شذرات وكلمات

الانتقام المحض مرفوض لضحايا الاستبداد الهمجي.. أما إسقاطه فيبقى الواجب المشروع المفروض

إذا بدا لك الهدف الجليل مستحيلا، ارتفع أنت إلى مستواه لتراه ممكنا

العيد مناسبة لتجديد العزم على الحد من المآسي وصناعة الأمل وسلوك طريق العمل.. ولا مكان للغفلة ولا القعود ولا التجاهل

المطلوب في شهر رمضان الفضيل وسواه.. ذكر يحيي القلوب.. ووعي يرشد العقول.. ودعاء يقترن بالتخطيط والعمل

أكبر المخاطر أن يصبح التيئيس نهجا والانهزامية حنكة بطولية

الإقصاء من صنع الاستبداد ومن يمارسه يعيد إنتاج الاستبداد

أسوأ ألوان الاختلاف هو الاختلاف على الارتباط بهذه القوة الأجنبية أو تلك

لقد شمل التشريد الوطن.. قبل أهله، والعودة هي عودة الوطن إلى أهله وعودة أهله إليه


مع مطلع رئاسة بوتفليقة عام 1999م

تحليل - المصالحة في الجزائر على طريق الألغام

الخطر الأكبر على مسيرة المصالحة يكمن في أن ينحرف أحد أطرافها عن الطريق الذي ما يزال في بدايته

(هذا نص مختصر قليلا عن مقالة نشرت في مجلة الإصلاح من منتصف عام 1999م، عندما استلم عبد العزيز بوتفليقة منصب الرئاسة على خلفية ازدياد احتمالات المصالحة الشاملة بعد ما عرف بالعشرية الدموية في الجزائر، ويفيد الرجوع إلى تلك الفترة لتجنب الانحرافات الآن في عام 2019م في التعامل مع الثورة الشعبية/ أو الحراك كما يتردد عنه)

 

"الرافضون مبدأ المصالحة الوطنية على أسس عادلة واعتراف متبادل بالخطأ.. يريدون تعميق الشرخ وإطالة المأسـاة ودفع الوطن إلى مصير مجهول"

هذه كلمات وردت يوم 19 / 3 / 1999م في افتتاحية نشرة "الرباط" التي تمثّل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، لتؤكّد الإصرار على طريق المصالحة من جهة، ولتشير من جهة أخرى إلى وقوع أخطاء في الماضي يجب تجنّبها.. كما أنّها تتضمّن الحديث عن وجود من يرفض المصالحة الجارية ويمكن أن يعمل على عرقلتها رغم جسامة الخطب وفداحة الجريمة!

 

ألغام سابقة

عندما استلم الرئيس الجزائري السابق زروال منصبه في 16/ 11 / 1995م بدأت تتردّد الآمال داخل الجزائر وخارجها، وبما شمل أوساط الجبهة الإسلامية للإنقاذ أيضا، أنّ ما أعطاه من وعود سابقة للسير في طريق المصالحة، سيجد طريقه إلى التطبيق قريبا.. ولكن بعد مرور عامين على رئاسته ثبت النقيض من ذلك بشكل واضح، حتى وصل إلى سدّ  الطريق كلية في وجه  المصالحة مع جبهة الإنقاذ بالذات، وهي طرف رئيسي لا يمكن تجاهله، فكان ممّا نسب إليه قوله إنّه يفضل الموت على فتح ملف الجبهة من جديد.

ولكن زروال وجد - كآخرين سواه ممّن اعتبروا سياسته هي السبيل الوحيد المفتوح أمام الجزائريين - أنّ المصالحة اتخذت عام 1997م دربا آخر، بمشاركة جناح رئيسي من قادة الجيش، وعبر الاتصالات المباشرة مع زعماء الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فردّد الرئيس الجزائري السـابق تعليلات جديدة لموقفه الرافض، كالقول إنّ المفاوضات تجري مع "الجناح الآخر" في الجيش، معرّضا بأنّها قيادات متهمة بالارتباط بفرنسا، وهو يعزّز بهذا الموقف ترجيح صحّة القول إنّ واشنطون تعتبره ركيزة لسياستها في الجزائر، ولهذا كان تأييدها لسياسة "الانفتاح على المعارضة" لا يتجاوز حدود الانفتاح "الانتقائي" على فريق دون آخر، على حسب موقف تلك المعارضة من واشنطون، وليس موقفها من المصلحة الوطنية وما تقتضيه من مصالحة شاملة.

وقد حجبت هذه الأجواء السلبية في الفترة الأخيرة من فترة رئاسة زروال الأنظار عن رؤية ما تمّ من خطوات واسعة النطاق للمصالحة، جعلتها تصل إلى ما يسمّى "مرحلة اللاعودة"، بدءا باندماج أعداد كبيرة من عناصر الجيش الإسلامي للإنقاذ في القوات المسـلحّة الجزائرية، مرورا بممارسته دورا إيجابيا في دفع مزيد من الفصائل المسلّحة إلى المشـاركة في الهدنة المعلنة، وانتهاء بالمشاركة في العمليات العسكرية للتخلص من المجموعات التي بقيت حتى الآن ترفض استخدام لغة أخرى غير أسلوب التقتيل والتفجير.. وبقي النسيج السياسي الجديد المطلوب للمستقبل.

ولعلّ أكبر الألغام السابقة التي هددت مسيرة المصالحة ما كان في الأيام الأخيرة قبل انتخابات الرئاسة الجزائرية، عند ظهور مدى انحياز قادة الجيش الجزائري لصالح عبد العزيز بوتفليقة من بين المرشحين لمنصب الرئاسة، وعلى حساب الآخرين لا سيّما أحمد طالب الإبراهيمي، الذي كان أشدّ المرشحين تأييدا للمصالحة الشاملة ودون استثناء الطرف المحظور من التيار الإسلامي، كما كان أقرب المرشحين وفق معظم التقديرات إلى النجاح في انتخابات حرة نزيهة. في تلك الفترة الحرجة، ورغم انسحاب المرشحين الآخرين جماعيا من حلبة الانتخابات، كان يلفت النظر مدى الحرص على ما يسمّى لغة الاعتدال في البيانات "الاحتجاجية" الصادرة عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وتصريحات المتحدثين باسمها في الخارج، وعلى وجه التحديد في ألمانيا وبلجيكا. وربّما ارتبط ذلك بتأكيدات سرية من جانب الجيش، أنّ وجود بوتفليقة بالذات في السلطة، يسهّل تثبيت ما تمّ من المصالحة وتقبلّه من جانب سائر قطاعات الجيش.

وفي الواقع.. ومع كلّ التأكيد أنّ حرية الانتخابات ونزاهتها بعيدا عن الضغوط والانحياز، هي المطلوبة في مختلف الظروف، إلاّ أنّ وصول عبد العزيز بوتفليقة بالذات إلى الرئاسة الجزائرية قد أعطى بهذا المنظور دفعة جديدة للمصالحة المطلوبة. لا سيّما وأنّه سبق ورفض قبل سنوات استلام الرئاسة بشروط من شأنها القبول بما أراده "الاستئصاليون" آنذاك، علاوة على أنّه لا يوجد من يشكك في أصل قدرته السياسية على النهوض بمهام المنصب في فترة حرجة من تاريخ الجزائر، اعتمادا على خبرته السابقة كوزير للخارجية لسنوات عديدة في عهد الرئيس الجزائري الأسبق بومدين، أي في فترة لم تتوفّر له فيها المعرفة المباشرة بمختلف القوى والزعامات السياسية داخل الجزائر فحسب، والتي كان وما يزال معظمها يؤثّر في صناعة القرار وصناعة الحدث، بل توفرت له أيضا الخبرة الضرورية في التعامل مع القوى الدولية، لا سيما تلك التي لا تريد أن تترك الجزائر وشأنها داخليا، لاسيّما فرنسا التي لم تنقطع عن دعم فريق ضدّ فريق في الجزائر، والولايات المتحدة الأمريكية التي تعلن بياناتها الرسمية باستمرار تأييدها للمصالحة وتمارس واقعيا سياسة الدعم المباشر لعرقلة المصالحة، كما اتضح للعيان في الفترة الثانية من عهد زروال على وجه التخصيص.

 

ألغام قادمة

لأنّ الدرب الراهن للمصـالحة يعد بالنجاح، ولأنّ الثبات على الإعداد له زهاء عامين حتى الآن قد بدا يعطي ثمـاره فعلا.. فلا بد من توقع مزيد من الألغام في المرحلة المقبلة، بل توقع ما هو أخطر مما كان يصنع سابقا بأسلوب الألغام.. هذا ما يسري على حالة الجزائر بالذات، إذ قطعت المصالحة شوطا كبيرا ووصلت إلى مرحلة تسمح بالقول، فلم يعد يجدي بمنظور الرافضين لها أن يحاولوا بصورة مباشرة ّمواجهة أنصارها من مختلف الأوساط السياسية والعسكرية والشعبية، وهذا ما يضاعف الخطر، فالعجز هو الذي يدفع إلى بث الألغام بدلا من المواجهة العلنية، وإلى تفجير الأحداث بدلا من التفاعل الطبيعي مع مسارها.

ويمكن انتظار مثل تلك الألغام من أكثر من جهة قد تتوقع من المصالحة أن تلحق الضرر بمصالحها الذاتية، المشروعة وغير المشروعة، فالمؤسسة العسكرية كما يسمّيها الجزائريون لم تتحوّل بصورة كاملة من التوجهات التي سيطر عليها ما يوصف بالتيار الاستئصالي، إلى التوجهات التي يسيطر عليها تيار المصالحة في الوقت الحاضر، ولا يستبعد أن يقع فريق ممّن يخشون ضياع ميزات مادية واجتماعية محضة يتمتعون بها منذ زمن بعيد.. أن يقعوا في حماقة المغامرة بانقلاب عسكري أو حملة اعتقالات أو ما شابه ذلك من سبل سبق إخفاقها من قبل، وسبق ظهور خطرها أيضا، بل يمكن أن تنطوي الآن على خطر أكبر من خلال تفجير صراع محتمل بين أجنحة القوات العسكرية نفسها، ومن المعروف أن سلوك طريق من هذا القبيل أغرق كثيرا من الدول النامية في الانهيار والضياع والتخلّف لعشرات السنين.

ولا يستبعد أن يقع بعض الأحزاب في إغراء ما سبق اصطناعه تحت عنوان "تأييد شعبي" عبر عمليات اقتراع ماضية، أقلّ ما توصف به أنّها ناقصة ومشبوهة، فتسعى تلك الأحزاب لتكرار الأساليب المتبعة آنذاك، وتتوهّم تحقيق نتائج مماثلة، فتتحوّل المصالحة من عملية تغيير في الاتجاه السليم، إلى عملية تزييف في الاتجاه المعاكس.. وقد تجد على ذلك أنصارا من الأوساط العسكرية التي تتوهم بدورها أنّ الهدنة المعلنة وأنّ تحوّل المقاتلين سابقا إلى جنود في القوات المسلّحة حاليا، قد أضعف الطرف الرئيسي في الأزمة الجزائرية، فيمكن بعد "إيقاعه في فخ المصالحة" إذن جني النتائج عبر الغدر به!

 

في الساحة العربية

من المؤكّد بعد ذلك أنّ الألغام التي تصنعها القوى الخارجية لن تنقطع، فرغم سـائر المواقف الرسمية بشأن تأييد سياسة المصالحة داخل الجزائر، وأنّها شأن داخلي محض ستبقى الجزائر كسواها من البلدان العربية والإسلامية، هدفا من أهداف جهود متواصلة تبذلها القوى الدولية علنا بهدف بسط سيطرتها عالميا، فلا يهمّها من يحكم هذا البلد أو ذاك، ولكن يهمّها تطويع الوضع الراهن في أي بلد لما ينسجم مع تلك السيطرة.

لا داعي للوقوف طويلا عند ما ينتظر من ألغام "خارجية" على هذا الصعيد، فهذه ممّا يجب وضعه في الحسبان ومواجهته على الدوام، من قبل الأزمة الجزائرية وأثناءها، ومن بعد ظهور بوادر المصالحة الجزائرية أيضا، كما أنّها ستبقى بغض النظر عن نتائج تلك المصالحة.

ويتبنى بعض الأقلام الإعلامية العلمانية في التعليق على الحدث الجزائري أساليب كأنّها تريد الاستفزاز لمثل تلك الخطوات المضادة لمصلحة الجزائر ومستقبلها، ومصلحة المنطقة العربية عموما، فتفسير تلك الأقلام لكل خطوة إيجابية نحو المصالحة من الطرف الإسلامي في النزاع الجزائري، أنّها خطوة تراجع أو عجز أو انهيار أو انقسام أو ماشابه ذلك من تكهنات لا تستند إلى معلومات موثقة ولا تحليلات منطقية.. هذا السلوك لا يتنافى مع "روح المصالحة" كما يقال فحسب، بل يسقط عن تلك الأقلام نفسها أي مصداقية تزعمها لنفسها، بعد أن كانت هي نفسها تطالب الطرف الإسلامي في الأزمة بمثل تلك الخطوات "لصالح الجزائر وشعبها".. فهل فرغت هذه الكلمات من محتواها بعد الاستجابة لها، أمّ أنّ المقصود هو مجرّد التحامل على التيار الإسلامي في الجزائر، سيّان في أي اتجاه تحرّك، وما هي السياسة التي يمارسها.

رغم ذلك يمكن التأكيد أنّ الخطر الأكبر على مسيرة المصالحة التاريخية في الجزائر، لا يكمن في تلك الألغام التي يمكن أن يزرعها هذا الطرف أو ذاك من الداخل أو الخارج، بل يكمن في أن يرتكب أطراف المصالحة أنفسهم خطأ جسيما، بانحراف أحدهم عن الطريق الذي ما يزالون في بدايته، وما تزال عقباته كبيرة، يتطلّب تجاوزها قدرا كبيرا من التصميم على المتابعة، والدأب في بذل الجهود اللازمة، لقطع الطريق مرحلة بعد أخرى، رغم الألغام السابقة التي يجب أن يقتصر ذكرها على الاستفادة من خبرة عملية بينت للجميع مخاطرها ومصادرها، وبالتالي للعمل على الكشف في الوقت المناسب عن مواقع ألغام مقبلة محتملة، وتجنّب مخاطرها مسبقا، وتجاوز من يزرعها، لتواصل قافلة الجزائر مسيرتها نحو برّ الأمان بعون الله وفضله.

نبيل شبيب

 

اقرأ أيضاً

الجريمة المحورية الأعظم هي جريمة ادعاء حق أي طرف الوصاية على الشعوب

دواعي الاطمئنان لمستقبل الحراك الثوري في الجزائر لا تتعارض مع رؤية المخاطر والمنزلقات


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق