شذرات

 

بدأ خنق مسار الثورة منذ وجد من يشتري وعودا باطلة تتقلص تباعا ويدفع تنازلاتٍ تتفاقم عن حقوق لا يملكها.. وكانت تسمية ذلك "فن التفاوض"

 

يتزعزع الهدف المشروع من التفاوض وتتسارع عجلة التراجع ابتداء من تحويل شروط مشروعة مسبقة إلى مطالب للتفاوض

 

الفروق كبيرة بين صناعة الواقع والتسليم، وإرادة الشعب والمراوغة، والمصلحة المتبادلة والخضوع، فكيف اختلطت عند بعضنا تحت عنوان سياسة

 

دون الرؤية والتخطيط والعمل بين يدي الأحداث المأساوية الجارية، تضيع قيمة التذكير بوعد من قبيل سواري كسرى أثناء الهجرة في الرمضاء

 

لا ينتهي الاستبداد بزواله بل باستئصال جذوره فكرا وواقعا من العلاقات والثقافات اليومية في كل مكان وميدان 

 

كل إكراه استبداد مرفوض.. فلا إكراه للناس على سلطة تزعم لنفسها توجها مرجعيا إسلاميا.. أو توجها مرجعيا علمانيا

 

ليس الإسلاميون المصدر الصحيح لتعليم النهج العلماني للعلمانيين، وليس العلمانيون المصدر الصحيح لتعليم النهج الإسلامي للإسلاميين ، أليس كذلك؟

 

الذين يرفضون رؤى إسلامية للتغيير بذريعة رايات منحرفة انتحلت عناوين إسلامية هل يفعلون ذلك إزاء انتحال رايات رؤى علمانية مثلا


انطباعات شخصية وأبعاد سياسية مع مرور 20 عاما على الانقلاب

رؤية - كلمات حول ثورة انقلاب الإنقاذ في السودان

أخطاء المسؤولين في السودان غير مقبولة، إنما لا تبرر العداء الإقليمي فضلا عن الغربي

(ينشر هذا الموضوع الذي يجمع بين التحليل وسرد انطباعات شخصية - على غير المعتاد - في هذه الإصدارة من مداد القلم متزامنا مع موضوع آخر حول الحراك الثوري الشعبي 2019م، وسبق نشره في مداد القلم قبل عشرة أعوام، وكان السودان مستهدفا، حكومة وشعبا، وليس في ذلك ما يبرر التشبث بالسلطة عشرات السنين، دون تحقيق أهداف أساسية لصالح السودان وشعبه، وهو ما أوصل إلى الحراك الثوري الشعبي بعد 30 سنة مرت على الانقلاب)

 

عناوين الفقرات

بين نقد ونقد - خلاف في الصباح وقهوة في المساء - 15 معتقلا في زنزانة مساحتها متر مربع!! - التعذيب! - كبت المعارضة الحزبية السياسية - صوت الحكومة في الشارع - الحصار  - طالبات السودان - تفتيت السودان

 

حمل الانقلاب العسكري الإسلامي الاتجاه في السودان يوم 30/6/1989م عنوان "ثورة الإنقاذ"، كعادة الانقلابيين من مختلف الاتجاهات في إطلاق وصف "الثورة" على تدخل الجيش في السياسة، فكان ما يميزه عن عشرات الانقلابات الأخرى في كثير من البلدان العربية والإسلامية، أنه أول انقلاب يحمل أصحاب الاتجاه الإسلامي إلى السلطة. وكما حمل بعضُ الانقلابات مجموعة من العسكريين وحزبا سياسيا إلى السلطة، كالبعث في سورية والعراق، حمل انقلاب الإنقاذ مجموعة من العسكريين بزعامة البشير وحزبا إسلاميا بزعامة الترابي إلى السلطة في السودان. إنما تميز أيضا بأن كثيرا من الانقلابات في الدول العربية ارتبطت بجهة أجنبية أو عربية تدعمها سرا وعلنا، بينما كان هذا الانقلاب ضد الحكم "الديمقراطي" في السودان قبله، الذي وجد الدعم الغربي، كما وكان إلغاؤه حكم الشريعة في نطاق اتفاق مع متمردي الجنوب هو السبب من وراء انقلاب الإنقاذ الذي لم يجد دعما من خارج الحدود، وإن تفاوتت علاقاته مع ليبيا المجاورة بين التعاون والاختلاف.

 

بين نقد ونقد

ليس في الفقرات التالية تقويم لعشرين سنة مضت على الحدث، الذي سيبقى مختلَفا عليه من وجهة النظر الإسلامية، بل ستقتصر على بعض الانطباعات التي تركتها "ذكريات" شخصية مع السودان. ويمكن قبل ذلك الوقوف بإيجاز شديد عند ما واجهته "ثورة انقلاب الإنقاذ" من حملات مضادة، غربية وعربية، من مختلف المنطلقات، وكان فيها قدر كبير من الافتراءات.

1- كثير من الانتقادات الرافضة أن يصل الإسلاميون إلى السلطة بانقلاب عسكري، صدر عن أنصار "انقلابات" عسكرية تحت عناوين أخرى غير العنوان الإسلامي، ومع معارضة وسيلة الانقلاب من حيث المبدأ لتحقيق هدف التغيير، يبقى أن تلك الانتقادات لا مصداقية لها، ففيها من ازدواجية الفكر والتطبيق ما يفقدها قيمتها.

2- كثير من الانتقادات يحمّل السلطات السودانية في السنوات العشرين الماضية المسؤولية عن أحداث الجنوب ودارفور، وتتجاهل أمرين، أولهما أن التمرد المسلح (المرفوض عند أصحاب تلك الانتقادات في حالات أخرى غير السودان) لم يظهر في "عهد الإنقاذ" بل قبل ذلك بسنين عديدة، والأمر الثاني أن الدعم الغربي (وغير الغربي) كان متواصلا من قبل ومن بعد، بهدف تفتيت السودان، سيان أي سلطة تحكم فيه، ولا يعني ذلك تبرئة السلطات الحالية من جزء من المسؤولية عما وقع ويقع في عهدها.

3- كثير من الانتقادات يحمّل سلطات "عهد الإنقاذ" المسؤولية عن الفقر والتخلف في السودان، ولا ريب أنها تحمل جزءا من المسؤولية في "استمرار" الفقر والتخلف القائمين من قبل، إنما لا ينبغي أيضا إغفال مسؤولية دول عربية ناصبت حكومة السودان العداء من اللحظة الأولى ومارست الحصار بدلا من التعاون المشترك لتحقيق أهداف التقدم معا، وليس لهذا العداء علاقة بالأسلوب العسكري (المرفوض ابتداءً) للوصول إلى السلطة، فليس حال الدول الأخرى أفضل من حال السودان على هذا الصعيد، إنما ينطلق العداء من غلبة سياسات الهيمنة الأجنبية والتبعية المحلية على المصالح الإقليمية المشتركة، وحتى المصالح الوطنية المحضة.

4- كثير من الانتقادات، لا سيما من جهات علمانية، تحمّل الإسلام نفسه والاتجاه الإسلامي المسؤولية عن أخطاء السلطة في السودان، وتحاول أن تنال من الإسلام والاتجاه الإسلامي تبعا لذلك، وتخلط هذه الانتقادات ما بين الافتراءات والأخطاء الفعلية، وهنا يجب تأكيد أمرين، أولهما أن جميع أخطاء السلطات في السودان عبر عشرين عاما مضت، لا تعادل في حجمها الذاتي ومفعولها محليا وعربيا وإسلاميا، معشار ما ترتكبه السلطات في بلدان أخرى من الأخطاء الجسيمة على كل صعيد، والأمر الثاني أن أخطاء السياسيين والأحزاب والسلطات أخطاؤهم التطبيقية هم، ومعايير الإسلام تحكم عليهم ولا يحكم على الإسلام من خلالهم، وليست أخطاؤهم بالضرورة دليلا عن خطأ في المنهج الذي يتبنونه، وقد يسري الخطأ على بعض المناهج، وهو ما عايشناه في معظم البلدان العربية والإسلامية الأخرى، إنما لا يسري على الإسلام نفسه دينا ومنهجا ربانيا، ولا يمنع ذلك من أخطاء يرتكبها واضعو المناهج التطبيقية له.

 

خلاف في الصباح وقهوة في المساء

لم يكن انقلاب ثورة الإنقاذ قد وقع بعد عندما تعرفتُ في مطالع فترة إقامتي طالبا في ألمانيا على الأخ الصديق عبد الرحمن سعيد من السودان (أصبح في حقبة لاحقة سفيرا لبلده في ألمانيا وتوفي مؤخرا رحمه الله) وأحببت أهل السودان من خلاله، وتعرفت على كثير من خصال شعب السودان عبر خصاله، وتعلمت الكثير عن واقع السودان من الأحاديث الودية الطويلة معه، وبقي في النفس من الانطباعات ما عززته الأعوام التالية، وفي مقدمتها ارتفاع نسبة الوعي السياسي بين عامة أهل السودان، ومنها أنهم يعيشون حقيقة لا كلاما ما يعنيه المثل المعروف أن "الخلاف لا يفسد للود قضية"، فكان ما نسمع به ونتابعه من خلاف سياسي شديد في النهار لا يمنع المختلفين من الجلوس معا لتناول فنجان من القهوة أو كأس من العصير في المساء.

 

15 معتقلا في زنزانة مساحتها متر مربع!!

كانت لي ثقة كبيرة بمنظمة العفو الدولية، ولا تزال، فكثير من أنشطتها يساهم في  التعريف بمظالم تجري بعيدا عن العيون وعدسات التصوير، وهذا مما جعلني أتشكك من خلال موقفها من السودان، فيما كنت أعتقده بصدد عدم مصداقية حملة غربية كبيرة تعرض لها في السنوات الأولى لثورة انقلاب الإنقاذ، وشملت كثيرا من وسائل الإعلام العربية، فعندما صدر تقرير رسمي وشامل عن المنظمة حول ما يجري في السودان، أردت - بحكم المهنة الإعلامية ونتيجة الرغبة الذاتية - أن أتعرف مباشرة عما حمل التقرير من "معلومات" عن مظالم بحق الإنسان والإنسانية، تضمنها كتاب أصدرته المنظمة بعدة لغات، فحضرتُ مؤتمرا صحفيا عقدته المنظمة للتعريف بالنسخة الألمانية للكتاب ومحتواه، وكان فيه الكثير، وتبين لي لاحقا أن المصدر الرئيسي ممثلو أحزاب المعارضة خارج الحدود لا سيما في لندن. وحرصا من المنظمة على تعزيز محتويات الكتاب بشهادة حية، أتت بشخص قيل إنه كان معتقلا وأفرج عنه، فجعل يتحدث عن صنوف التعذيب التي تعرض لها، وذكر الكثير، ولكن عندما ذكر أيضا أنه وُضع مع 14 معتقلا آخر في زنزانة طولها متر واحد، وعرضها متر واحد، حاولت أن أتمثل المشهد، وكان يعني أنهم إما من الأقزام بطول 10-15 سنتيمترا، أو أنهم كانوا مكدّسين فوق بعضهم بعضا.. وفقد كلام "المعتقل الشاهد" مصداقيته لدي، كما فقد الكتاب ومن وضعوه ومن أمدهم بمعلومات ما مصداقيتهم أيضا.

 

التعذيب!

لا أؤيد السلطات السودانية في أي وقت من الأوقات، وتحت أي عنوان من العناوين، وبأي ذريعة من الذرائع، عندما تمارس كبتا للمعارضة السياسية في السودان نفسه، ولا أجد ما يستدعي تبرئتها أو إدانتها بذلك، فكثير مما يعلن عنه بهذا الصدد لا يمكن التثبت من حقيقته إلا بصعوبة كبيرة، وعندما دُعيت إلى مؤتمر إسلامي كبير برعاية حكومية انعقد في السودان بعد خمسة أعوام من ثورة انقلاب الإنقاذ، أردت التعرف على الواقع السياسي من كثب، وكان مما لفت نظري في أروقة مقر المؤتمر، وجود أفرادٍ كان أحد الأحزاب الكبيرة المعارضة يرسل بهم إلى "داخل المؤتمر الحكومي"، فلا يمنعه أحد من الالتقاء بالمدعوين، واحدا بعد الآخر، ليحدثهم عن رؤى المعارضة وواقعها، وليصحب بعضهم إلى لقاء مباشر مع زعيم ذلك الحزب في بيته، وكان مما ذكره لي أنه كان معتقلا، فقلت: ولكن أنت معي وتتحدث إلي، قال إنه أفرج عنه بعد ثلاثة شهور من التعذيب، قلت: حمدا لله، ففي بعض البلدان يغيب المعارض في السجون عشرات السنين ولا يجرؤ أهله عن مجرد السؤال عن مصيره، وعند الإلحاح عليه أن يحدثني عن أشد صنوف التعذيب التي تعرض لها، قال إنه كان يوضع داخل سجادة (بساط) تطوى عليه، ثم تفتح بقوة فيتدحرج على الأرض!.. ولا أدري هل كان صادقا أم لا، إنما كانت تلوح لي صور أخرى بشأن ما تعنيه كلمة "التعذيب" في المعتقلات!

 

كبت المعارضة الحزبية السياسية

حظيت بأن أكون أحد من اصطحبهم ذلك الشاب على انفراد إلى بيت زعيمه الحزبي، وأشهد على نفسي أنني كنت أقرا له وأعجب ببعض ما يكتب وإن وجدت فيه تعقيدا في التفكير والتعبير، ومكثت إلى جانبه في بيته زهاء ثلاث ساعات، وهو يحدثني عن موقفه السياسي ورؤاه بإسهاب كبير، ويهديني بعض كتبه ويشرح ما فيها، وأشهد على نفسي مرة ثانية، أن القليل مما كان يقنعني عبر كتاباته الصحفية من قبل، "تبخّر" في تلك الجلسة الخاصة، فما سمعت منه شيئا مقنعا عن مظالم السلطة - علما بأن مجرد منع المعارضة من التعبير عما تريد هو في صلب اقتناعاتي ظلم سياسي مرفوض - وما استطعت أن أجد فيما ساقه من مسوّغات أمرا واحدا يجعلني أبدل اقتناعي بأن "التعاون مع الدول الغربية" مقبول بالصورة التي كان يشرحها.. وحمدت الله أنه من المعارضة!

على أن مما لفت نظري كثيرا، أن ما سميته "بيت" ذلك الزعيم المعارض، كان قصرا منيفا، تحيط به حدائق غناء، وسط أرض السودان الفقير، وكان لا بد لي أن أقارن بين ذلك القصر الذي يقيم فيه المعارض السياسي المظلوم(!) وبين منزل غلب السواد على جداره الخارجي، وتكسر بعض ألواح نوافذه الزجاجية، ولا يمكن التمييز بينه وبين المنازل حوله، وقد قال لي صاحب سيارة الأجرة عند مرورنا أمام ذلك المنزل، إنه منزل الوزير الفلاني من الحكومة السودانية!

كما لفت نظري أن جميع "سيارات المرسيدس" التي كانت تابعة للحكومة فيأتي بها أعضاؤها بمن فيهم رئيسها البشير، كما يُستخدم بعضها في نقل الزوار الضيوف على المؤتمر.. جميعها كان عمره "خمس سنوات" على الأقل، أي كعمر ثورة انقلاب الإنقاذ آنذاك، أما السيارة الوحيدة الفخمة "الجديدة" - أي من طراز 1994م يومذاك - والتي رأيتها في شوارع السودان، فكانت تلك التي نقلتني من قاعة المؤتمر إلى قصر الزعيم الحزبي المعارض، وكانت إحدى "سياراته"!

 

صوت الحكومة في الشارع

كثيرا ما غادرت قاعة المؤتمر منفردا، ونزلت أمشي في شوارع الخرطوم، أو أنتقل بسيارة أجرة إلى بعض الأمكنة، وكنت حريصا على أن أسمع أحاديث العامة في الشارع وفي المقهى وفي الحانوت وفي سيارة الأجرة، وقد سمعت في جلسات خاصة من جانب بعض المسؤولين "قصصا" كنت أصنفها في باب الدعاية السياسية، منها مثلا أن أحد طرق السيارات بين العاصمة وساحل البحر الأحمر بدأ بناؤه بقرض من صندوق النقد الدولي، ولم يتم إنجاز عشرين في المائة منه، إلا وواجهت الحكومة فجأة انقطاع دعم الصندوق تحت ضغوط غربية، ولم تجد من يعوض ذلك من "صناديق الدعم العربية"، فأعلنت الحكومة لشعبها عن المشكلة، واقترحت أن يقوم متطوعون في عطلة الصيف المقبلة باستكمال عملية بناء الطريق، وهذا ما حدث فعلا فقد كانت الاستجابة الشعبية كبيرة.. وسمعت تلك القصة بتفاصيلها أثناء إحدى جولاتي الخاصة في شوراع الخرطوم.

وسمعت من بعض المسؤولين أيضا قولهم إن الدول النفطية الخليجية قطعت إمداد السودان بما يحتاج إليه من النفط بعد ثورة انقلاب الإنقاذ، ولم يبقَ له من مصدر سوى ليبيا (وكان تعاون القذافي في البداية مع السودان ردا على إلغاء اتفاق عسكري بينها وبين حكومة السودان السابقة للانقلاب) وفجأة قطعت ليبيا إرسال النفط دون إنذار مسبق، فتوجهت الحكومة إلى شعب السودان طالبة الصبر على انقطاع الوقود في البلاد لعدة أسابيع (ولم يكن قد اكتُشف وجود النفط في السودان بعد) إلى أن تتدبر الأمر، فكان التجاوب كبيرا، ولم تقع اضطرابات أو احتجاجات تذكر، وأمكن تجاوز الأزمة.. وسمعت القصة نفسها بتفاصيلها أثناء إحدى جولاتي الخاصة في الخرطوم أيضا.

وتلكما قصتان.. من قصص أخرى مشابهة.

 

الحصار

لقد واجه السودان منذ مطلع ثورة انقلاب الإنقاذ حصارا إقليميا ظالما، وليس حصارا غربيا معاديا فقط، وبعض ما كنت أتابعه بحكم المهنة إعلاميا، كان يفتقر أحيانا إلى شواهد توثيقية، فممارسة الحصار لا تعلن في التصريحات الرسمية، بل تطبق على أرض الواقع، ولم يكن السودان يملك الكثير من سبل طرح مشكلاته إعلاميا، وبعد تلك الزيارة للسودان أردت نشر بعض الانطباعات، فأرسلت بها في مقالة إلى جريدة أسبوعية إسلامية العنوان، وهي جريدة "المسلمون" التي كانت تصدر عن شركة النشر السعودية التي تصدر أيضا "الشرق الأوسط" و"سيدتي" و"الرجل" وغيرها مما هو معروف باتجاهاته، وكنت أكتب في جريدة "المسلمون" بانتظام في فترة استلام د. عبد القادر طاش رحمه الله رئاسة تحريرها، وكان أحد أعمدة الإعلام الإسلامي، وأُغلقت الجريدة بعد أن ازدهرت في عهده ووجدت إقبالا كبيرا، إذ تم تعيين سواه مكانه وهي في أوج ازدهارها، لتنحرف سياسة رئاسة التحرير بها مجددا عن التوجهات الإسلامية الإعلامية الراقية مهنيا في عهد طاش، ثم كان إغلاقها من جانب الشركة بذريعة انخفاض الإقبال عليها.. آنذاك نشرت الجريدة المقال الإيجابي عن السودان الذي بعثت به إليها على الصفحة الأولى، وبعد يومين جاءني اتصال هاتفي يقول، إن المقال سبب مشكلة كبيرة فقد وبخت جهات مسؤولة رئاسة التحرير بشدة على "فعلتها" تلك.. وأيقنت آنذاك أن المسألة ليست مجرد حصار سياسي لخلاف في وجهات النظر، بل هو حصار شامل لخنق السودان، دون أن يصدر عنه في تلك الفترة أي سياسة تفسر بالعداء لدول الجوار أو الدول الشقيقة عموما، سوى أن اتجاه الحكم فيه حمل العنوان الإسلامي!

 

طالبات السودان

لم أكن أثناء زيارة السودان أرصد "إعلاما" بمعنى الكلمة، فالتلفاز والإذاعة والصحف على جانب كبير من الضعف، والإعلام يحتاج إلى تمويل رسمي أو عبر الإعلانات التجارية، وكلاهما لم يكن يتوافر للسودان، وكنت أحسب أن أهل السودان مقطوعون عن العالم الخارجي، لا سيما وأن موجة الفضائيات (النافعة وغيرها) لم تكن قد انطلقت في البلدان العربية بعد، ودعيت أثناء وجودي في الخرطوم إلى إلقاء محاضرة على طالبات جامعة الخرطوم، ولم يتحقق ذلك -للأسف - بسبب وصولي متأخرا عن الموعد، فاستقبلتني بضع طالبات من المسؤولات عن "اتحاد الطالبات السوداني" ساعة من الزمن في لقاء ودي دار الحديث فيه - بحكم قدومي من ألمانيا - عن الغرب وأوضاعه، وفوجئت إلى حد كبير بحجم المعلومات التفصيلية المتوافرة لديهن، ودرجة الوعي السياسي الكامن في نظراتهن التحليلية للأحداث، وقدرتهن الفائقة على ربط الأسباب بالنتائج، وجميع ذلك مما يتناقض - ليس مع حال الإعلام في السودان فقط ومع مزاعم واتهامات عن وضع المرأة في ظل الإسلام - بل يتناقض أيضا مع تلك الحفر المليئة بالماء التي كان علي أن أتجاوزها على باب جامعة الخرطوم في ذلك اللقاء.

وأدركت يومذاك ما يعنيه صديقي القديم عبد الرحمن سعيد رحمه الله، عندما كان يحدثني عن مستوى الوعي السياسي - وليس الوعي العام فقط - لدى شعب السودان.

 

تفتيت السودان

لئن كان انقلاب عسكري يستحق وصف الثورة - وهو ما لا أحبذه فتسمية الاشياء بمسمياتها هو الأفضل - فهو انقلاب الإنقاذ في السودان، فقد كان ارتباط قادته بالشعب ارتباطا كبيرا، ولا ينفي ذلك وقوع أخطاء جسيمة، في التعامل مع من حاولوا الانقلاب على الانقلاب آنذاك، أو في التعامل مع الخلافات بين أطراف انقلاب الإنقاذ، أو في بعض الميادين السياسية، وليست هي موضوع الحديث هنا، إنما الثابت في الحصيلة، أن استهداف السودان لم يكن وليس هو الآن بسبب أخطاء قادته السياسيين، وكثير منها لا يستحق وصفه بالأخطاء بالمقارنة مع سياسات إقليمية أخرى، ولا يستحق التعامل مع المعارضة أن يوصف بالمظالم عند عقد مثل تلك المقارنة، إنما كان استهداف السودان – بما في ذلك استهداف رئيسه البشير - وما يزال صادرا عن حرص أعداء المنطقة وليس أعداء السودان بحد ذاته، على تفتيت الدولة الأكبر عربيا وإفريقيا بمساحتها، والأثرى بأرضها الزراعية، والأغنى بتنوع سكانها وطوائفهم واتجاهاتهم، والأكثر تفوقا بوعي شعبها السياسي، وقدرته على التلاؤم مع أشد الظروف المحيطة ببلده، ولن تكون حصيلة تفتيت السودان - إن وقعت لا سمح لها - مصدر قوة لدويلة تقوم في الجنوب، أو دويلة تقوم في دارفور، ولن تكون مصدر قوة واستقرار لأي دولة إقليمية، إنما متى كان استهداف حكومة السودان منفصلا عن استهداف شعبها بمختلف فئاته أو عن استهداف أحزاب المعارضة فيه، أو متى كان منفصلا عن استهداف المنطقة العربية والإسلامية واستهداف القارة الإفريقية أيضا؟

نبيل شبيب

 

اقرأ أيضاً

لا يوجد مستبد عادل وغير عادل، بل الاستبداد مرفوض مهما كان شأنه، بأي صيغة وأي اتجاه


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق