شذرات

 

لن نميز في أي ميدان من الميادين بين إنسان وإنسان وإلا نصير كمن يميزون بين حقوقنا ودمائنا على خلفية عقدية أو مصلحية مادية

 

بدأ خنق مسار الثورة منذ وجد من يشتري وعودا باطلة تتقلص تباعا ويدفع تنازلاتٍ تتفاقم عن حقوق لا يملكها.. وكانت تسمية ذلك "فن التفاوض"

 

يتزعزع الهدف المشروع من التفاوض وتتسارع عجلة التراجع مع تحويل شروط مشروعة مسبقة إلى مطالب للتفاوض

 

الفروق كبيرة بين صناعة الواقع والتسليم، وإرادة الشعب والمراوغة، والمصلحة المتبادلة والخضوع، فكيف اختلطت عند بعضنا تحت عنوان سياسة

 

دون الرؤية والتخطيط والعمل بين يدي الأحداث المأساوية الجارية، تضيع قيمة التذكير بوعد من قبيل سواري كسرى أثناء الهجرة في الرمضاء

 

لا ينتهي الاستبداد بزواله بل باستئصال جذوره فكرا وواقعا من العلاقات والثقافات اليومية في كل مكان وميدان 

 

كل إكراه استبداد مرفوض.. فلا إكراه للناس على سلطة تزعم لنفسها توجها مرجعيا إسلاميا.. أو توجها مرجعيا علمانيا

 

ليس الإسلاميون المصدر الصحيح لتعليم النهج العلماني للعلمانيين، وليس العلمانيون المصدر الصحيح لتعليم النهج الإسلامي للإسلاميين ، أليس كذلك؟


إلى طالبي الاشتراك في النشرة الدورية

أشكر طلباتكم وثقتكم، ولا بد قبل تلبيتها من استكمال برمجة تجديد مداد القلم وحسب الوعد من جانب المبرمج سيتحقق ذلك قريبا إن شاء الله
الحاجة إلى منهج إسلامي جديد في التعامل مع حقوق الإنسان وحرياته

رؤية - كيف نفهم حقوق الإنسان؟

واقع حقوق الإنسان والحريات في البلدان الإسلامية هو أحد إفرازات الانحراف عن الحضارة الإسلامية الإنسانية ومنظومة قيمها

يمرّ في العاشر من كانون أول/ ديسمبر من كل عام ميلادي ما يسمّى "اليوم العالمي لحقوق الإنسان"، وقد أعلن هذا التقليد العالمي بمناسبة إصدار هيئة الأمم المتحدة "الميثاق العالمي لحقوق الإنسان" عام 1948م، وهو الميثاق الذي صادقت عليه بالتدريج معظم دول العالم، واختير ليكون يوم توزيع جوائز نوبل، وأصبح يوما تُلقى فيه الكلمات، وتنشر المقالات والتحقيقات، وينظّم بعض الاحتفالات، في معظم دول العالم، باستثناء القليل منها، الذي رفض الميثاق لعدم قبوله بمعظم ما فيه، أو لتجاهله، أو لبقاء بعض الحياء لدى مسؤولين يمنعهم من الحديث المستفيض عن حقوق الإنسان أنّهم يمارسون خرقها العلني الفاضح يوميا على كل صعيد.


  الموقف الدفاعي - القيمة النوعية للمنطلقات والأسس - الفوارق التطبيقية - المنهج المطلوب  

 

الموقف الدفاعي
من سنن التاريخ أنّ جانبا أساسيا من جوانب الحضارة البشرية يجد تلقائيا الربط بالدائرة الحضارية الأكثر هيمنة على الواقع العالمي، وهذا ما جعل الذين يتحدّثون عن حقوق الإنسان، وإن تباينت منطلقاتهم، يربطون هذا الجانب الأساسي منها على النسق الذي صنعته الحضارة الغربية المهيمنة عالميا في الحقبة التاريخية المعاصرة، فأوّل ما يذكرونه مصدرا للتصوّرات الحالية عن حقوق الإنسان، هو مبادئ الثورة الفرنسية ووثيقة الاستقلال الأمريكية.
ومن سنن التاريخ أنّ الأمّة المتخلّفة حضاريا، كما هو واقع الأمة الإسلامية في هذه الحقبة من تاريخها، تسعى في مرحلة النهوض إلى ربط بعض الجوانب الأساسية للوجود الحضاري البشري بمعتقداتها وتصوّراتها، وهذا ما دفع كثيرا من أصحاب الغيرة الإسلامية، العاملين على النهوض بهذه الأمة حضاريا، إلى اتخاذ موقف "دفاعي" يجادلون فيه في الدرجة الأولى حول نقطة أساسية، وهي أنّ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية إنّما بدأ إقرارها بالإسلام ودعوته وانتشاره في الأرض.هل هذه هي المشكلة فعلا؟..
إن كل حضارة من الحضارات البشرية المتعاقبة كانت تأخذ وتترك من الحضارات السابقة، والإسلام الذي صنع الحضارة الإسلامية أخذ في المجال الإنساني والأخلاقي والاجتماعي منذ الوحي بعض ما كان سائدا من قبل ويتفق مع ما نزل به الوحي، فارتقى به ليكون جزءا من شبكة المنظومة الحضارية الإسلامية نفسها.
ويمكن القول إنّ الحضارة الغربية هي الوحيدة التي سلكت مسلكا أنانيا احتكاريا، فمن جهة أخذت بعض ما وجدته في الحضارة الإسلامية في ميادين المبادئ والحقوق والحريات وغيرها، وفي ميادين العلم والتقنية، فربطته بموروث قديم، إغريقي وروماني ومسيحي ويهودي، وحاولت أن تخفي لعدّة قرون المصدر الإسلامي الذي نقلت عنه، ومن جهة أخرى تسعى –لا سيما في ميدان العلوم والتقنية- لممارسة احتكار يمنع وصول منجزاتها إلى الدوائر الحضارية الأخرى، وتعمل بدلا من ذلك لتوظيف تلك المنجزات للهيمنة عليها. 
 
القيمة النوعية للمنطلقات والأسس
على صعيد حقوق الإنسان بالذات لا تكمن المشكلة في بيان أنّ مصدرها الأول من الناحية التاريخية كان الحضارة الإسلامية، فإنكار ذلك لا يبدّل الواقع التاريخي، وقد بدأت حديثا تظهر في الغرب كتابات تلتزم بالاعتراف بهذا الواقع التاريخي، إنّما الأهمّ من ذلك هو استيعاب "الصيغة" التي أصبحت عليها مفاهيم حقوق الإنسان بمفعول الحضارة الغربية.
إنّ الاختلاف بين النظرة الإسلامية والنظرة الغربية إلى حقوق الإنسان وحريته يكمن في الدرجة الأولى في نوعية المنطلقات والأسس التي تقوم عليها هذه النظرة، ويمكن تحديد مثالين رئيسيين على ذلك:
في ميدان العقيدة.. 
العقيدة في الإسلام هي التي تجعل الالتزام بحقوق الإنسان وحرياته التزاما صادرا عن الرقابة الذاتية للفرد، الذي يعمل الإسلام على تربيته بأن يكون حريصا على حقوق غيره، أكثر ممّا يكون حريصا على حقوقه الذاتية،أسرويا ما بين الأجيال، وعلى مستوى الحي، تجاه الجار، وعلى مستوى المجتمع، في مسؤولية الراعي عن رعيته على سائر المستويات وفي مختلف الميادين. 
بالمقابل نجد مفهوم الحقوق والحريات في المنظومة الحضارية الغربية، قائما على "آلية الصراع" فالحقوق والحريات تُنتزع انتزاعا، وهو ما يرتبط ارتباطا مباشرا بمرجعية حقوق الإنسان الغربية المرتبطة بما أسفرت عنه "الثورة" الفرنسية في حقبة عنف دموي، و"حرب الاستقلال" الأمريكية في حقبة عنف دموي أيضا، وهذا ما انعكس تاريخيا في طرح قضايا الرقيق وتحريرهم، والعمال وحقوقهم، والمرأة وتحريرها، فجميع ذلك يجري على أساس الصراع من أجل انتزاع هذه الحقوق، في مسلسل لا ينقطع، وإن تبدّلت صوره، فأصبحت في الوقت الحاضر مثلا على شكل "جولات الأجور بين العمال وأصحاب العمل"، أو في "الحركة النسوية". 
هنا يكمن الخلل الأكبر في واقع الحريات والحقوق في الغرب، فالفئة التي تملك القوّة المؤثّرة على صناعة القرار، هي الفئة التي تستطيع تحصيل حقوقها، وما دام الفقراء، والعمال، والنساء، وسواهم، من الفئات الأضعف في المجتمع، فهم لا يحصلون على حقوقهم إلا جزئيا، وإذا ما تبدّلت معايير القوّة، كما هو الحال في دورات الركود والازدهار الاقتصادي، فإنّ الطرف الخاسر هو الطرف الأضعف دوما، ممّا يجعل مسألة انتشار البطالة والفقر في المجتمعات الغربية جزءا من منظومة "الحقوق والحريات" فيها، أو جزءا من انتهاك تطبيقيّ لما يقال نظريا في إطار هذه المنظومة.
في ميدان القيم.. 
ليس مجهولا أنّ الإسلام ينطلق من تكريم الإنسان من حيث أنّه إنسان ابتداء، وتقوم منظومته في ميدان حقوق الإنسان وحرياته على هذا الأساس، ولم يجد شبيهُ ذلك طريقه إلى واقع الحضارة الغربية حتى اليوم، تحت تأثير النشأة العنصرية الأولى إلى درجة تسميتها بحضارة الإنسان الأبيض، وتحت تأثير النشأة الطبقية منذ العهود الأرستقراطية وسيطرة الكنيسة والإقطاع، وحتى العهود الراهنة للرأسمالية وما انبثق عنها لحين من الزمن باسم صراع الطبقات في ظلّ الحركة الشيوعية.
 
الفوارق التطبيقية 
المقارنات التي تعقد بين واقع حقوق الإنسان وحرياته في الغرب وواقعها في البلدان الإسلامية تقوم في مجملها على خلل رئيسي، إذ تجري ما بين أوضاع غربية لا يوجد تناقض بينها من الناحية التنظيمية في ميادين الحياة والحكم وبين المنطلقات والأسس الحضارية التي تقوم عليها، بغض النظر عن إيجابياتها وسلبياتها، وبين أوضاع قائمة في البلدان الإسلامية قامت إجمالا بعد تقويض دعائم المناهج والنظم المنبثقة عن الحضارة الإسلامية وفرضها اعتمادا على عنصري القوّة من جهة والتغريب من جهة أخرى، فلا يمكن القول إنّ واقع حقوق الإنسان والحريات القائم حاليا يمثّل الصورة الحضارية الإسلامية مقابل الصورة الحضارية الغربية، إنّما هو أحد إفرازات الانحراف عن الحضارة الإسلامية.
لا نملك للمقارنة النزيهة المتوازنة -منطقيا- إلا النظر في الصيغة التطبيقية "المحتملة الممكنة" في ظل معطيات منظومة حضارية إسلامية مقابل الصيغة "التطبيقية الواقعية" في ظل المنظومة الحضارية الغربية. 
هنا نجد أنّ اختلاف المنطلقات والأسس هو الذي يحدّد الاختلاف المحتمل على الصعيد التطبيقي. ومنظومة حقوق الإنسان وحرياته في الإسلام وحضارته جزء لا يمكن فصله عن الجوانب الأخرى من منظومة ما رسّخ من مفاهيم وتصوّرات، وعلى وجه التحديد، جانب الوازع الداخلي، ومراقبة النفس، وكلاهما جزء راسخ في التربية الإسلامية القائمة على العقيدة والأخلاق والقيم، وهو ما لا يعوّض عن الجانب التقنيني والنظام القضائي والمنفعة المادية، التي باتت هي العناصر الرئيسية التي يعوّل عليها المنهج الغربي التطبيقي لما يقرّره على صعيد الحقوق والحريات. ولكن في الوقت الذي يعزّز فيه الإسلامُ التربية التي تكوّن الفرد لتخفيف نسبة انتهاك الحقوق والحريات إلى حدّ أدنى، ثم يقرّر الجوانب التقنينية والقضائية والمادية للتحرّك فيما لا تكفي معه عوامل التربية الفردية والاجتماعية، نجد أنّ هذه العوامل التربيوية التي لا ينقطع الحديث عنها في الغرب، لا ترقى إلى مستوى اعتبارها جزءا مباشرا من العمل على ضمان الحقوق والحريات.
إنّ الفوارق الحقيقية والأهم على صعيد الحقوق والحريات من الخلافات التاريخية، هي تلك الكامنة على الصعيد التطبيقي، ومن هنا فإنّ تغييب المرجعية الإسلامية إلى حدّ كبير عن صناعة القرار في غالبية ميادين الحياة والحكم في البلدان الإسلامية، جعلت كثيرا من الأطراف فيها ينطلقون من موقع ضعيف على أرض الواقع الراهن، ويتخذون صيغة "الدفاع" في مواقفهم في الدرجة الأولى. 
 
المنهج المطلوب
على أنّ العامل الأخطر في التأثير على المواقف الصادرة عن منطلقات إسلامية في قضايا حقوق الإنسان وحرياته، يعود إلى حقيقة ما يعايشه الجيل المعاصر من المسلمين، من انتهاكات لا تنقطع لهذه الحقوق والحريات، وضحاياها من المسلمين في الدرجة الأولى، بأبشع الصور وأكثرها انتشارا، دون أن تجد نصرة فعّالة على المستوى الدولي، أو داخل الدول الإسلامية نفسها، وهذا مقابل حملات دولية يشارك فيها بعض الجهات من البلدان الإسلامية، لنصرة من تُنتهك حقوقهم على المستوى العالمي، بصورة -لا يُستهان بها أيضا- ولكن قد لا تصل إلا نادرا إلى ما يجري في الأرض الإسلامية، كما في فلسطين وأفغانستان والعراق والشاشان والصومال وسواها.
إنّ المرارة في الجيل الجديد المعاصر بدأت تتحوّل إلى نقمة عارمة، وتسبّب ولادة ظواهر شاذة عن الطريق الإسلامي القويم، بل بات الدعاة إلى وسطية الإسلام في تعامله مع الجنس البشري دون تمييز، وحرصه على مواجهة العدوان الذي يواجهه "جنس الإنسان" إلى درجة تشريعه الجهاد لمنع الفتنة في الدين، وتأكيده رفضَ أن يكون "شنآن" قوم مبررا لتجنّب العدل والقسط في التعامل معهم.. باتوا يواجهون صعوبات متزايدة، في الدعوة إلى الحرص على ألاّ يتحوّل الإحساس بالنقمة إلى تيار عدائي، لا سيّما وأنّ جنس الإنسان يعاني من غلبة مفعول المادّة على القيم داخل البلدان التي تزعم لنفسها وضع حقوق الإنسان وحرياته في الصدارة بين "القيم" التي تنادي بها، فالحاجة إلى عدالة الإسلام وسماحته وتكريمه للبشر باتت ماسّة في العالم عموما، وليس في البلدان الإسلامية وحدها.
ويتطلّب ما سبق أن يأخذ طرح قضية الإنسان وحقوق الإنسان من المنطلق الإسلامي أبعادا جديدة، وأن يقوم على منهج في مقدّمة عناصره الأساسية:
1- حقوق الإنسان وحرياته جزء من التراث الحضاري البشري وليست حكرا على منظومة حضارية دون أخرى.
2- المنهج الإسلامي قائم على "أصالة" هذه الحقوق مع ولادة الإنسان الفرد، وليس على "انتزاعها" وبالتالي العجز عن بلوغها نتيجة الخلل في موازين القوّة داخل المجتمع الواحد أو على مستوى المجتمع البشري. 
3- المنظومة الإسلامية للحقوق والحريات هي المنظومة الأجدر وفق الأسس التي تقوم عليها بوضعها في الصدارة في دعوة البشرية إلى الانطلاق منها والعمل على تطبيقها.
4- البلدان الإسلامية مطالبة بانتزاع نفسها من مفعول التغريب الذي قضى على الحريات والحقوق فيها كما قضى على مقوّمات وجودها في ميادين أخرى عديدة.
5- الجماعات والمؤسسات ومعاهد الفكر والأدب ووسائل الإعلام الإسلامية مطالبة قبل سواها بوضع قضية حقوق الإنسان وحرياته في الصدارة انطلاقا من الإسلام نفسه، وليس تقليدا لأي جهة أجنبية، وإلى جانب القضايا المصيرية الأخرى، وفي مقدّمتها إنهاء مختلف أشكال الاستبداد المحلي والدولي، مع العمل على إيجاد الصور التطبيقية العملية للتعامل معها، حيثما أمكن ذلك، لتكون نماذج حيّة لما يمكن أن ينشأ في ظل عودة الإسلام إلى مكانته الطبيعية في المجتمع الإسلامي وإلى مركز الريادة في حياة البشرية.

نبيل شبيب

 

تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق