أمانة الكلمة

 

سيبقى نبض كلماتنا أجوف فارغا في مسامع الضحايا ما لم يقترن بفكر ورؤية وعمل وتعاون 

 

لكلمة الحق درجات.. أدناها التواصي بالحق والصبر وأعلاها مرتبة سيد الشهداء

 

الجهر بالحق واجب كفائي فهل ننجو من الإثم إن بقي الأداء دون حدّ الكفاية؟

 

ما أكثر من يعرف كلمة الحق وما أقل من يعرف ثمنها ويجهر بها

 

قد يرقى جزاء كلمة الحق في وجه سلطان جائر إلى مرتبة سيد الشهداء

 

لا يرتفع صوت متبجحا بالباطل إلا عندما يغيب الجهر بكلمة الحق

 

أغمض عينيك واطوِ مسافة الخلاف بيننا وستسمع ما أقول وإن لم تقرأه مكتوبا

 

استخدام كلمة "رئيس" في وصف رئيس عصابة لا يجعله رئيس دولة


ما الهدف من نشر هذا المصطلح المبتكر وما الحصيلة؟

تحت المجهر - الإسلام السياسي

الإسلام السياسي تعبير ابتكر حديثا كتعابير أخرى استخدمت لأغراض مشابهة مثل الأصولية الإسلامية والإرهاب الإسلامي

 

تعبير "الإسلام السياسي"(1) لا نجده في النصوص القرآنية ولا الأحاديث النبوية ولا أمّهات الكتب الإسلامية، كما أنّ الحركات والجماعات الإسلامية التي ظهرت في القرن الميلادي العشرين لم تستخدم هذا التعبير على امتداد عشرات السنين. رغم ذلك انتشر استخدام هذا التعبير في المواقف السياسية والكتابات الإعلامية والفكرية في الآونة الأخيرة على وجه التخصيص.. فمن أين ظهر؟.. وما المقصود به؟.. وما علاقته بالإسلاميين، علما بأن كلمة إسلاميين أيضا حديثة النشوء وانطلقت في المنطقة العربية للتمييز بين المسلمين العاملين في تنظيمات إسلامية للدعوة إلى التمسّك بتطبيق الإسلام في المجتمع والسلطة، وبين عامّة المسلمين؟


مجرّد "تعبير إعلامي"؟
لا نستطيع وصف هذا التعبير بأنّه مصطلح، وإذا صنعنا ذلك تجاوزا فلا نستطيع أن نجد له معالم محدّدة تبيّن المقصود منه بصورة قاطعة، تسمح باستخدامه بحيث يفهم القارئ ما يريده الكاتب، دون الحاجة إلى بيان مقصوده من خلال عبارات إضافية. على النقيض من ذلك نجد كلمة "المواطنة" مثلا، أو "حقوق الإنسان"، أو "سيادة الدولة" قد ارتقت إلى مستوى "مصطلحات" نستطيع بصددها العودة إلى نصوص مواثيق دولية متفق عليها عموما، وإلى دراسات جامعية منهجية، ولا يضعف من شأنها وجود خلافات ناشئة عن مدى الالتزام أو عدم الالتزام بتلك المضامين المحدّدة في عالم التطبيق العملي لما ينبني على تلك المصطلحات من تبعات. 
أمّا تعبير "الإسلام السياسي" فقد يستخدمه الباحثون، ولكن كلّ من وجهة نظره، وعلى حسب اقتناعاته الذاتية، ويستخدمه الإعلاميون تارة للتعبير عن "واقع قائم" كما يراه كل منهم، وأخرى للتعبير عن رأي قد يكون مقبولا أو غير مقبول، بل كثيرا ما بات التعبير يُستخدم في صيغة توجيه "الاتهام" لفئات معينة من التنظيمات الإسلامية، وأحيانا لها جميعا دون تمييز.
من المنطلق الإسلامي يسهل القول - رغم تعدّد المذاهب والمدارس الفقهية والفكرية - إنّ الإسلام واحد من حيث مبادئه ونصوصه الأساسية وتشريعاته الثابتة في النصوص القرآنية والنبوية، فلا يوجد شيء اسمه إسلام سياسي وآخر غير سياسي، وإسلام اجتماعي وآخر خيري وثالث اقتصادي وهكذا.. إنّما يوجد الإسلام الذي يشمل من حيث مبادئه ونصوصه الأساسية وتشريعاته الكبرى سائر الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية وسواها. وهو الإسلام الذي تقول التنظيمات الإسلامية إنّها تدعو إليه، وإن ركّز بعضها على جانب دون آخر، وإنّما نشأت تلك التنظيمات في القرن الميلادي العشرين مقابل انحسار تطبيق الإسلام - وليس غياب وجوده أصلا - على صعيد الدولة، وبالتالي تغييب جوانب معيّنة منه، ومنها الجانب السياسي، عن التطبيقات العملية.
هذا ممّا يفسّر أنّ تلك التنظيمات، بما فيها تلك التي ركّزت على الجانب السياسي، لم تجد حاجة إلى استخدام تعبير "الإسلام السياسي" لبيان أهدافها، إنّما انطلق استخدامه حديثا نسبيا، ويصعب القول هل كانت البداية في الإعلام الغربي أم العربي، ولكن من الواضح لمن يتابع الكتابات التي تستخدم هذا التعبير أمران، أوّلهما أنّه يُستخدم من منطلق سلبي.. ناقد.. رافض.. وحتى منطلق الاتهام الذي يريد إيجاد صلة ما، بين التعبير وبين تعابير أخرى سبق انتشارها بصورة مشابهة، مثل "الأصولية الإسلامية" و"الإرهاب الإسلامي".
والأمر الثاني هو أنّ انتشار هذا التعبير اقترن بظاهرة لا تلفت النظر لأوّل وهلة، ولكنّ المتابعة الدقيقة لوسائل الإعلام، في الغرب، ووسائل إعلام عربية اعتادت تبنّي معظم ما ينتشر في الغرب على هذا الصعيد، تكشف عن أنّ التمييز في فترة سابقة بين تعابير من قبيل: الإسلاميون المعتدلون والإسلاميون المتطرفون وما شابه ذلك، قد توارى تدريجيا، فكلمة "إسلامي" باتت وحدها الأكثر استخداما لوصف سائر التنظيمات الإسلامية، جنبا إلى جنب مع ربطها - سلبيا - بتعبير "الإسلام السياسي". 
ويمكن المضيّ خطوة أخرى للقول إنّ الحملة التي بدأت قديما تحت عنوان مكافحة "الأصولية الإسلامية" ووصلت لاحقا إلى "مكافحة الإرهاب الإسلامي"، بلغت بعد تفجيرات نيويورك وواشنطون مرحلة جديدة، أصبحت فيها سائر التنظيمات وحتى "الاتجاهات" الفكرية الإسلامية و"الأعمال الخيرية" الإسلامية مستهدفة، بحجة "تجفيف منابع الإرهاب" تارة، وبحجّة "نشر الديمقراطية" تارة أخرى.

 
الحوار.. مع من؟
في إطار هذه المعطيات يطرح السؤال نفسه عن موقع هذه التوجّهات السياسية والإعلامية من الدعوات المتواصلة تحت عنوان الحوار بين الإسلام والغرب. إذ لا يخفى على أصحاب هذه الدعوات من الجانبين، أنّ الحوار لا يتحقق مفعوله دون أن يجري بين طرفين، وأنّ المغزى من الحاجة إليه وجود اختلافات في الرؤى والأفكار بينهما، ووجود التنظيمات الإسلامية في البلدان الإسلامية عموما، وفي البلدان العربية على وجه التخصيص، جنبا إلى جنب مع ظاهرة التديّن الواسعة النطاق، يمثل الطرف الذي يختلف في كثير من رؤاه وأفكاره - وليس فيها جميعا - عن الرؤى والأفكار الغربية، بينما كانت الأنظمة القائمة والتيارات المرتبطة بها، هي الأقرب إلى الغرب.. دون "حوار" ودون الحاجة إلى حوار بالمعنى المنطقي للكلمة. 
والحجّة القائلة إنّ انتشار التطرّف والإرهاب تحت عناوين إسلامية تمنع من الحوار مع تلك التنظيمات حجّة ضعيفة، يردّ الواقع الغربي عليها، ليس فقط من حيث وجود التطرّف والإرهاب فيه ابتداء فحسب، بل كذلك من خلال حقيقة أنّ الحوار لم ينقطع بين الفكر السياسي وغير السياسي المستقرّ في المجتمع، وبين التنظيمات القريبة أو المتّهمة بأنّها قريبة من تنظيمات المتطرّفين والإرهابيين، وليس مثال إيرلندا الشمالية مجهولا على هذا الصعيد. 
كما يردّ على هذه الحجة واقع التنظيمات الإسلامية في البلدان العربية والإسلامية، والتي سجّلت في الحقبة الماضية استعدادا كبيرا ومتنامية للحوار مع الآخر، داخل الحدود، وباتجاه الغرب أيضا، ولا تنقطع المواقف التي كانت وما تزال تمثل الاتجاه "الوسطي" وفق المصطلحات الإسلامية، أو "المعتدل" وفق المصطلحات المتداولة عموما.
إنّ الحوار بين الإسلام والغرب، يتطلّب صيغة كتلك التي وجدت طريقها إلى التطبيق على صعيد التعامل مع اتجاهات موجودة في السلطة، كما هو الحال مع الصين أو إيران، فهو لا يمنع النقد المتبادل، ولكنّ النقد أيضا لا يقطع الحوار نفسه. 
وإذا كانت لغة المصالح المادية هي التي لعبت دورا حاسما في استمرارية الحوار مع الصين وإيران وغيرهما على امتداد عشرات السنين، فمن المفروض أن تلعب القوى الغربية على وجه التخصيص دورا إيجابيا في ترسيخ الدعوة إلى الحوار مع ما تسمّيه "الإسلام السياسي" ومع التنظيمات التي تمثله، داخل حدود البلدان العربية والإسلامية، وعبر الحدود مع الغرب. فالمصالح المادية لا تتحدّد وفق أوضاع آنية فحسب، وتنامي ظاهرة ما يسمّى "الإسلام السياسي" تنظيميا كما تشهد الانتخابات حيث تسمح الأنظمة بإجرائها، جنبا إلى جنب مع تنامي ظاهرة "التديّن" شعبيا، يؤكّد أنّ مستقبل المصالح المادية مع العالم العربي والإسلامي مرتبط ارتباطا وثيقا بمفعول هاتين الظاهرتين في إطار صناعة مستقبل المنطقة. 

نبيل شبيب

 

(نُشر هذا المقال بالعربية، وتُرجم ونشر بالألمانية، في موقع "قنطرة" المتعدد اللغات، الأقرب من حيث الجهات القائمة عليه إلى أن يكون موقعا شبه رسمي في ألمانيا)

(1) حاشية أضيفت يوم 19 / 11 / 2013م:

من أفضل ما ورد في متابعة نشأة التعبير وكأنه مصطلح، ما ورد في مقال بقلم د. عبد الحكيم سليمان وادي يوم 12/ 7 / 2013م بعنوان: تعريف مفهوم الإسلام السياسي وجاء فيه:

[ يعتبر مصطلح الإسلام الأصولي) بالإنجليزية: (Islamic Fundamentalism من أول المصطلحات التي تم استعمالها لوصف ما يسمى اليوم "إسلام سياسي" حيث عقد في سبتمبرعام 1994م مؤتمر عالمي في واشنطن في الولايات المتحدة باسم " خطر الإسلام الأصولي على شمال أفريقيا" وكان المؤتمر عن السودان وما وصفه المؤتمر بمحاولة إيران نشر "الثورة الإسلامية" إلى أفريقيا عن طريق السودان (1) بعد ذلك تدريجياً وفي التسعينيات وفي خضم الأحداث الداخلية في الجزائر تم استبدال هذا المصطلح بمصطلح "الإسلاميون المتطرفون" واستقرت التسمية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 على الإسلام السياسي ] - نقلا عن موقع دنيا الوطن - https://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2013/07/12/299806.html

 

 

اقرأ أيضاً

الجميع بعد النبيّ صلى الله عليه وسلّم، يؤخذ منه ويترك ويشمل ذلك كافة التنظيمات

الانتخابات تجري بين "اجتهادات".. فما الذي يمكن القبول به كمرجعية إن لم تكن إرادة شعبية تختار أحد تلك الاجتهادات


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق