أمانة الكلمة

 

سيبقى نبض كلماتنا أجوف فارغا في مسامع الضحايا ما لم يقترن بفكر ورؤية وعمل وتعاون 

 

لكلمة الحق درجات.. أدناها التواصي بالحق والصبر وأعلاها مرتبة سيد الشهداء

 

الجهر بالحق واجب كفائي فهل ننجو من الإثم إن بقي الأداء دون حدّ الكفاية؟

 

ما أكثر من يعرف كلمة الحق وما أقل من يعرف ثمنها ويجهر بها

 

قد يرقى جزاء كلمة الحق في وجه سلطان جائر إلى مرتبة سيد الشهداء

 

لا يرتفع صوت متبجحا بالباطل إلا عندما يغيب الجهر بكلمة الحق

 

أغمض عينيك واطوِ مسافة الخلاف بيننا وستسمع ما أقول وإن لم تقرأه مكتوبا

 

استخدام كلمة "رئيس" في وصف رئيس عصابة لا يجعله رئيس دولة


جريمة اغتيال "براءة الثورات" مع اغتيال براءة الأطفال

خاطرة - بين جريمة بيشاور.. والثورات الشعبية

جبهة الباطل على باطل لأنها تستخدم وسائل الباطل.. وجبهة الحق الموعودة بالنصر، تفقد صفتها هذه إذا انحرفت فاستخدمت وسائل جبهة الباطل

يجب أن يطلّ من يعملون في قلب الثورات الشعبية في سورية وأخواتها على ما يجري خارج الحدود، فلا حدود تفصل فعلا بين مسارات الأحداث التاريخية وتأثير بعضها على بعض، وهذا رغم جميع ما سبق نصبه وتقديسه من "حدود وأعلام" لتمزيق عرى العلاقات بين الشعوب والبلدان، وإننا لنشهد بالمقابل كيف يتلاقى "أعداء الشعوب وتحرير إرادتها" في جبهات مشتركة عابرة لجميع الحدود، وهم يمارسون من خلالها ما يمارسونه من ألوان العداء والحصار، ليس لثورة سورية فقط بل لسائر الثورات الشعبية الأخرى أيضا.

. . .

المقصود بالحديث هنا هو الحدث الدامي الذي بدأ بهجوم مسلح على مدرسة في بيشاور، تضم في الدرجة الأولى ذوي الضباط من الجيش الباكستاني، أي التلاميذ من بنين وبنات، علاوة على زوجاتهم من المعلمات.. وقد أعلنت قيادات "طالبان باكستان" مسؤوليتها عن الهجوم الذي أسفر عن عدد كبير من الضحايا، وعللت العملية بأنها من أجل أن "يذوق" الضباط الآلام عندما يقتل أقاربهم من الأطفال والنساء، مثلما يذوقها "المجاهدون من طالبان باكستان" بسبب حملات الجيش الباكستاني وقتل النساء والأطفال الأبرياء من المدنيين ومن ذوي المسلحين من "طالبان باكستان".

أين يسوق هذا "المنطق" بلادنا وشعوبنا؟

. . .

الثورة.. أي استخدام أسباب القوة السلمية والمسلحة، ضد الظالمين المجرمين، قتلة الأبرياء من رجال ونساء وأطفال، ثورة واجبة، وليست ثورة "مشروعة" فقط، وفي مقدمة مسوغاتها أن بقاء أولئك الظالمين المجرمين في السلطة، يعني قتل مزيد من الأبرياء، فلا بد من الثورات الشعبية على طريق التغيير، أي إنهاء حقبة الظلم وبناء حقبة العدل.

ولكن لا تعطي "وسيلة مشروعة" لمواجهة الظلم مشروعية مزعومة لقتل الأبرياء على نحو ما شهدت "بيشاور" غرب باكستان، لا سيما الأطفال، الذين لا يحملون المسؤولية عن أوزار آبائهم بحال من الأحوال.

وعندما تُستخدم راية الإسلام لمثل هذا العمل الإجرامي، فهذا انتحال مزوّر ملوّث، يتنكّر أول ما يتنكّر للإسلام نفسه، الذي تعبّر عن رؤيته ومنهجه كلمة محمد صلى الله عليه وسلّم مثلا "عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله عز وجل"، مدافعا بذلك عن "جيل لم يولد بعد" -فكيف بمن هم من الأطفال الأحياء- ورافضا بذلك عرض جبريل أن ينزل العقاب بالقضاء على صناديد الكفر من قريش.

. . .

جبهة الباطل، على باطل لأنها تستخدم وسائل الباطل الإجرامية العدوانية ضد "النفس" الإنسانية التي حرم الله جميع أصناف العدوان الباطل عليها.   

وجبهة الحق الموعودة بالنصر، تفقد صفتها هذه وتفقد استحقاقها لنصر الله، إذا انحرفت فاستخدمت وسائل جبهة الباطل، وإن اختلفت بالأهداف عنها.

. . .

توجد مؤشرات عديدة أن بعض القيادات في "منظمات" توصم بالإرهاب، وهي في الأصل في جبهة حق تحرير الشعوب من ظلم الطغاة، تريد أن تستعيد -بتصعيد "نوعية" عملياتها- الاهتمام بها والأضواء الساطعة عليها، بعد أن أصبحت تتركز على "داعش" وأعمالها.

وتغفل تلك القيادات عن أمرين:

أولهما أن تسليط الأضواء على "داعش" مقصود لتكون "ذريعة" لتبرير أعاصير التحرك المحلي والإقليمي والدولي المضاد لتحرير إرادة الشعوب بالثورات الشعبية..

والأمر الثاني أن أفاعيل "داعش" قد تستهوي بالباطل بعض من يلتحق بها، ولكنها تسبب -بالباطل أيضا- تنفير  أضعاف مضاعفة من الناس من "الراية" التي انتحلتها زورا لنفسها.. أي راية الإسلام.

لا يمكن تحقيق إنجاز لصالح الإسلام ولصالح الشعوب ولصالح الإنسان بهذا الطريق، وهذا ما استوعبه على ما يبدو مسؤولون من "طالبان أفغانستان" فتبرؤوا مما صنعته "طالبان باكستان"، وهذا ما ينبغي أن نستوعب ما يعنيه في ساحة الثورة في سورية أيضا.

لا بد لمن يحرص على انتصار هذه الثورة من الحرص على رفض سلوك طريق الإجرام من الأساس فهو ‎طريق "انتحاري".

. . .

إن الثائر "الأضعف" عددا وعدة من عدوه الظالم المتسلط، يحقق النصر عبر أخذه بأسباب النصر، وهي إلى جانب القوة، البلاء الحسن تخطيطا وعملا، والصبر الكبير إيمانا وثباتا، والصراط المستقيم التزاما بالقيم وسلوكا، فهذا مع بعضه البعض ما يؤهل الثائر للحصول على تأييد الله، والحصول على ما يسخره رب العزة من تأييد البشر. أما إذا انحرف ذلك الثائر عن ذلك الطريق، فلن يمنع استمرار ادّعائه أنه "ثائر" من خسارة تأييد الله وتأييد البشر، فيخسر هو في نهاية المطاف، بمفعول الخلل في موازين القوة المادية بينه وبينه عدوه "المجرم".

وما يسري على جريمة "قتل الأطفال" التي يشملها عنوان "الظلم والاستبداد"، يسري على ارتكاب موبقات أخرى، يجمعها عنوان "الفساد في الأرض".  

إن ممارسة "الإكراه" المحرّم إسلاميا..

وإن مزاعم "الوصاية" على إرادة الإنسان المخيّر وفق ما أراد خالقه..

وإن قتل "النفس" التي حرم الله إلا بالحق..

هذا وأمثاله هو "حد فاصل" بين مسار ثوار يرفعون راية إسلامية، نحو النصر والتغيير، وبين مسار انتحاري يسلكه من يرتكب جرائم شاع وصفها بكلمة "الإرهاب".. سواء رفع راية إسلامية أم لم يفعل.

وإن هذا الصنف من "الإجرام" لا يمكن أن يقبل به "الثوار" المخلصون للثورة، عندما يلوّح من يرتكبونه ومن يدافعون عنه، بأنهم "يثخنون" أيضا في صفوف عدو محلي أو في التصدّي لعدو دولي، أي ما يقال عن داعش الآن، بعد أن أصبحت "ذريعة" للقوى المعادية لشعوب سورية وأخواتها، وهي القوى التي تحاول اغتيال الإرادة الشعبية الثائرة، اعتمادا على موبقات "الحصار" و"التجويع" و"التشريد" و"المعاناة"، وكذلك على محاولات يائسة لاستبقاء أخطبوط الاستبداد الفاسد وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، أو إيجاد كيان لقيط من جنسه، بدعوى أن البديل هو "النموذج الداعشي"، وهذا مع الافتراء الذي يسلط الأضواء المخادعة على ذلك النموذج المرفوض شعبيا، مع المحاولة الدائبة لتعميمه على سائر الثوار.

إنهم ثوار صنعتهم الشعوب.. وثورات صنعتها الشعوب.. وستصنع بإذن الله النصر ولن تكون حصيلته من جنس ذلك النموذج المرفوض بمختلف أشكاله.

نبيل شبيب

 

تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق