؟..
- ما عهدتُك إلاّ والكلماتُ تنصبّ منك انصبابا، فكيف تسأل عمّا تكتب؟.. اكتب كيوم أمس وأوّل أمس عن الأبرياء الذين يتساقطون ضحيّة العدوان والقهر والظلم!..
قال القلم بصوت متهدّج:
- وأين لي بكلمات أبلغ من الصور الحيّة وما تنقله من مشاهد ناطقة، يراها من يراها ولا يتأثّر، وإن تأثّر لا يتحرّك، وإن تحرّك زاده الظلم ظلما والقهر قهرا والعدوان عدوانا!
قال:
- فاكتب إذن عن الطغاة الظالمين والمعتدين المجرمين وأعوانهم الخائنين!
وأبى القلم الانصياع ومضى يقول:
- ما عاد في جوفي مداد لكلمات لا تغادر الأوراق.. فعلام أخطّ كلماتٍ تبقى سجينة القرطاس، بعد أن أصبح حصار بنات الأفكار فنّا متقنا، ونهجا متّبعا، وما جدوى كلمة لا تصل إلى أولئك ليرتدعوا، ولا إلى المستضعفين ليثوروا، ولا إلى ضمائر الأحرار ليعترضوا ويحتجوّا.. 
- فاكتب إذن شعرا علّه يتسلّل بين الأسوار والحواجز، وينطق بما قد تغفل عنه أعين الرقباء وآذان الرصّاد، عساه يصل إلى بعضِ نبضٍ في قلوب فتحيا، أو بقية إحساس في مشاعر فتثور، أو أثرٍ لوجدانٍ في نفس من النفوس فيتحرّك.. 
ولم يتراجع القلم عن عناده:
- كأنّك لم تسمع كيف ضجّت السماء بما صعد من شكاوى الشاكين من الشعر والشعراء، والخطب والخطباء، والحماسة والمتحمّسين، وهم يسيرون بكلماتهم فوق السديم، وحولهم الحضيض ووحل الحضيض، ويزيّنون الآمال العِذاب، وفي أنوفهم ريح الاحتراق بالآلام وصنوف العذاب..
وبدأ صبر صاحب القلم ينفذ، فقال متبرّما:
- أعنّي إذن على بحثٍ نخوض به في معضلة أو مشكلة، عساه ينصُبُ بعض المعالم على الطريق، أو دعني أشرع في تأليف كتاب.. فليس لمثلي أن يمتنع عنه قلمه ولا ينفعه في حياته خبز ولا ماء ولا هواء دون الكتابة!
وجاء الجواب قبل أن يكمل كلامه:
- وهل تجد ثغرة لم تسدّها البحوث الرصينة والدراسات العتيدة والكتب القيّمة، حتّى تكدّست الأفكار والآراء في كل ميدان وقضيّة، فما بدّل أصحابها شيئا، ولا أحدثوا أمرا، ولم يؤبَه بذي عقل منهم ولو كان من الفطاحل، ولا سُمع له رأي مهما رشد.. ولربّما كان جزاؤه التخيير بين تنكيل أو تشريد، أو العيش على هامش الحياة وما فيها..
وبلغ الغضب بصاحب القلم مبلغه فصاح به:
- اكتب أيّها القلم العنيد، اكتب عن أيّ شيء، عن الطقس وحالته، عن الغناء والرقص في المآتم، عن الزهور في المقابر، عن احتضار لا موت بعده، وموات لا احتضار قبله.. اكتب ما شئت قبل أن أجعلك حطاماً وأثراً بعد عين!..
وسكت القلم فلم يجب.. وظنّ صاحبه به خيرا، فجعل يضغط به على الورقة بقوّة، كمن يريد أن ينتزع منه المداد انتزاعا، ثمّ ينظر فلا يرى أمامه إلاّ بياضا ناصعا أشدّ عليه من دجى ليلٍ حالك الظلمة.. ورأى السبل قد سُدّت من بين يديه ومن خلفه، فرمى بقلمه جانبا، وذهب إلى فراشه فرارا من عناده.. وقضى ساعة أو أكثر، لا يغمض له جفن ولا يهدأ له قرار. 
وخطر له خاطر، فقام من جديد، وأمسك بقلمه قائلا برقّةٍ  وحنان:
- اكتب يا قلمي الحبيب اكتب، أودّ أن أقرأ في الصباح ما كان معك من حوار في هدأة الليل، وعسى تصل كلماتك يوما ما إلى مَن لا تدري ولا أدري، ويكون بها من الخير ما ترجو وأرجو.

نبيل شبيب
 

تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق