أمانة الكلمة

 

سيبقى نبض كلماتنا أجوف فارغا في مسامع الضحايا ما لم يقترن بفكر ورؤية وعمل وتعاون 

 

لكلمة الحق درجات.. أدناها التواصي بالحق والصبر وأعلاها مرتبة سيد الشهداء

 

الجهر بالحق واجب كفائي فهل ننجو من الإثم إن بقي الأداء دون حدّ الكفاية؟

 

ما أكثر من يعرف كلمة الحق وما أقل من يعرف ثمنها ويجهر بها

 

قد يرقى جزاء كلمة الحق في وجه سلطان جائر إلى مرتبة سيد الشهداء

 

لا يرتفع صوت متبجحا بالباطل إلا عندما يغيب الجهر بكلمة الحق

 

أغمض عينيك واطوِ مسافة الخلاف بيننا وستسمع ما أقول وإن لم تقرأه مكتوبا

 

استخدام كلمة "رئيس" في وصف رئيس عصابة لا يجعله رئيس دولة


الاستبداد يغيّب السلام الديني الطائفي في المجتمع السوري

دراسة - الخلفية الطائفية للسلطة الأسدية

الممارسات الطائفية في قفص الاستبداد هي التي أوجدت خلفية طائفية للوضع السياسي السوري

 

النص الكامل للتحميل بصيغة (pdf)

 

أعد هذا البحث بعنوان (الخلفية الدينية والطائفية للوضع السياسي في سورية) أواخر عام ٢٠٠٢م بطلب من مركز الدراسات التابع لمؤسسة الجزيرة، ونشر يوم ٢٥/ ٢/ ٢٠٠٣م، ويتم نشره في مداد القلم الآن بعد أن أصبحت الثورة الشعبية في سورية شاهدا كيف وظف نظام استبدادي عبر سياساته الإجرامية خلفيته الطائفية توظيفا خطيرا على الوطن وأهله جميعا دون تمييز.

 

ويضم البحث الفصول التالية:

تمهيد / نظرة موجزة في التركيبة السكانية / الطائفة العلوية / العلويون على الخارطة الحزبية والسياسية في سورية / بذور الصدام مع التيار الإسلامي/ الصدام المأساوي ١٩٧٩-١٩٨٢م / مؤشرات مستقبلية.  

 

- - - - - - -

نص الدراسة

 

ربما لا يكون الوقت الحاضر (إضافة: أثناء التمهيد للغزو الأمريكي للعراق) الذي يشهد الهجمة الأمريكية الشرسة على المنطقة العربية والإسلامية هو الوقت الأنسب للنظر في القضايا الداخلية في بلادنا العربية والإسلامية، وهذا أوّل ما تردّد عند كاتب هذه السطور عندما طلبت شبكة الجزيرة منه الموضوع التالي، في إطار (ملف عن الأوضاع الداخلية في سورية)، رافق نشره إجراء انتخابات جديدة لمجلس الشعب السوري في مطلع آذار/ مارس 2003م. ولكن هل توقفت الأخطار الخارجية أو يُنتظر أن تتوقف في المستقبل المنظور؟ أليس من أسباب ازدياد العجز في المنطقة العربية عن مواجهة تلك الأخطار ناهيك عن صدّها، أنّ الأوضاع الداخلية القطرية في معظم بلادنا العربية والإسلامية تحتاج إلى إصلاحات جذرية؟ وهل يمكن تحقيق الإصلاح دون رؤية الواقع التاريخي والراهن كما هو؟ هذا الموضوع يريد أن يساهم في ذلك، ولا ينبغي النظر فيه إلا على ضوء التمهيد التالي الوارد في مطلعه.

 

تمهيد

عند الحديث عن جانب واحد من جوانب "القضية السورية" تحت العنوان أعلاه في إطار ملفّ كبير أو كتاب، لا بدّ من التنويه بعدد من المنطلقات الأساسية لهذا الحديث:

أولا: ليست القضية السورية قضية "نزاع طائفي"، إنّما يعتبر موضوع "الطائفية" إحدى خلفيّاتها، وهي في جوهرها قضية استبداد جهات تهيمن على السلطة وتحتكرها، وتنتهك الحقوق والحريات ومعها القيم والأعراف الإنسانية والمواثيق الدولية، وكون غالبية هذه الجهات من طائفة العلويين، يوجب التوضيح أنّ الاستبداد بحدّ ذاته هو المرفوض، وأنّ احتكار السلطة هو المرفوض، وأنّ الانتهاكات هي المرفوضة، سيّان من يمارس ذلك أو بعضه، في أي بلد وأي وقت، وبأي شكل أو حجّة.

ثانيا: جوهر قضيّة الاستبداد هو انتهاك حقوق الإنسان، فردا أو فئة سكانية، وسواء كانت تلك الفئة تمثّل بعض الأقليات أو الأكثرية. ومهما اختلفت الرؤى والمنطلقات والتصوّرات حول تفاصيل حقوق الإنسان الثابتة وحرياته الأساسية، تبقى الحصيلة متطابقة في كليّاتها الرئيسية، وفي شمولها لحرية المعتقد الديني، والاتجاه السياسي، والكلمة والتعبير، وحقوق المواطنة والحياة الكريمة، مع ما يتطلّبه ذلك كلّه من ضمانات وآليّات عملية، كفيلة بأن تجعل السلطة الحاكمة تمثّل إرادة السكان في مختلف الظروف، مع رفض "الظروف الاستثنائية" ذريعة لغير ذلك.

ثالثا: لا يتحقق هدف التخلّص من الاستبداد بالتعامل معه من جانب دون آخر، ومع أوضاع فئة دون فئة، وفي إطار ميدان دون ميدان، إنّما يزول الاستبداد عندما يتوفّر وضعٌ تكون فيه المرجعية التشريعية للجميع ولسائر المجالات صادرة عن إرادة السكان، ويكون التعبير عنها عبر تثبيت نصوص دستورية وقانونية ملزمة، وشريطة غياب الاستثناءات المتناقضة معها مثل (1) حالة الطوارئ دون مبرّر حقيقي (أي منطقي تشريعيا ومعتبر دستوريا ومحدّد زمنيا ومنضبط تنفيذيا)، أو مثل (2) انفراد أي حزب أو مجموعة أحزاب بالهيمنة على السلطة، أو مثل (3) استئصال تيارات وأفكار أخرى أو حصارها.. هذا علاوة على حتمية فصل السلطات فصلا كفيلا بتحقيق سيادة القضاء واستقلاليته ونزاهته، وبمحاسبة السلطة التنفيذية من جانب السلطة التشريعية، وتقنين التعدّدية القائمة على تكافؤ الفرص والحقوق والواجبات في إطار المرجعية التي تقرّرها إرادة السكان، ومع ضمان عمليات التصويت بأساليب معتمدة في الإعداد لها وإجرائها واستخلاص نتائجها.

رابعا: الحديث عن طائفة بعينها -كما هو مطلوب في هذا القسم من البحث- لا يعني التركيز عليها دون سواها، ولا ينفي ضرورة الحديث عن غيرها، وإن كان ممّا يفرض الحديث عنها وجودها هي في السلطة وجودا مهيمنا وعلى مدى حياة جيل كامل من تاريخ سورية الحديث. كما أنّ شمول الحديث بالضرورة لمواقف علماء الإسلام من أطروحات الطائفية وممارستها التاريخية والراهنة، لا يعني الخوض في أسلوب التكفير أو التبرئة من التكفير، فللتكفير في الإسلام أحكامه الثابتة الملزمة، وعلماؤه وشروطه الموضوعية، ويحتاج قطعا إلى توافر ظروف أخرى غير الظروف المعاصرة المتميزة بتغييب سيادة المرجعية الإسلامية واستقلالها، وبإقصائها عن الحكم وكثير من جوانب الحياة. كذلك فالحديث عن ممارسات الطائفة السياسية، لا يعني المضيّ في أسلوب "إدانتها" بالخيانة أو الإجرام أو ما شابه ذلك، فهذا -وإن انتشر في الكتابات الصحفية والفكرية- قد يصل إلى مستوى تهمة لها مبرراتها، ولا يمكن أن يصل إلى مستوى إدانة ثابتة لأي جهة من الجهات، دون الرجوع إلى القضاء، ومع اشتراط توافر ما يكفل ضمان سيادته واستقلاليته وعدالته ونزاهته والتزامه بالمرجعية المنبثقة عن إرادة السكان.

خامسا: كلّ بحث يتناول قضية شائكة معاصرة كموضوع الخلفية الدينية والطائفية للوضع السياسي في سورية، يجب -في نظر كاتب هذه السطور- أن يستهدف إصلاح الأوضاع لا تدميرها، والإسهام في بيان سبيل الإصلاح عبر كشف مواطن الخطأ ومكامن أسباب الصراع لا تأجيجه، لا سيّما وأنّ تركيز الحديث في جزء من بحث أو جزء من "ملفّ" على هذا الجانب من جوانب "القضية السورية" هو نوع من التقسيم تفرضه دراسة الأوضاع، أمّا التعامل معها، فيجب أن ينطلق من نظرة شاملة لمختلف الجوانب، الدينية وسواها، وآثارها الداخلية والإقليمية والدولية.

سادسا: ولا تكتمل هذه المنطلقات للحديث دون التنويه بأنّ كاتب هذه السطور حريص على تأكيد انطلاقه من الإسلام كما أنزله الله تعالى، ويقينه بأنّه هو الكفيل ، تصوّرا ومنهاجا، بتحقيق الأهداف المرجوة، وفي مقدّمتها:

  • حكم عادل تشمل عدالته الأكثرية والأقليات ويضمن للجميع الحقوق الأساسية والحريات الأصيلة
  • التعددية في ظلّ مرجعية مشتركة، مع الاعتقاد بأنّ الإرادة الشعبية الحرة من القيود والضغوط والتزييف، لا ريب أنّها تختار المرجعية الإسلامية، وهي المرجعية التي توفّر لأصحاب التصوّرات الأخرى من الحقوق والواجبات، ما لا توفّره مرجعية أخرى، لا سيما العلمانية بمختلف أشكال تطبيقها، القويمة والمنحرفة، ليس تجاه أصحاب المنطلق الإسلامي فحسب، بل حتى تجاه أصحاب المناهج الأخرى في نطاق العلمانية نفسها.
  • توفير القدرة على التعامل مع المعطيات المحلية والإقليمية والدولية والتغييرات الكبرى الجارية في عالمنا المعاصر، اعتمادا على الإنسان الفرد، وعلى تكامل الطاقات الذاتية، لا سيما في مواجهة الحملة التي انطلقت في أواخر الألفية الميلادية الثانية، وجعلت رأس حربتها موجّهة إلى المنطقة الإسلامية بمجموعها، وبمختلف التيارات والتوجهات والانتماءات الدينية وغير الدينية فيها.

 

نظرة موجزة في التركيبة السكانية

لأسباب عديدة، موضوعية ومفتعلة، لا نجد مصادر موثوقة ومعتمدة تحدّد بشكل واضح خارطة التركيبة السكانية في سورية.

من ناحية الأجناس تنوّه كتب مدرسية وعامّة، بوجود عرب وأكراد، وشركس، وأرمن وغيرهم.. ومن ناحية الأديان والطوائف تنوّه بوجود مسلمين سنّة، وشيعة، ومسيحيين، ودروز، وعلوّيين، وأقليّة يهودية. ولكن لا يتجاوز ذكر ذلك –إذا ذُكر- حدود التقديرات التي قد تكون قريبة من الصواب، إنّما لا يمكن الجزم بصحّتها بصورة منهجية. ولا يقتصر هذا على المصادر العربية، فالأرقام -المختلفة- في المصادر الغربية توصل إلى النتيجة نفسها.

ويُلاحظ أنّ سورية كانت الاسم الذي يُطلق أيضا على ما يعرف إلى اليوم ببلاد الشام، ويشمل سورية ولبنان والأردن وفلسطين وفق الحدود التي "ابتكرتها" اتفاقية سايكس بيكو الفرنسية-الإنجليزية الاستعمارية في مطلع القرن الميلادي العشرين. وهنا يمكن تعليل تعدّد الأجناس والطوائف والأديان في سورية بأنّها كانت من أكثر المناطق حيويّة في التاريخ القديم، وهي من أقدم الأراضي التي تمّ اكتشاف آثار الإنسان فيها من عصور ما قبل التأريخ، كما في منطقة "سرير نهر الكبير الشمالي" قبل زهاء مليون عام وفق ما يقول علماء الآثار. ويختلف المؤرّخون ما إذا كانت دمشق أم أريحا هي المدينة الأقدم في العالم -8 آلاف سنة على الأقل- ولا يختلفون حول ميلاد الكتابة في سورية، كما تثبت آثار أوغاريت قرب اللاذقية، ولا يزال يوجد في معلولا قرب دمشق من يتكلّم الآرامية التي تحدّث بها المسيح عليه السلام، كما كانت سورية الأرض التي عبرها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام قبل ظهور اليهودية بخمسة قرون، وكانت المسرح الرئيسي لمواجهات كبرى لم تنقطع لقرون عديدة بين الامبراطوريات القديمة من الفينيقيين والآشوريين والإغريق والفرس والرومان والفراعنة، ثمّ كانت بعد استقرار الإسلام فيها مسرحا رئيسيا لمواجهة الغزوات المغولية والصليبية.

جميع ذلك بالإضافة إلى تيارات الهجرات التاريخية، يفسّر تعدّد الانتماءات، وإن بقي العرب المسلمون السنّة يشكّلون الأكثرية الكبرى للسكان منذ ظهور الإسلام إلى اليوم.

وتوصل محاولة التوفيق بين الأرقام التقديرية من مصادرها العربية والغربية المتوفرة عن سكان سورية إلى القول على وجه التقريب:

في سورية التي يقطنها أكثر من 18 مليون نسمة عام 2003م (الزيادة السنوية: 3،4-ثلاثة وأربعة أعشار- في المائة):

1- 70 في المائة من السنة (العرب) و8 في المائة من السنّة (الأكراد) وأقل من 1 في المائة من السنّة (الشركس)

2- 1 في المائة من الشيعة (العرب وسواهم)

3- 8 إلى 9 في المائة من العلويين (العرب)

4- 2 إلى 3 في المائة من الدروز (العرب)

5- 8 في المائة من المسيحيين ( العرب الأرثوذوكس في الدرجة الأولى)

6- أقل من 1 في المائة من أقليات أخرى كاليزيدية والإسماعيلية ومنها عدّة آلاف من اليهود.

 

هامش

معلومات عن سورية في الشبكة:

 

 

الطائفة العلوية

بمنظور ديني طائفي عُرفت الطائفة العلوية تاريخيا بالنصيرية النميرية، واشتهرت حديثا (في القرن الميلادي العشرين) بطائفة العلويين. نشأت في القرن الثالث الهجري نتيجة انقسامات في تاريخ الشيعة، وتعود تسميتها بالنصيرية النميرية، إلى مؤسسها (أبو شعيب محمد بن نصير البصري النميري) الذي توفي عام 270 هـ (884م)، وقد زعم -بعد ما يُعرف لدى الشيعة باختفاء الإمام محمد المهدي الثاني عشر في السلسلة الجعفرية- أنّه هو (ابن نصير) يمثل "الباب إلى السرداب" الموصل إلى الإمام الحسن العسكري، الحادي عشر في السلسلة نفسها. وادّعى النبوة لاحقا، وتابعه ورثته، وأضافوا تعاليم عديدة لحركته.

ويؤكّد علماء الإسلام المعتبرون، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، أنّ هذه التعاليم تُخرج من يعتنقها من دائرة الإسلام. واستقر النصيريون في جبال اللاذقية في الدرجة الأولى، والتي تعرف اليوم بجبال العلويين. وما تزال معتقدات الطائفة سريّة، ومن يتحدّث عنها يستند في الدرجة الأولى إلى كتاب عنوانه (الباكورة السليمانية) أّلّفه أحد مشايخ العلويين وكان اسمه سليمان، واعتنق النصرانية قبل ذلك، وقيل إنّه أعْدم بسبب كشف أسرار الطائفة حرقا بالنار.

وقد واجه النصيريون قديما الاتهام بتقديم العون للغزو المغولي، فغزاهم الظاهر بيبرس بعد معركة عين جالوت (666هـ و1268م) وقضى على معاقلهم ونفوذهم في الساحل السوري.

كما واجهوا حديثا الاتهام بتقديم العون للاستعمار الفرنسي، الذي سعى للاعتماد على الأقليات من جهة، وعلى سياسة التجزئة والتفرقة من جهة أخرى، ولعب ذلك دوره في ارتفاع عدد العلويين في الجيش في عهد الاستعمار الفرنسي ارتفاعا ملحوظا، وفي عهده ظهرت تسميتهم بالعلويين، وقد أقدم في إطار تجزئة الأراضي السورية على إنشاء "دولة العلويين" فبقيت بين عامي 1920 و1936م، وانتهت مع الشروع في مفاوضات الاستقلال، رغم احتجاجهم في رسالة وقّعها "إبراهيم الكنج" وخمسة آخرون من زعمائهم، يوم 11/6/1936م، ووجّهوها إلى حاكم اللاذقية الفرنسي آنذاك.

هامش:

لا يتوفر لكاتب هذه السطور مراجع من تأليف العلويين أنفسهم عن طائفتهم، ويوجد في الشبكة العالمية الكثير ممّا كُتب عنهم، ومن ذلك عندما كُتبت هذه السطور الروابط التالية:

 

العلويون على الخارطة الحزبية والسياسية في سورية

في سورية بدأ تعدّد التيّارات وظهور الحركات القومية والعلمانية وغيرها مع مطلع القرن الميلادي العشرين، وانتشرت نسبيا في أعقاب سيطرة القومية الطورانية (التركية) عبر حزب الاتحاد والترقّي، ومن ورائه "يهود الدونمه" على مقرّ دولة الخلافة العثمانية في الآستانه في اسطنبول، وهي في آخر أطوارها التاريخية (الرجل المريض).

وبدأ انتشار التيار العلماني والأفكار القومية العربية عموما في النصف الثاني من القرن الميلادي التاسع عشر، ولعب نصارى لبنان دورا في ذلك، وكان من أبرزهم إبراهيم اليازجي، ثم نشأت عدّة جمعيات أدبية وعلمية، علنية وسرية، في فرنسا وبيروت ودمشق، مثل الجمعية العلمية السورية، والجمعية الوطنية العربية في باريس، وجمعية النهضة العربية في دمشق، وكانت الخطوة الحاسمة في اتجاه ظهور هذا التيار على مسرح الأحداث فيما عرف بمؤتمر باريس عام 1913م.

وكان "اليهود" في الدرجة الأولى من وراء تأسيس معظم الأحزاب الشيوعية العربية في مصر وبلاد الشام، مثل هنري كورييل وإيلي شوارتز، وسلامون سدني ويوسف درويش وريمون دويك وجاكوب تيبر ونخمان ليفنسكي وغيرهم، هذا بغض النظر عن عدم ارتباطهم أو ارتباطهم بالحركة الصهيونية آنذاك.. بل كان بعضهم عدوّا لها، وفي الفترة نفسها ظهر "المسيحيون" ومسلمون تبنّوا الفكر العلماني الذي كان لاحقا من وراء تأسيس الأحزاب القومية والاشتراكية، ومن أوائلهم قسطنطين زريق، الذي اشتهر كمؤرّخ، وارتبط اسمه من بعد بظهور حركة القوميين العرب، ثمّ ساطع الحصري الذي كان في حزب الاتحاد والترقي قبل أن يلمع اسمه في نطاق "الفكر القومي العربي"، وتلاه ميشيل عفلق من المسيحيين، كما اشتهر من بينهم الشاعر سليمان العيسى، ووهيب الغانم أحد أبرز القادة البعثيين في اللاذقية، ثم كان وضع زكي الأرسوزي وهو من العلويين في الصدارة في إطار الصراعات الحزبية البعثية ووصول العلويين إلى السلطة.

وبينما بلغ هذا التيار مستوى العمل الحزبي والسياسي كان الغالب على التيار الإسلامي السني اتّجاه "الإصلاح" الذي ظهرت بذوره في القرن الميلادي التاسع عشر، ولم يبلغ مستوى تأسيس جماعات وأحزاب إلا في فترة متأخرة نسبيا.

وقد بدأ تشكيل الأحزاب -ونواة الأحزاب- في فترة الاستعمار الفرنسي، وهي التي حدّدت لاحقا معالم الخارطة السياسية السورية في الفترة ما بين الاستقلال (1946م) ووصول حافظ الأسد إلى السلطة (1970م).

في العشرينات والثلاثينات الميلادية، وبعد الثورة البلشفية (الشيوعية) في روسيا، اشتدّ بريق الشعارات الشيوعية والاشتراكية في أوروبا في مواجهة الرأسمالية واستغلالها، وفي تلك الفترة، في عام 1932م، عاد ميشيل عفلق وصلاح البيطار، من دراسة جامعية في فرنسا إلى سورية، حامليْن معهما أفكارهما الاشتراكية، وساهما عام 1934م في إصدار (مجلة الطليعة) -التي يقال إن الشيوعيين الماركسيين شاركوا فيها أيضا- وأطلقا على حركتهما في البداية اسم (جماعة الإحياء العربي) ومنها انبثق عام 1947م (حزب البعث العربي) الذي توحّد عام 1953م مع (الحزب العربي الاشتراكي) بزعامة أكرم الحوراني، فنشأ عنهما (حزب البعث العربي الاشتراكي).

وكان لهذا الحزب تأثيره سلبا وإيجابا على مختلف الحكومات السورية المتعاقبة عبر سلسلة الانقلابات العسكرية ما بين الاستقلال عام 1946م ووحدة مصر وسورية عام 1958م، عندما حُلّت الأحزاب، ليظهر مجدّدا بعد الانفصال عام 1961م، ويصل إلى السلطة بانقلاب عسكري عُرف بثورة حزب البعث في 8/3/1963م، فانفرد بالسلطة وعمل على استئصال سواه.

طوال فترة الاستقلال وحتى عام 1970م كانت منطقة العلويين، ومناطق أخرى، لا سيما حوران في الجنوب ودير الزور في الشمال الشرقي، شبه مهملة من جانب الحكومات العسكرية وغير العسكرية السورية، التي ركّزت سيطرتها وجهودها في مختلف الميادين على دمشق وحلب أكثر من سواهما. وتقول المصادر التي تتحدّث عن العلويين حديثا، إنّ بعض جماعاتهم كانت تتحرّك على عدّة محاور، أبرزها وأهمها:

  • المحور العسكري، ولعب في ذلك وجودهم بكثافة ملحوظة في صفوف الجيش في عهد الاستعمار الفرنسي كما ذكر سابقا
  • المحور الحزبي، فكان لهم وجودهم المكثف في:
  • حزب البعث العربي الاشتراكي بدعواته القومية العربية، وكان منهم فيه معظم من برزت أسماؤهم لاحقا في المناصب القيادية للدولة، مثل حافظ الأسد وصلاح جديد وإبراهيم ماخوس وغيرهم
  • والحزب القومي السوري (أسّسه أنطون سعادة عام 1932م) بدعواته العلمانية والقومية السورية التي عرفت بعنوان "الهلال الخصيب" وكان من أبرز قادتهم فيه غسان جديد من العلويين، وهو الحزب الذي حمل لاحقا اسم الحزب القومي السوري الاجتماعي، وتلقّى ضربة شبه قاضية بعد حادثة اغتيال رياض المالكي..
  • وكان بعضهم بنسبة محدودة في أحزاب أخرى مثل محمد سليمان الأحمد الذي اشتهر بلقب الشاعر بدوي الجبل في الحزب الوطني.

وقد تميّزت الفترة التاريخية بين 1950 و1970م في سورية بأنّها كانت أشدّ فترات الصراع ما بين التيارات والأحزاب المتعدّدة، على محورين:

  • التيّار الإسلامي.. والتيّارات العلمانية
  • أجنحة حزب البعث فيما بينها

من المصادر العربية لتأريخ فترة الصراع البعثي الداخلي الذي انتهى بوصول حافظ الأسد إلى السلطة عبر انقلاب عسكري أطلق عليه وصف الحركة التصحيحية في 16/11/1970م، كتاب "التجربة المرة" لمنيف الرزاز، وكان يشغل منصب الأمين العام للحزب في الفترة ما بين نيسان/ إبريل 1965 وشباط/ فبراير 1966م، ويصف فيه بالتفصيل مراحل تلك الصراع وخلفياته، وتحوّله مرة بعد أخرى من اختلاف تصوّرات سياسية إلى صراع على السلطة ومكاسبها، ورغم أنّ تأليف الكتاب تمّ في نهاية عام 1966م فنشر في مطلع العام التالي، أي قبل أن يُطرح  موضوع "الطائفية" بصورة مباشرة عقب وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام1970م.. رغم ذلك يعطي الكتاب صورة مفصلة عن انتشار العلويين في الجيش والحزب، من خلال وصفه للدور الذي لعبته جماعة حافظ الأسد وصلاح جديد، ومن خلال وقوفه في أكثر من موضع عند الدور الذي لعبه حافظ الاسد بصورة خاصة، والذي كان ينحاز مع مجموعته إلى الطرف المنتصر في الصراع (حسبما ينقله على لسان حافظ الأسد نفسه) حتى انهار نفوذ الزعماء التقليديين للحزب، فكان انقلاب 1970م بمثابة الضربة الأخيرة، وتلتها حملة تطهير عسكرية وسياسية كبرى.

وتقول مصادر "لجنة حقوق الإنسان السورية" حاليا إنّ تلك المرحلة شهدت وضع أكثر من80 في المائة من سائر المناصب القيادية في الدولة والجيش والمخابرات في أيدي العلويين، واقترن ذلك بتسريحات واعتقالات في صفوف الجيش والمخابرات بأعداد لم تشهدها سورية الحديثة من قبل، كما اقترن بتشكيل عدد من الميليشيات المسلّحة بمستوى قريب من الجيش نفسه، واشتهر منها "سرايا الدفاع" التي تزعّمها رفعت الأسد في حينه، وسرايا الصراع بزعامة عدنان الأسد، والقوات الخاصة بزعامة علي حيدر، بالإضافة إلى تشكيل بضعة عشر جهازا من أجهزة المخابرات، أبرزها المخابرات الداخلية بزعامة محمد ناصيف، وأمن القوى الجوية بزعامة محمد الخولي.

 

هامش:

يوجد في المكتبات الكثير من المراجع حول حزب البعث ونشأته ونزاعاته الداخلية، وانتشاره في عدد من البلدان العربية، علاوة على سورية والعراق، ومن المراجع المتوفرة في الشبكة العالمية:

ومن الكتب:

  • في سبيل البعث، ميشيل عفلق
  • التجربة المرة – منيف الرزاز
  • الصراع على الشرق الأوسط- باتريك سيل
  • دولة البعث وإسلام عفلق – مطيع النونو

 

بذور الصدام مع التيّار الإسلامي

كان من أبرز رجالات التيار الإسلامي ببعده "الإصلاحي" في سورية الشيخ طاهر الجزائري (المتوفى عام 1920م) الذي أتقن عددا من اللغات الشرقية وألّف فيها ونشط في ميدان المكتبات والتعليم ودعا إلى تأسيس جمعيات وروابط سياسية، والأمير شكيب إرسلان الذي حرص على الإصلاح في إطار الوحدة الإسلامية، والشيخ عبد الرزاق البيطار الذي عُرف بحملته الشديدة ضدّ الاستبداد، كالشيخ رشيد رضا (اللبناني الأصل)، والشيخ جمال الدين القاسمي، وغيرهم. وبقي العمل السياسي جزءا من الجهود الإصلاحية الإسلامية في سورية من جانب العلماء في الدرجة الأولى، وتحركّت على هذا الصعيد "رابطة العلماء" التي برز دورها الإسلامي السياسي بصورة خاصة في انتخابات عام 1947م، بينما بدأت تتكوّن في أكثر من مدينة سورية روابط وجمعيات إسلامية مثل جمعية شباب محمد في دمشق، ودار الأرقم في حلب، ومنها تكوّنت جماعة الإخوان المسلمين بعد لقاء الشيخ مصطفى السباعي مع الإمام حسن البنا في مصر عام 1945م، وبرزت منذ تلك الفكرة أسماء زعامات إسلامية عديدة مثل أبو الخير الميداني وحسن حبنكة، وعارف الطرقجي وغيرهم، وبدأت بذلك الحركة الإسلامية بصورة متميّزة عن الأحزاب التي تكوّنت من قبل على أسس علمانية وقومية واشتراكية وشيوعية. وبرز التيّار الإسلامي بقوة في السنوات التالية، بزعامة المراقب العام الأول للإخوان المسلمين مصطفى السباعي ثم خلفه عصام العطار.

ورغم مسلسل الانقلابات العسكرية المتوالية، فقد غلب الجانب السياسي والفكري على الصراع بين التيارين الإسلامي والعلماني وإلى ما بعد وحدة مصر وسورية عام 1958م عندما حُلّت الأحزاب رسميا، واستمرّ هذا الطابع غالبا على الصراع الدائر حتى وصول حزب البعث إلى السلطة في انقلاب عام 1963م عقب فترة الانفصال، بمشاركة الناصريين، ثم انفراده بالحكم خلال العام نفسه. 

في ذلك الحين أي قبل أن يبلغ العلويون المرحلة الأخيرة في السيطرة على السلطة والجيش، تحوّلت المواجهات السياسية إلى مواجهات دامية كما كان في مسجد السلطان في حماة والمسجد الأموي في دمشق عامي 1964 و1965م، وهي الفترة التي أسفرت على صعيد التيّار الإسلامي عن حدثين رئيسيين، أوّلهما منع زعيم الإخوان المسلمين عصام العطار من العودة إلى سورية من الحجّ، وهو ما أثّر على البنية التنظيمية للجماعة، والحدث الثاني هو إقدام مجموعة من شبيبة الإخوان على تأسيس "الطليعة المقاتلة" خارج النطاق التنظيمي القائم. وطوال الفترة ما بين عامي 1963م و1970م، كان الغالب على المواجهات بين التيارين هو المواقف الإسلامية الرافضة للأطروحات العلمانية والإلحادية في وسائل الإعلام والنشر التي أصبحت تحت سيطرة الدولة وحزب البعث الحاكم.

وكان الجيل السابق من المفكرين العلمانيين القومييين (مثل ميشيل عفلق، وساطع الحصري، وقسطنطين زريق) يقتصرون على "تهميش" الإسلام كدين، وطرحه إما كجزء من التراث يمكن أن يستفاد من بعضه ويترك بعضه الآخر، أو كحركة "تجديد عربية" مع اقتصار مفعولها على فترة تاريخية معينة، ولكن هذا بالذات ما تجاوزه الكتّاب المحدثون في عهد الحكم البعثي، ممّا ترمز إليه بعض العبارات التي أثارت ردود فعل شعبية غاضبة متوالية، وصنعت بذلك نواة الصدام من بعد في سورية، فكان من ذلك مثلا:

قول أحد شعرائهم:

(آمنت بالبعث ربا لا شريك له

وبالعروبة دينا ما له ثاني)

أو قول الكاتب العلوي إبراهيم خلاص في مقال صحفي:

(إنّ بناء المجتمع العربي هو خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد الذي يؤمن بأنّ الله والأديان والإقطاع ورأس المال وكلّ القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمى محنّطة في متاحف التاريخ)

واستمرّ ذلك إلى ما بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة، كقول أحدهم في "مجلة الفرسان":

(أريد من حكام العرب أن يجعلوا من الرفيق الأسد قبلة سياسية لهم يعبدونها بدلاً من الركوع أمام أوثان الإسلام)

ولم يكن هذا مجرّد "أدبيات" أو مقولات شاذة، ممّا يشهد عليه مثلا النص الوارد في مقرّرات المؤتمر القومي الرابع للحزب:

- يعتبر المؤتمر القومي الرابع المرجعية الدينية إحدى المصادر الأساسية التي تهدد الانطلاقة التقدميّة في المرحلة الحاضرة.

إنّ الفترة السابقة لوصول حافظ الأسد إلى السلطة، تؤكّد أن بذور الصراع لم تكن "طائفية" محضة، أثارتها "أطراف أخرى" معادية للعلويين، كما شاع أو أشيع بعد أحداث 1979-1982م، بل كان الصراع من البداية قائما على محاور متعدّدة أبرزها:

  • المحور العقائدي فشمل مواجهة الطرح الشيوعي (الدين أفيون الشعوب) والبعثي (وضع الدين في متحف التاريخ)
  • والمحور الفكري فشهد جولات عديدة متتالية قبل مرحلة الصدام المباشر عند نزول الجيش في حماة ودمشق ليواجه "تمرّدا" سلميا شعبيا بقيادة التيار الإسلامي، لم يلجأ إلى السلاح في حينه، فضلا عن عمليات الاعتقال والملاحقة والنفي على نطاق واسع.

 

هامش

يمكن العثور في الشبكة على نبذة تعريف جيدة بعدد من الشخصيات المذكورة أعلاه في الرابط التالي:

وحول الإخوان المسلمين ومواقفهم، من موقع الإخوان المسلمين في سورية:

وحول مصطفى السباعي رحمه الله والإخوان المسلمين في عهده:

 

الصدام المأساوي 1979-1982م

مع هيمنة العلويين هيمنة كاملة على السلطة بمشاركة صورية لسواهم من السنة دون أن يكون لهم قوّة فاعلة في السبعينات الميلادية، انطلقت حملة استئصال القوى الأخرى وإقصاء رموزها، بدءا بزعماء حزب البعث، كصلاح البيطار، وميشيل عفلق، ومنيف الرزاز، ويوسف زعيّن، وحتى بعض العلويين أنفسهم مثل صلاح جديد.. ثم أضافت هذه الهيمنة بُعدا آخر عن طريق ما تشكّل من ميليشيات عسكرية وأجهزة مخابرات جديدة. وقد بلغت ميليشيا "سرايا الدفاع" بزعامة رفعت الأسد أقصى مدى من الانتهاكات في اعتداءات مباشرة على المواطنين والاستيلاء على ممتلكاتهم وممارسة التعذيب في المعتقلات، وغير ذلك ممّا جعل الأجواء الداخلية في سورية منذ منتصف السبعينات الميلادية على حافة وقوع صدام ما، على المستوى الشعبي وليس على مستوى المواجهة مع التيار الإسلامي بالذات.

وواضح من استمرار الأحداث الدامية ثلاثة أعوام ما بين 1979 و1982م، ومن حجم القوّة العسكرية التي استخدمها النظام الحاكم من دبابات وطائرات ومدفعية وغيرها، ومن الاعتقالات وعدد الضحايا بعشرات الألوف.. واضح أنّ تصوير تلك الأحداث وكأنّها من صنع "عصابات إرهابية" كما حاولت السلطات أن تطرحها، تصوير لا يفتقر إلى الموضوعية فقط، بل ويتناقض مع الوقائع مباشرة تناقضا كبيرا.

إنّ السخط الشعبي الشديد الذي سبّبته ممارسات السلطة في عهد حزب البعث، وبلغ ذروته في عهد حافظ الاسد، بما في ذلك الفتنة الطائفية الكامنة في هذه الممارسات، هو الذي جعل الشرارة الأولى التي انطلقت في مواجهة النظام، تتحوّل إلى تحرّك شعبي واسع النطاق، شمل فئات عديدة، ولم يقتصر على "أفراد" طرف واحد، كما قيل عن الطليعة المقاتلة، كما لم يقتصر على قوّة الإخوان المسلمين بمجموع ما امتلكت من إمكانات وقواعد شعبية عريضة بغض النظر عن توزيعها بين فريقين رئيسيين، فريق التزم بزعامة عصام العطار التاريخية للإخوان، وآخر برز من زعمائه لاحقا عدنان سعد الدين وسعيد حوى في الدرجة الأولى.

صحيح أنّ الجولة انتهت بإخماد ما اعتبرته أدبيات الإخوان المسلمين "ثورة إسلامية" واعتبرته السلطات "أعمالا إرهابية" وأنّ حكم حافظ الأسد استقر بعد ذلك حتى موته دون أن يتعرّض لخطر داخلي يُذكر، إلاّ أنّ الأسلوب الذي اتّبعه في مواجهة الأحداث، جعل تلك الحقبة من تاريخ سورية حقبة دامية بمعنى الكلمة، ولها عناوين عديدة، على أنّ أبرزها ما تتحدّث عنه مصادر المعارضة السورية عموما -وليس مصادر الإخوان المسلمين فقط- تحت عناوين "مجزرة سجن تدمر" و"مأساة العصر في حماة"، وقد قتل في الأولى ما لا يقلّ عن 700 معتقل داخل السجن، وقتل في الثانية -على حسب تعدّد المصادر- ما بين بضعة عشر ألفا وبضعة وثلاثين ألفا من عامة السكان، وليس من المقاتلين فقط، تحت قصف الطائرات والدبابات والمدفعية وبالأسلحة الرشاشة.

ولئن ظهر في مطلع الأحداث بعض الكتابات والمواقف التي طرحت المواجهة طرحا طائفيا ردّا على الاستبداد الطائفي، فلا ينبغي في تقويمها الفصل بينها وبين الأرضية الطائفية التي أوجدها الحكم الاستبدادي، ولا عن مفعول "اللحظة الآنية للأحداث"، لا سيما وأنّ موقف الحكم السوري من الإخوان عموما كان موقف الاستئصال إلى درجة إصدار قانون يقرّر حكم الإعدام لمجرد الانتساب إلى الجماعة، ولا يزال ساري المفعول حتى الآن.

هذا إلى جانب أن سائر أطراف التيّار الإسلامي انتهت إلى استبعاد عنصر "الصراع الطائفي" والتأكيد على مواجهة "الاستبداد" بغضّ النظر عن هويته، وهذا المنطلق البعيد عن صراع طائفي كان قد برز في وقت مبكّر ومع بداية الأحداث في مواقف عصام العطار على وجه التخصيص، كما ورد مثلا في قوله (12/1979م) عبر مجلة الرائد التي تصدر في آخن حيث يعيش في المنفى:

"إنّنا لا نحكم على عقائد الأجيال الجديدة من العلويين وغيرهم بمجرّد الرجوع إلى عقائد آبائهم وأجدادهم في الكتب القديمة.. نحن لا نخاصم العلويين من حيث هم علويّون، ولكنّنا نخاصم ديكتاتوريتهم الطائفية القائمة.. فإذا انتهت هذه الديكتاتورية فهم مواطنون كسائر المواطنين لهم ما لهم من الحقوق وعليهم ما عليهم من الواجبات".

أو قوله (3/1980م):

"إننا نخاصم هذه الديكتاتورية ويخاصمها معنا أبناء شعبنا باسم الإسلام، وباسم الديانات السماوية الأخرى، وباسم كلّ قيمة من القيم الإنسانية العليا، وكل شرعة من الشرائع الدولية المحترمة.. نحن إذن نخاصم الديكتاتورية، طائفية كانت أو غير طائفية، بكل مقياس من المقاييس الدينية والوضعية المعتبرة."

وانطلاقا من هذا الموقف كانت صياغة المطالب الأساسية، مثل "إلغاء حالة الطوارئ، ووقف القتل العشوائي، وإطلاق الحريات، وإنهاء الحكم الديكتاتوري، والاحتكام إلى الشعب في اختيار نظام حياته وحكمه.."

وكانت هذه في حينها مواقف لا يستهان بشأنها عند الإشارة إلى ما كان يسود من غضب شديد على مستوى الشبيبة المسلمة من سورية وخارجها إزاء التمييز الطائفي المنتشر في سورية آنذاك، وما يجري على أساسه من أحداث، شملت الاعتقالات وعمليات التعذيب والقتل دون محاكمة ودون توجيه تهمة ما، كما يبرز ثقل الموقف عند الإشارة إلى تعرّض عصام العطار نفسه للاغتيال وهو في مدينة آخن بألمانيا، وتمسّكه بموقفه المبدئي المذكور بعد اغتيال زوجه بنان الطنطاوي العطار أيضا، أثناء وجودها وحيدة في منزلها وهو في أحد المستشفيات للعلاج، إذ أصدر على الفور بيانا يناشد فيه الشباب المسلم في سورية وخارجها عدم اقتراف أي عمل انتقامي ردّاً على الاغتيال، ورفض في مقابلة صحفية تحميل المسؤولية للعلويين جميعا، أو تحميل المسؤولية لهم من حيث هم "علويّون".

وعند الرجوع إلى تاريخ الإخوان المسلمين في سورية على مدى عدّة عقود، لا يمكن العثور فيه -كما تشهد مثلا مؤلفات مصطفى السباعي ومحمد المبارك وغيرهما- أيّ أثر لعداء أي طائفة من الطوائف، بل عُرف عن الجماعة طوال فترة قيادة السباعي والعطار الانفتاح والتعاون مع أصحاب المعتقدات الأخرى دون استثناء.

إن الأرضية "الطائفية" التي تركت آثارها في أحداث 1979-1982م وبقيت فترة زمنية لا بأس بها من بعد، إنّما كانت من صنع نظام الحكم في سورية ومن خلال ممارسات التمييز الطائفي التي سادت داخل البلاد، والتي شملت أطرافا من الطائفة العلوية نفسها، وكان من أبرز علاماتها الباقية أنّ الألوف الذين دخلوا السجون في تلك الفترة، ومن قبل في عمليات "التطهير" لأجهزة الدولة، لم توجه إليهم -إلا نادرا جدّا- تُهمٌ رسمية فضلا عن عدم محاكمتهم، ثمّ الامتناع عن إخلاء سبيلهم لعشرات السنين.

 

هامش:

تحفل الشبكة العالمية في الوقت الحاضر بمعلومات دقيقة ومستفيضة مع قوائم بأسماء الضحايا وأسماء من ارتكب عمليات القتل والتعذيب والقمع، ومنها.. لا سيما فيما يتعلق بمجزرة سجن تدمر:

وعن التعامل مع الطليعة المقاتلة على وجه التخصيص:

ويفصل كتاب (حماة مأساة العصر) في الموضوع، ولكن لم يُذكر اسم مؤلفه.

وعن عهد حافظ الأسد إجمالا:

 

 

مؤشرات مستقبلية

رغم محاولات المصالحة بين نظام الحكم السوري وجماعة الإخوان المسلمين، أو فصيل رئيسي فيها على الاقل، لم تسفر السنوات الأخيرة من عهد حافظ الأسد عن نتائج تجاوزت الإفراج عن بعض المعتقلين، وتيسير السبيل أمام عودة سوريين كانوا يعيشون في المنفى وقسم كبير منهم ليس منتميا إلى الجماعة أصلا، وربما لا يتعاطف معها، ولكن يمكن وصفه بالشباب "المتديّن".

على أنّه منذ وصول السلطة إلى بشار الأسد، وخطاب القسم الذي تضمّن تنويها باحتمال عودة الحريات والحقوق إلى سورية، تضاعف النشاط من جانب الإخوان المسلمين كما تضاعف من جانب أصحاب الاتجاهات الأخرى، فشهدت الأوساط السورية خارج البلاد شبيه ما شهدته حركة "المجتمع المدني" في الداخل.

ومن المعروف أنّه انتشر في الوقت الحاضر الحديث عن وجود تيارين في السلطة، يوصف الأوّل بالحرس القديم، ويوصف الآخر بأنه يميل إلى الانفتاح على الأحزاب والتيارات الأخرى، وتشهد على الصراع بين هذين التيارين أحداث متتابعة، كفتح المجال جزئيا أمام الناشطين في الداخل، ثمّ ملاحقتهم ومحاكمتهم بعد تحرّكهم بنشاط محدود نسبيا وفق ما فهموه من مواقف الرئيس الجديد، هذا بالإضافة إلى تجدّد أنباء يتناقلها بعض السوريين في الخارج، ولم توثقها جهات بعينها كجمعيات حقوق الإنسان مثلا، عن تحرّك السفارات مجددا في ممارسة الضغوط على بعض المقيمين في الخارج، إنّما ثبت على الأقل تعرّض بعض العائدين أو "الزائرين" لموطنهم السوري للاعتقال.

وهذا ما يؤكّد أن الوضع لم "يُحسم" بعدُ في اتجاه إلغاء الاستبداد ومظاهره والأسس والآليات التي يقوم عليها، وبالتالي يصعب التنبؤ بالخروج في المستقبل المنظور من الحالة التي سادت في سورية على امتداد حياة جيل كامل، وهو أمر ما لا يرتبط بالعلاقة بين الإخوان المسلمين والسلطة، قدر ما يرتبط بتعامل السلطة مع "الآخرين" على اختلاف انتماءاتهم، ممّا يترك أثره السلبي أيضا على التحرّك الصادر عن الإخوان المسلمين بزعامة صدر الدين البيانوني وقد أوصل بمشاركة قوى أخرى إلى "ميثاق وطني"، وتضمّن الانفتاح على التعددية والتعاون مع التيارات الأخرى لإيجاد أرضية مشتركة لأوضاع سياسية جديدة، تبرز قيمتها للعيان عند وضعها مقابل الشعار الرسمي المرفوع في سورية تحت عنوان التطوير مع الاستمرارية، إذ لا يوجد حتى الآن ما يحدّد بوضوح:

  • إلى أي مدى يصل التطوير في اتجاه إقرار الحقوق والحريات وتكافؤ الفرص للجميع دون استثناء..
  • وإلى أي مدى تصل الاستمرارية من حيث الحفاظ على ما ساد من قبل، وما يعتبر هو "المشكلة الحقيقية" في الأوضاع السياسية السورية، با في ذلك الخلفية الطائفية المرتبطة بها.

إن ما يمكن وصفه بالسلام الطائفي، أو السلام الديني، في المجتمع السوري، كان هو السائد قبل أن تسلك طائفة بعينها طريق الانفراد بالسلطة والهيمنة على البلاد واستئصال سواها، وهذا ممّا يجعل المشكلة الأكبر كامنة في الاستبداد، وانتهاك الحقوق والحريات، ويجعل حل المشكلة مرتبطا بإنهاء الاستبداد وإنهاء الانتهاكات. ويعني ذلك من الناحية العملية التنفيذية أنّ الخطوات الجادّة الأولى في هذا الاتجاه، يجب أن تتضمّن ابتداءً إلغاء حالة الطوارئ، وإلغاء المواد الدستورية والنصوص القانونية التي يقوم الاستبداد عليها وتتناقض مع التعددية، واتخاذ ما يكفي من المواقف والإجراءات لإعادة الثقة المفتقدة والوصول بها إلى مستوى يمكن معه لسائر القوى والاتجاهات أن تجد طريقها من جديد إلى أرضية مشتركة لأوضاع سياسية جديدة.

هل يتحقق ذلك في وقت قريب؟

الجواب على هذا السؤال يدخل في حيز "التمنيات" والتكهنات، ولا يوجد من المؤشرات الراهنة ما يسمح بالجزم فيه.

 

هامش:

حول الإخوان المسلمين بزعامة البيانوني في الوقت الحاضر:

الميثاق الوطني ومواقف إيجابية وسلبية منه:

موقع يتضمن روابط لمواقع شبكية لأهم القوى السورية:

 

النص الكامل للتحميل بصيغة (pdf)

نبيل شبيب

 

تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق