شذرات

 

بدأ خنق مسار الثورة منذ وجد من يشتري وعودا باطلة تتقلص تباعا ويدفع تنازلاتٍ تتفاقم عن حقوق لا يملكها.. وكانت تسمية ذلك "فن التفاوض"

 

يتزعزع الهدف المشروع من التفاوض وتتسارع عجلة التراجع ابتداء من تحويل شروط مشروعة مسبقة إلى مطالب للتفاوض

 

الفروق كبيرة بين صناعة الواقع والتسليم، وإرادة الشعب والمراوغة، والمصلحة المتبادلة والخضوع، فكيف اختلطت عند بعضنا تحت عنوان سياسة

 

دون الرؤية والتخطيط والعمل بين يدي الأحداث المأساوية الجارية، تضيع قيمة التذكير بوعد من قبيل سواري كسرى أثناء الهجرة في الرمضاء

 

لا ينتهي الاستبداد بزواله بل باستئصال جذوره فكرا وواقعا من العلاقات والثقافات اليومية في كل مكان وميدان 

 

كل إكراه استبداد مرفوض.. فلا إكراه للناس على سلطة تزعم لنفسها توجها مرجعيا إسلاميا.. أو توجها مرجعيا علمانيا

 

ليس الإسلاميون المصدر الصحيح لتعليم النهج العلماني للعلمانيين، وليس العلمانيون المصدر الصحيح لتعليم النهج الإسلامي للإسلاميين ، أليس كذلك؟

 

الذين يرفضون رؤى إسلامية للتغيير بذريعة رايات منحرفة انتحلت عناوين إسلامية هل يفعلون ذلك إزاء انتحال رايات رؤى علمانية مثلا


فوز لتركيا بأسرها ورسائل لجهات عديدة

تحليل - الفوز الانتخابي الكبير في تركيا

الفوز الانتخابي الكبير في تركيا له ما بعده في المنطقة بمجموعها، وليس القصد هنا سورية المجاورة فقط

الفوز الانتخابي الكبير في تركيا هو فوز تركيا وليس فوز حزب فيها، وإن كان لسياساته فضل كبير بطبيعة الحال، فالعدالة والتنمية كان بحق "حزب تركيا" الذي يراعي في سياساته أطياف الشعب التركي وتنوعها، ويراعي الاتجاهات والانتماءات المتعددة فيها، ثم إنه -مع كل ما تقتضيه السياسة "الحزبية" في نظام ديمقراطي- لم يمارس تلك السياسة بأسلوب التعصب الحزبي، بغض النظر عن وقوع أخطاء فليس من طبيعة البشر الكمال لا سيما في عالم السياسة المعاصر المعقد.

والفوز الانتخابي الكبير في تركيا له ما بعده في المنطقة بمجموعها، وهو في صالح المنطقة بمجموعها، وليس القصد هنا سورية المجاورة فقط، فقبل الثورة الشعبية في سورية لم يكن يخفى أن سياسة تركيا خلال العقد الماضي من السنوات شقت الطريق لمستقبل المنطقة إقليميا في الساحة الدولية على أكثر من صعيد:

كان هناك ترسيخ أسباب التعاون على مستوى "الدول" العربية والإسلامية رغم اختلاف المسارات السياسية والأوضاع الداخلية والارتباطات الدولية.

وكان هناك السياسة المتميزة لتركيا في التعامل مع حرب الاحتلال الأمريكي للعراق والرفض التاريخي بمعنى الكلمة في حياة تركيا السياسية لتلبية الطلبات الأمريكية لجعل أراضيها ممرا للقوات العسكرية المتوجهة لغزو العراق.

وكان هناك السياسة المتميزة لتركيا أثناء الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة ومن بعدها وهو ما لعب دورا حاسما في فتح آفاق جديدة أمام مستقبل قضية فلسطين برمتها.

وكان هناك أيضا المنهج السياسي المتبع منذ ظهور حزب العدالة والتنمية على المسرح السياسي في تركيا، وهو المنهج الذي يعطي "دروسا" فيما ينبغي أن تكون عليه الخطط الاستراتيجية" البعيدة المدى والمخططات المرحلية لتنفيذها، ليتحقق التغيير في الاتجاه الصحيح، بأقل قدر ممكن من الثمن الذي تتطلبه حركات التغيير الجذري في حياة الأمم والشعوب.

. . .

من أراد تقدير ما يعنيه الفوز الانتخابي داخليا وحجمه موضوعيا، فليقارن بين نسبة الإقبال على الانتخابات في تركيا في حدود ٩٠ في المائة، وبين مشاهد الصناديق الفارغة ومقار التصويت التي لم تعرف ازدحاما باستثناء ما صنعته كثافة الوجود "الأمني" قبل أيام معدودات في ظل الانقلاب في مصر.

ومن أراد أن يعرف كيف يفرض الزعماء السياسيون أنفسهم من خلال إنجازاتهم -وليس من خلال المعتقلات والتعذيب والتقتيل الهمجي- فيتعامل معهم أبناء الشعب ممن ينتخبونهم أو ينتخبون خصومهم السياسيون على السواء، تعامل التقدير والاحترام والتعاون، وبين ما شهدناه ونشهده في سورية منذ خمسين سنة وخلال السنوات الماضية على ثورتها الشعبية.

ومن أراد رؤية طريق متميز لتطور العلاقات بين بلد في مرحلة نهوض أولي، وبين القوى العالمية المسيطرة على الساحة الدولية، فلينظر كيف تعاملت السياسات التركية في السنوات الماضية مع الحلفاء والأعداء، فلم تأخذ صيغة التبعية الذليلة رغم التحالف مع الأوروبيين والأمريكيين، ولم تمتنع عن تنمية التعاون المصلحي فيما لا خلاف حوله، رغم الافتراق والتناقض العميق سياسيا وأمنيا في ميادين أخرى، كما كان مع إيران وروسيا وحتى مع الصين.

تركيا هي التي فازت في هذه الانتخابات، لأن هذا الفوز يفتح أبواب مواصلة هذه السياسات، بل يمكن القول إنها يمكن أن تنعكس في السنوات المقبلة على الأحزاب الأخرى في تركيا، فلا يكون عسيرا أن يتحقق في المستقبل فوز مشترك لأحزاب تتمكن من تشكيل حكومات ائتلافية، وهو ما كان عسيرا خلال السنوات الماضية، فهي السنوات الأولى -أو المرحلة الانتقالية- لبناء منهج جديد للبلاد بعد كل ما عرفته من ألوان الاحتكار العسكري والسياسي الحزبي للسلطة من منطلق فرض العقيدة الأتاتوركية وإعطائها الأولوية على معايير المصلحة العليا للشعب والوطن في حاضره ومستقبله.

. . .

من شأن هذا الفوز الكبير أن يكون مدرسة سياسية لجهات عديدة، فهو رسالة "الناخب التركي" إلى الطبقة السياسية في تركيا برمتها، ويمكن لها أن تستفيد مما أظهرته صناديق التصويت، أن الفوز السياسي مرتبط بالإنجاز، وأن المواطن قادر على التمييز في أشد مراحل الصعوبات والحملات المضادة، بين ما يحقق المصلحة لبلده ومَن المؤهل لتحقيق ذلك، وبين من تتحول خصومته السياسية إلى "عداء حزبي" مهما بلغ الثمن على حساب البلد نفسه.

وهو أيضا رسالة موجهة إلى القوى الدولية المعاصرة، أنه مضى عهد الأساليب العتيقة، كالضغوط وإثارة التوترات الداخلية، بصناعة أوضاع تحقق مصالحها ومطامعها، أو مضى ذلك العهد بالنسبة إلى الدول التي تشهد صحوة داخلية، سياسية وغير سياسية، كالتي شهدتها تركيا خلال العقد الأخير من السنوات، بعد أن بذرت بذورها جهود واسعة النطاق من قبل.

وهو أيضا رسالة موجهة إلى القوى الإقليمية، أن تحقيق "المصلحة الذاتية" ممكن عبر السياسات المستقلة الذاتية المرتبطة بإرادة الشعوب، ولم تعد ممكنة عبر "قهر الشعوب" حتى تصبح الصناديق الفارغة وسيلة للتعبير عن الرفض، ولا عبر التبعية لقوى دولية، تتخلى عن الأتباع حينا وتستخدمهم حينا آخر، بمعزل عن علاقاتهم بشعوبهم بل حتى عن مصالحهم "الشخصية" الذاتية نفسها.

ولكن الفوز الكبير في تركيا يوجه أيضا رسالة بالغة الأهمية إلى كل من علق الآمال على هذا الفوز ممن يتطلعون إلى دور تركيا الإقليمي، كما هو الحال في ثورات سورية وأخواتها:

١- الثورة بوابة التغيير بعد أن بلغ إجرام الاستبداد درجة لا تحتمل..

٢- أما تحقيق هدف الثورة "بناء ونهوضا ووحدة وتقدما" فلا يتحقق إلا من خلال العمل الدائب وفق رؤية ذاتية سلمية وتخطيط مرن قويم واستراتيجية عقلانية بعيدة المدى..

٣- لا يعني ذلك "صورة طبق الأصل" عن تركيا فلكل بلد معطياته، ولكل مرحلة تاريخية خصائصها، ولكل حالة سياسية متطلباتها، ولكن يعني ذلك التخلص نهائيا من اعتراضات طالما انتشرت في أوساط المتطلعين للتغيير: لن تدعنا القوى المعادية نتقدم نحو هدفنا..

٤- إن الرؤية الذاتية السليمة والتخطيط المرن القويم والاستراتيجية العقلانية البعيدة المدى، جميع ذلك لا يحقق المطلوب إلا بقدر ما يضع في حساباته جميع العوامل المضادة والعوائق المحتملة ويتمكن من التغلب عليها وتجاوزها..

هذا بالذات في محور ما تعنيه لنا الإنجازات المتتابعة في مسيرة تركيا التي بات في الإمكان تسميتها مرحلة ما بعد الاستبداد الأتاتوركي، وآخر تلك الإنجازات الفوز الانتخابي الكبير يوم ١/ ١١/ ٢٠١٥م.

نبيل شبيب

 

تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق