كلمات وشذرات

كل من لا ينضوي تحت راية "تحرير إرادة الشعب" لا ينتسب إلى الثورة، سواء كان من أهل البلد أم ممن تحركوا لنصرتهم

راية تحرير إرادة الشعب هي الراية الثورية الجامعة الملزمة.. في نطاق كل قطر ثائر

في الثورة الشعب الثائر هو الأهم من أي طرف من الأطراف السياسية والفصائلية وغيرها

الثورة هي "الأكبر" من جميع التشكيلات الثورية مع بعضها بعضا.. سيان من تضم وأي راية ترفع

لا ينبغي الخلط بين خدمة الثورة وهي خدمة مشكورة.. وفرض السيادة على الثورة وهذا سلوك مرفوض

لا ينهي الثورات عدو دولي إذا التقى الثوار على العمل لها.. وتنتهي إن افترقوا وتراجعوا.. ولو غاب العدو الدولي

لا تحتاج الثورات إلى ساسة وارثين لخنوع ما قبل الثورات، بل إلى ساسة مبدعين على مستوى إبداع شعوب صنعت الثورات

الثورات جذوة تغيير، تتحول عبر حقبة من الزمن.. إلى أنوار كاشفة للحق ونيران حارقة للتضليل، ودواء يعالج الأوبئة

ما أكثر من يعرف كلمة الحق وما أقل من يعرف ثمنها ويجهر بها

الجهر بالحق واجب كفائي فهل ننجو من الإثم إن بقي الأداء دون حدّ الكفاية؟

لكلمة الحق درجات.. أدناها التواصي بالحق والصبر وأعلاها مرتبة سيد الشهداء

بقدر صدقنا قولا وعملا بشأن المقاومة، يتسارع العدّ العكسي لعصر النكبات


 

معذرة لرواد مداد القلم في حال ظهور بعض الخلل في ترتيب المواضيع ومشاهدتها، فالموقع يشهد بعض التطوير الفني ومن حيث المحتوى دون أن تنقطع إضافة الجديد إليه

 

Google Plus Share
Facebook Share
عطاء متدفق منذ عشرات السنين

مع يوسف إسلام

أما يوسف إسلام فيقول في إحدى المناسبات: "لم أخسر.. كسبت مليار أخ مسلم"

 

(كان ميلاده يوم ٢١/ ٧/ ١٩٤٨م، ونشرت هذه السطور حوله مع بلوغه الستين من عمره، قبل عشرة أعوام، ويعاد نشرها في هذه الإصدارة من مداد القلم مع بلوغه السبعين من العمر قبل بضعة أيام)

- يمكن تحميل النص كاملا (يسارا) بصيغة pdf

 

يوسف

إسلام يوسف

قبل مسيرة الهداية

لماذا أنا هنا راقد في هذا الفراش؟

لحظة خطر.. وسنوات وفاء

القدس طريقي للإسلام

الغرب وإسلام يوسف

يوسف والإسلام

لماذا أنا أنا وأنت أنت!

من إنجازات يوسف

بعض التكريم

 

"تسألني عن اسمي، أخذت اسمي من سورة يوسف، وهي السورة التي كانت طريقي إلى الهداية، فقد بكيت عندما قرأت هذه السورة".

تلك كلمات نُسبت إلى يوسف إسلام جوابا على سؤال صحفي، وما انقطع اهتمام الإعلام الإسلامي به منذ اعتنق الإسلام، ولعله هو بالذات الأقرب إلى فهم تساؤل يطرحه كاتب هذه السطور: علام هذا الاهتمام؟ وعلى وجه التخصيص علام الاهتمام الكبير بشخصه، بقصة إسلامه، ثم بعطائه في الدعوة؟ هل ذاك وسيلة للهدف الحقيقي الذي يرجوه يوسف إسلام، وتحتاج إلى تحقيقه الساحة الإسلامية عموما، أي التحرّك العملي الناشط على طريق الدعوة، كلٌّ في الميدان الذي خُلق له، ويمتلك من الإمكانات والمواهب ما يناسبه، ويستفيد من الظروف حوله ما استطاع إلى ذلك سبيلا!

يخيّل لكاتب هذه السطور -ولا يعمّم- كأنّنا نبحث أحيانا عن مثل هذه النماذج الناشطة، فنكتب عنها من باب إعذار أنفسنا لعدم التحرّك بعزم ونشاط، كما يتحرّك هؤلاء، ونحن قادرون على أن نكون ممّن تسري عليهم الآية الكريمة {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} -المطففون: 26- وقد يكتب بعضنا عن هؤلاء كما صنعنا كثيرا تحت عنوان "الفنانات التائبات"، للاستشهاد على صحّة طريق الإسلام، وفي ذلك ما قد يوحي بعكس المقصود، فالثابت الذي ينبغي تأكيده على الدوام، أنّ طريق الإسلام كما حدده رب العالمين ليس بحاجة إلى شهادة فلان وفلان، ولا يشهد على عدم صحته وجود ما لا يحصى من المشاهير والمجاهيل الذين عرفوه ولم يلتزموه، وكذلك لا يشهد على صحته ولا يزيد قيمته اعتناقه من جانب من نشأ على غير الإسلام من مشاهير ومجاهيل، إنّما هي نعمة الإيمان، حُرم منها من حرم، وأما من فاز بها فقد فاز فوزا عظيما {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} -الحجرات:17-

 

غير أن الكتابة عن نماذج للقدوة تفيد دون ريب، وفي حياة يوسف إسلام -الذي بلغ في 21/ 7/2008م الستين من عمره- كثير من الجوانب التي تفيد الراغبين في الاقتداء به، دون إغفال أنّه كسواه، يخطئ ويصيب، ويجتهد لنفسه اليوم بغير ما اجتهد به بالأمس، وذاك ما يقول به عن نفسه، في أمور عديدة، أبرزها وأشهرها تعامله مع الآلات الموسيقية عزوفا عنها بعد ما أسلم مباشرة ولفترة طويلة، ثم عودته إلى استخدامها تدريجيا، حتى بلغ بذلك (عام 2006م) أن أصدر آخر مجموعاته الموسيقية (فنجان آخر) فكانت مما يسمّى (موسيقا البوب) استئنافا لما اشتهر به قبل الإسلام، فدفعت بعض من يكتب عنه في الغرب إلى القول، إن حياة يوسف إسلام تشمل ثلاث مراحل، وبهذا الإصدار الغنائي بدأت المرحلة الثالثة منها!

 

هل من مزيد يمكن أن يُكتب عن يوسف إسلام وبين أيدينا الكثير عن سيرة حياته، وأنشطته، وأغانيه وأناشيده، ومقابلاته الصحفية، ونماذج من كلماته وممّا قيل عنه؟!

لن يجد القارئ في الفقرات التالية إذن معلومة جديدة لا يجدها في مكان آخر، إنّما هي كتابة من قبيل التصنيف -كما صنع قدماء كتّابنا- وليس من قبيل التأليف، أو هي تبويب عدد من النقاط عن يوسف إسلام، تحت عناوين قد تساعد على الاستفادة من هذا النموذج، ففي حياته وتعامله مع الدعوة في عالمنا المعاصر الكثير من الإنجاز، ولا يستهان بشيء منه، إنّما مع الحرص على عدم رفع مقام صانع الإنجاز أكثر ممّا ينبغي، وهذا ما لا يحبّه "يوسف"، الشديد التواضع، وقد بدأ كلامه مع أحد الصحفيين الحائرين كيف يتكلم معه، فقال ببساطة "قل يوسف!".

كما قاطع أحد الإعلاميين المسلمين وهو يمدح إقدامه على إنشاء مؤسسة "العون الإسلامي": "أخيالكريملاتجعلنيأُكثرمن "الأنا" لأناللهجلّوعلايقول {فلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ} -النجم:32- وأخشى أن تكون هذه الأمور من ذلك".

وهو أيضا القائل فيما كتبه عن نفسه "أدعو الله أن يكون في قصتي عبرة لمن يقرؤها.. قد قرأت القرآن ولاحظت أنه لا يوجد إنسان كامل، ولكن الإسلام كامل، وإذا قمنا بتطبيق القرآن وتعاليم الرسول عليه الصلاة والسلام فسوف ننجح في هذه الحياة".

 

يوسف

عندما يتحدث الغربيون عنه يقولون هو "كات ستيفنز" المسمّى يوسف إسلام!

وعندما يتحدث المسلمون عنه يقولون هو يوسف إسلام، كات ستيفنز سابقا!

أولئك يريدون التأكيد أنّه شذّ عن طريقهم التي نشأ عليها، وهؤلاء يريدون الاعتزاز بأن هذا المسلم الداعية قد أصبح مسلما بعد أن كان ذات يوم من مشاهير عالم الغناء الصاخب!

والواقع أن "كات ستيفنز" اسم فني كما يقال، اختاره لنفسه في مطلع شهرته الغنائية، ولكنه عندما ولد يوم 21/7/1948م في لندن، أطلق عليه أبوه وكان من القبارصة اليونان وأمه ذات أصل سويدي، اسما آخر، هو اسم ولادته الثلاثي "ستيفن ديمتري جيورجيو".

المهم عند من يكتب هو الإشارة إلى العلاقة بين "يوسف وكات"، وفق منظور استنكار غربي، ومنظور إعجاب إسلامي، أما موضع الاسم عند يوسف فهو قوله عنه كما ورد في مطلع الحديث: "تسألنيعناسمي،أخذتاسميمنسورةيوسف،وهيالسورةالتيكانتطريقيإلىالهداية،فقدبكيتعندماقرأتهذهالسورة".

 

أغلبنا يصاحبه اسمه وما هو من اختياره، ولكن من يمرّ بظروفٍ ما تعطيه فرصة أن يختار اسمه بنفسه، فشأنه في ذلك شأن يوسف، أن يختار أحب الأسماء المؤثّرة على نفسه، وقد اختار الاسم من القصة القرآنية التي أبكته، وذاك ما يمثل الجانب الوجداني العميق لديه، وقد ألحق باسمه كلمة "إسلام"، والإسلام هو ما ملأ عليه اقتناعه العقلاني اليقيني الراسخ.. فقد كان اعتناقه الإسلام عن معرفة وتفكير ويقين.

 

إسلام يوسف

من كتبوا عن سيرة حياة يوسف إسلام أبرزوا ثلاثة أحداث وصلت به إلى الهداية، وغالبا ما تُذكر في سياق قلم غربي يريد اللمز بمعنى "المعجزات الخرافية"، وفي سياق قلم إسلامي يريد التنويه بالعناية الربانية الخاصّة، والواقع أنّ الأحداث الثلاثة كانت محطات زمنية، في نطاق رحلة تفكير ودراسة وتدبّر طويلة، على مدى سنوات، فجاءت أحداثُ "شرح قلبه" للإسلام، مقترنة بجهود ذاتية مباشرة لاستيعاب حقائق الإسلام.

المقصود بتلك الأحداث، أو المحطات:

إصابته المرضية لمدة عام وهو في زهاء العشرين من عمره (1968م) وكان في أوج شهرته الغنائية المبكرة والسريعة.

نجاته من حادثة غرق وهو في السابعة والعشرين من عمره (1975م)، وكان في أوج تفكيره بنفسه والحياة في الكون حوله.

هدية أخيه له بعد رحلة إلى بيت المقدس، وكانت نسخة من القرآن الكريم بالعربية مع ترجمة إلى الإنجليزية، وكانت هذه المحطة بداية الشوط الأخير على طريق إسلامه.

لم تكن المحطات الثلاث لحظات زمنية منفصلة عن بعضها بعضا، بل كان كل منها مقدّمة لما بعدها، مثلما كان الشطر السابق لها من حياة يوسف مقدّمة أولى نجد فيها الكثير، على صعيد نفس متميّزة، بمشاعر مرهفة، وتساؤلات جادّة، أصبحت منطلقا للتفاعل لاحقا مع كل حدث من الأحداث التي تمثلها المحطات الثلاث على حدة.

 

قبل مسيرة الهداية

حتى سنّ الشباب كان يوسف كسواه من فتيان الغرب، يدين بالمسيحية بحكم ولادته في أسرة مسيحية، ويعبث في الحياة كما يعبث سواه في المجتمع الغربي. وظهرت موهبته الموسيقية مبكرة "كنتأرقصوأعزف،وأغنيوأنافيالتاسعةمنعمري" كما بدأ عطاؤه الموسيقي مبكرا "عندمابلغتالخامسةعشرةمنعمريبدأتأهتمبالموسيقىولاحظوالديهذاالاهتمام،واشترىليقيثارةبعدضغوطشديدة.. بعدأقلمنعامينتقدمتكثيرافيالموسيقىوبدأتأكتبالأغانيوألحنهاوأغنيها".

وقليل من المطربين الصاعدين في الغرب من يصيب الهدف من أوّل محاولة، "في سن 17 عاما طرحت في الأسواق أول شريط غنائي يحمل اسمي وانتشر هذا الشريط انتشارا كبيرا، ولقي إقبالا جماهيريا منقطع النظير.." وخلال عامين آخرين، قبل أن يبلغ التاسعة عشرة من عمره، أصبح يوسف ملك عالم البوب الموسيقي كما وُصف في حينه، وأصبحت حياته في الوقت نفسه جزءا من الحياة الغربية في أواخر الستينات، التي شهدت موجات موسيقا الخنافس والبوب وسواها، كما شهدت ما سمّي الثورة الجنسية في إطار الثورة الطلابية. "اجتاحت صوري وأخباري وسائل الإعلام المختلفة فجعلوا مني أسطورة أكبر من الزمن وأكبر من الحياة نفسها وكانت وسيلتي لتعدّي حدود الزمن والوصول إلى القدرات الفائقة هي الانغماس في عالم الخمور والمخدرات".

 

لم يختلف شأنه حتى ذلك الحين عن شأن سواه، أو هذا على الأقلّ ما يؤخذ من أسلوب حياته، وما يتحدّث به عن نفسه "أخذتني تلك الحياة البراقة بمباهجها ومفاتنها فأصبحت هي إلهي. وأصبح الثراء المطلق هو هدفي تأسياً بأحد أخوالي الذي كان واسع الثراء، وبالطبع كان للمجتمع من حولي تأثير بالغ في ترسيخ هذه الفكرة داخلي حيث أن الدنيا كانت تعني لهم كل شيء، وكانت هي إلههم". ولكن كان في داخل يوسف ما يميّزه عن سواه، فالانغماس في الحياة الدنيا هو بحدّ ذاته نوع من شغل النفس عن فطرتها، وتحصيل المال والشهرة يطفئ وهج التطلّع إلى هذا وذاك قبل بلوغ الهدف، ولعل يوسف يتحدّث عن تلك البذرة الداخلية في نفسه عندما يقول "قدمت الكثير من الأغاني، ولكن داخلي وفي أعماق نفسي كان هناك نداء إنساني ورغبة في مساعدة الفقراء عند تحقيقي للثراء المنشود.."

 

لماذا أنا هنا راقد في هذا الفراش؟

الخوف من الموت والتذمّر من "ضربات القدر!".. هما في مقدّمة ما يتردّد عند المرض في النفس التي لا يضبطها ضابط الإيمان العميق بالله، والرؤية المتوازنة للحياة الدنيا والآخرة الباقية، ولم يكن يوسف وهو في التاسعة عشرة من عمره قد عرف معنى الإيمان بالله، وصفات الله، ومعنى الإيمان باليوم الآخر وبالقدر، ولكن لم تساوره تلك المشاعر، بل على النقيض من ذلك حسب وصفه لمفعول إصابته المرضية التي ألزمته الفراش حوالي عام كامل، إذ يقول "في المستشفى وأنا على سرير المرض بدأت بحثي الروحي، أفكر في عظمة الخالق، والمعجزات الإلهية، أدركت أن جسدي مجرد آلة سيذهب وسيندثر، وأن الحياة الدنيا هي مجرد اختبار لنا، ولا بد أنها زائلة".

تحوّل فراش المرض الخطير (السلّ) إلى "إجازة" للتساؤل والتفكير، وتحوّلت الفترة التالية من حياة يوسف إلى رحلة بحث عن الهداية والإيمان.

"هل أنا جسد فقط، وكل ما عليّ فعله هو أن أسعد هذا الجسد؟"

"لماذا أنا هنا راقد في هذا الفراش؟.."

"في أحد الأيام بينما كنت ماشياً إذا بالمطر يهطل ووجدتني أجري لأحتمي من المطر، فتذكرت مقولة كنت قد سمعتها قبل ذلك، وهي أن الجسد مثل الحمار الذي يجب تدريبه حتى يأخذ صاحبه أين يريد، وإلا فإن الحمار سيأخذ صاحبه إلى المكان الذي يريده هو. إذاً فأنا إنسان ذو إرادة، ولست مجرد جسد، كما بدأت أفهم من خلال قراءتي للمعتقدات الشرقية، ولكني سئمت المسيحية بالكلية".

"أهم ما توصلت إليه في هذه المرحلة هو إدراكي أني لست جسدا فقط".

 

تغيّرت نظرته إلى الحياة أثناء تلك الإصابة وبعدها، ولم يعرف الإسلام بعد، ولا اعتنقه، وإن كان اقترابه من الإيمان باليوم الآخر، وبأنّ الإنسان جسد وروح، يجعله أشبه بمن اعتنقوا الحنيفية قبل البعثة النبوية.

وسرعان ما انعكس التغيّر الداخلي إلى عطاء عملي، حتى أنّ كثيرا من الأغاني التي بلغت به شهرة عالمية بعد مرضه، كان قد كتب كلماتها في فراش المرض، وأضاف المزيد عليها بعد شفائه.. وبدأ يغيب الانغماس في اللذات الدنيوية من خمور ومخدرات وعلاقات جنسية لتظهر في كلمات أغانيه وعناوينها معان جديدة:

"أنقذوا الأشجار"، "دعوا الأطفال يلعبون"، "تصالحوا"، "الطريق لمعرفة الله"، "ربما أموت الليلة"، وقد أصبحت أغنية (طلع الصباح) من تلك الفترة هي التي  يغنيها الأطفال إلى اليوم في كثير من المدارس الإنجليزية، كما يقترب بالمقطع التالي من أغنية "ليتني أعلم" اقترابا ملحوظا من الإيمان:

"ليتني أعلم

ليتني أعلم من خلق الجنة والنار

ترى هل سأعرف هذه الحقيقة وأنا في فراشي

أم في حجرة متربة

بينما يكون الآخرون في حجرات الفنادق الفاخرة".

قد يبدو بعض كلمات أغانيه آنذاك من صياغة قلم مسلم مؤمن عميق الفهم لدينه، والواقع أنّ يوسف لم يكن قد اطّلع في تلك الفترة على شيء عن الإسلام، بل يقول بعد أن أشار إلى أنّه سئم المسيحية:

"قرأت عن البوذية والأديان الأخرى، لكني لم أقتنع بأي من الصيغ، وقررت أن أصنع لنفسي ديناً خاصا! بعد أن يئست من الديانات الأخرى".

وهذا ما يزداد وضوحا في المرحلة التالية من رحلة الإيمان.

 

لحظة خطر.. وسنوات وفاء

"ربّ إن أنقذتني سأخدمك طوال حياتي".. تلك كلمات ابن السبعة والعشرين عاما وقد أحاط به موج المحيط الأطلسي من كل جانب، ولم يعد يرى شيئا من شاطئ ماليبو حيث كان يسبح، ويئس من منقذ من المخلوقات، فلجأ بالدعاء والوعد إلى الخالق، فحملته الأمواج إلى الشاطئ من جديد.

هي كلمات تصدر عن كثيرين في مثل حالته آنذاك، ولكن يوسف كان في منتصف رحلة الإيمان، قال ما قال موقنا بقدرة الخالق، وصادقا في وعده لله عز وجل.

آنذاك بدأت خطواته الأخيرة إلى النجاة والفوز بالإيمان في حياته الدنيا، وإلى تلك اللحظة، لم يكن يعرف عن الإسلام أكثر ممّا تلقفه في سني طفولته في نطاق أسرته ومدرسته، ولم يكن فيه ما يرغّبه بمعرفة المزيد. ولكن نشأته آنذاك على ما لم يبلغ به درجة الاقتناع والاطمئنان، أعطى تأثيره بعد أن بلغ سن الشباب، وبدأ البحث الجاد عمّا يحقق له ما يصبو إليه من اقتناع واطمئنان:

"كانت أسرتي تدين بالمسيحية.. تم تنصيري بمعنى أن النصرانية هي الديانة التي أنشأني والدي عليها. وتعلمت أن الله موجود، ولكن لا يمكننا الاتصال المباشر به، فلا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق عيسى، فهو الباب للوصول إلى الله. وبالرغم من اقتناعي الجزئي بهذه الفكرة إلا أن عقلي لم يتقبلها بالكلية.. وكنت أنظر إلى تماثيل النبي عيسى فأراها حجارة لا تعرف الحياة، وكانت فكرة التثليث أو ثلاثية الإله تقلقني وتحيرني، ولكني لم أكن أناقش أو أجادل احتراماً لمعتقدات والدي الدينية".

وتكرّرت تجربته هذه مع معتقدات أخرى، كالبوذية التي عزف عنها، أو الهندوسية التي يروي بصددها:

"أخبرتني سيدة هندوسية ذات مرة: "أنت لا تفهم الهندوسية فنحن نؤمن بإله واحد، ولكننا نستخدم هذه التماثيل للتركيز." ومعنى كلامها أنه يجب أن تكون هناك وسائط لتصلك بالله.. وهذا ما لم يكن يقنعه، ويتابع: "ولكن الإسلام أزال كل هذه الحواجز، والشيء الوحيد الذي يفصل بين المؤمنين وغيرهم هو الصلاة. فهي السبيل إلى الطهارة الروحية".

بلغ به الحرص على "الهداية" أن لم يترك لها سبيلا معروفا في عالم الغرب في سبعينات القرن الميلادي العشرين، فعلاوة على المعتقدات الشرقية والناشئة محليا، بحثا عن "معانٍ روحية" على الأقل، انتشرت أيضا عادة اللجوء إلى التنجيم وما يسمّى "علم الأبراج" فوجد من جهود يوسف نصيبه، أيضا.. دون جدوى، فلم يكن فيه ما أراد من نور الهداية.. وجاءه أخيرا حيث لم يبحث في الأصل، جاءه مع "هدية" من المسجد الأقصى الأسير. 

 

القدس طريقي للإسلام

يوسف يعتبر الأمر أشبه بالمعجزات، أن هيّأ الله تعالى لأخيه في تلك الفترة بالذات سفرة إلى بيت المقدس، فلما عاد ومعه نسخة من القرآن الكريم، وترجمة بالإنجليزية "كانت هذه الهدية هي الكنز الذي أثرى حياتي وجعل لها طعماً آخر".

وغالب المؤمنين يقرؤون القرآن، أما يوسف فيقول: "بدأت أقرأ القرآن، وفي كل مرة أشعر بارتياح وأحسّ كما لو أن الكتاب كتب لي".

عكف على قراءة القرآن الكريم عاما ونصف العام، وعكف على السيرة النبوية بتركيز كبير، وعمرت الهداية قلبه وعقله، فلم يبق سوى النطق بالشهادتين، "لم أكن قد اعتنقت الإسلام بعد، ولكني أدركت أن القرآن هو ضالتي المنشودة وأن الله قد أرسله إليّ ولكني أبقيت ما بداخلي سراً لم أبح به إلى أحد".

ويعدد في كتاباته ومحاضراته ولقاءاته الإعلامية وبعض أغانيه ما وجده في كتاب الله تعالى، وهو ما يكشف عن معنى كلمتي "الاقتناع والاطمئنان" عندما يكثر ذكرهما في الحديث عن إسلام يوسف.

"أخبرني عن حقيقة وجودي والهدف من الحياة وحقيقة خلقي ومن أين أتيت".

"حقيقة هذا الدين تختلف عن فكرة الغرب عنه فهو ديانة عملية وليس معتقدات تستعملها عندما يكبر سنك وتقلل رغبتك في الحياة مثل المعتقدات الأخرى".

"وجدت الإجابات عن كل تساؤلاتي.. بعدها قرأت عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.. وأثَّـرت فيَّ سيرته وشخصيته تأثيرا كبيرا.. مكثت عاما ونصف وأنا أقرأ عن الإسلام دون أن أختلط بأي مسلم.. أردت أن أتعرف على هذه الديانة بنفسي دون أن أتأثر بأحد، وأحمد الله على ذلك! لأني لو حدث واختلطت ببعض المسلمين لتعرفت على الخلافات بينهم وأشياء كثيرة أخرى للأسف".

ثم قام بنفسه بزيارة المسجد الأقصى الذي جاءت منه الهدية الحاسمة في المحطة الثالثة على طريق الهداية، ورحّب به المسلمون في المسجد عندما ذكر أنّه مسلم رغم أنّه لم يكن قد نطق بالشهادتين بعد، فقد كان إشهار إسلامه بعد عودته إلى لندن.. "بعد عودتي إلى لندن قابلت أختا مسلمة اسمها نفيسة، وأخبرتها برغبتي في اعتناق الإسلام، فدلتني على مسجد نيوريجنت. وكان ذلك في عام 1977م بعد عام ونصف تقريباً من قراءتي للقرآن. وكنت قد أيقنت أن عليّ أن أتخلص من كبريائي وأتخلص من الشيطان وأتجه إلى اتجاه واحد. وفي يوم الجمعة بعد الصلاة، اقتربت من الإمام وأعلنت الشهادة بين يديه".

كان ذلك بعد عودته من القدس، التي يقول عنها "القدس هي طريقي للإسلام.. القدس هي قلب العالم الإسلامي.. فإذا كان هذا القلب عليلا فإن العالم الإسلامي كله مريض، أما إذا شفي هذا القلب فإن الجسم كله سيشفى ويقوى، وعلينا أن نحرّر هذا القلب كمسلمين".

 

الغرب وإسلام يوسف

في الفهم الغربي لاعتناقه الإسلام ما يعبّر عن إحساس غربي عام بضرورة الدفاع عن عالم افتقاد القيم، الدينية وغير الدينية، لا سيما في الفترة التالية لولادة موجات "الخنافس" و"البوب" وغيرها. هنا يبرز مثلا قول صحيفة "تاجس تسايتونج" الصادرة في برلين في مقال عن يوسف إسلام (أصبح الدين وقاية من التعرض لأسئلة مصيرية وليس إجابة عليها).

بل قد يتحوّل الدفاع إلى هجوم شخصي غير لائق بعالم الإعلام، عندما تقول صحيفة أخرى بمناسبة صدور مجموعة "فنجان آخر" تعليقا على استبدال يوسف كلمة "الروح" بكلمة "البنات" التي كانت في إحدى الأغاني بطبعتها الأولى في سبعينات القرن الميلادي العشرين.. تقول الصحيفة: (ما هذا الهراء؟.. هنا تلوح لنا الرواية التي تقول إنه ترك آخرين يختارون له الزوجة التي أصبحت أمّا لأطفاله السبعة). والصحيفة تعرّض بزواج يوسف على الطريقة الإسلامية، بعد المعرفة المباشرة ولكن دون معاشرة مسبقة كما انتشر في الغرب، حتى أصبحت المعاشرة بديلا عن الأسرة.. ويقول يوسف عن زواجه: "أهم شيء بدأت أفعله هو تعلم اللغة العربية لغة القرآن والرسول محمد عليه السلام.. بدأت أتعلم، وبدأت أيضا أبحث عن زوجة مسلمة صالحة، في عام 1979 قمت بأداء العمرة، وبعد العمرة وزيارة الأماكن المقدسة وجدت لنفسي زوجة مسلمة صالحة وتزوجت في المسجد على الطريقة الإسلامية.. تعرفت على زوجتي من خلال أسرتها.. والدها تركي مسلم وأمها أفغانية، وتعيش العائلة في لندن.. كان الله كريما معي للغاية، فقد عرفت الآن طعم السعادة الحقيقية، كنت أبحث عن زوجة فاضلة، وأدركت أنني اخترت الطريق الصحيح، وأن الجمال في المرأة ليس أهم شيء، إنما الإيمان والفضيلة، فهما الأساس".

وبشيء من الحذر يسري الأسلوب السلبي تجاه يوسف إسلام على صحيفة فرانكفورتر آلجيماينه التي أجرت معه مقابلة بمناسبة إصداره مجموعة "فنجان آخر"، فرغم التنويه بإصراره على تسجيل المقابلة بسبب خبرته السلبية مع الإعلام من قبل، وجد الكاتب الفرصة على الأقل في المقدمة كي يقول (كان يوسف إسلام متشددا مثل أي معتنق لدين جديد..) أما "التشدّد" في نظر الكاتب فهو ما يذكره في العبارات التالية مباشرة (فبعد أن انسحب من ساحة الموسيقى التجارية وباع كل الآلات الموسيقية والأسطوانات الذهبية التي كان يملكها، تعلم اللغة العربية وأسس مدرسة إسلامية في لندن، وتزوج من مسلمة معتدلة أنجب منها خمسة أطفال)!!

يوسف نفسه يقول: "في الغرب صُدموا عندما توقفت عن الغناء وأسلمت.. بدؤوا يتساءلون كيف تغيرت.. وسائل الإعلام كلها صمتت، لم تعد تلهث خلفي مثلما كانت، ولم تتحدث عن إسلامي، تجاهلوني كليا.. لا يريدون أن يروا النور".

والواقع أنّ تجاهل الإعلام الغربي لم يكن يعني صمته على الدوام، بل كان يبحث عمّا "يناسبه" للنشر، لا سيما وأن التجاهل لم يعد ممكنا بعدما فرض يوسف وجوده العملي من خلال إنجازاته، على صعيد تأسيس مدارس إسلامية وجمعيات خيرية. ولعل من أمثلة التعامل السلبي بصوره المتعددة ما كان من متابعة إعلامية غربية لموقف يوسف من فتوى الخميني بحق "سلمان رشدي"، وكأنّه لم يوجد في حياة يوسف كلها ما هو أهمّ من ذلك! 

في حدود ما بلغه علم يوسف عن الإسلام آنذاك (1989م)، كان في تعليقه كلمات جرى تحويرها عبر صحيفة الشارع "صن" البريطانية التي نشرت بالخط العريض على صفحتها الأولى "كات: اقتلوا رشدي!"

الكلمات الأصلية على لسانه لم تكن بهذه الصياغة، ولكن يوسف لم يكن "يسجّل" نصوص المقابلات الإعلامية، وقد بقي أثر إساءة استخدام عباراته مزعجا له لفترة طويلة، وربما لم يتكلم عن ذلك سوى مرة واحدة عام 1996م عندما طرحت صحيفة برلينر تسايتونج الألمانية عليه سؤالا تعميميا بشأن عقوبة الإعدام تجاه حرية التعبير، فأكد "لا أحد يُعدم في الإسلام على قوله إنه غير مؤمن، فليكن، أما الإساءة إلى الأديان ففيها خرق جميع القوانين ويجب أن تكون موضع عقوبة مناسبة، وفي المسيحية كان الرجم عقوبتها". كما أكد أنّه فيما قال بشأن سلمان رشدي عام 1989م لم يكن يقصد به تأييد فتوى الخميني. ولكنه (على النقيض من الدعوى القضائية التي كسبها ضد إحدى الصحف عام 2008م) لم يكن -على الأرجح- راغبا عام 1989م في إثارة معركة مع الإعلام أمام القضاء، قد تتيح الفرصة لتضخيم إعلامي لا يفيد معه ظهور الحقيقة، فقرر الصمت طويلا، ويظهر عمق انزعاجه مرة أخرى عام 2006م، خلال مقابلة مع صحيفة "فرانكفورتر آلجيماينه" الألمانية، التي ذكرت في مقدمة مقابلتها معه ما نشرته صحيفة "صن" وكيف حذفت محطات إذاعية أغانيه من جدول الإرسال لعدة سنوات بعد ذلك.. ثم ورد في نص المقابلة:

يوسف: "من أول يوم أصبحت فيه مسلما كان الكثير ينظرون إلى هذه الخطوة على أنها تحول غريب واتخذوا موقفا سلبيا. وعندما ننظر اليوم إلى تصور الإعلام -دون ذكر أسماء- عني خلال كل هذه السنين فلا نجد فيه ما لا يقبل الجدل من أول يوم. لقد كانوا أناسا لا يعون موقفي أيام كنت كات ستيفنز، وقليل منهم يعرف من هو يوسف إسلام.


المحرر: تقصد عناوين الجرائد مثل "كات يقول: اقتلوا رشدي" بعد قولك..

يوسف: لا أريد التحدث عن ذلك البته!

المحرر: أقصد..

يوسف: لا أريد التحدث عن ذلك البته!

المحرر: ولكن الأغنية تلمح إلى..

يوسف: لو كنت في مكانك لاخترت موضوعا آخر.

-صمت-.

 

يوسف والإسلام

إنّ فهم يوسف العميق للإسلام يتناقض جملة وتفصيلا مع نظرة الغرب إلى إسلامه، فاعتناقه له بعد الحيرة، فالتأمّل، فالتفكير، فالاطلاع، هو الذي يجعله يقول محدّدا جوهر الإسلام:

"كنت حائراً في العلاقة بين الروح والجسد، فعرفت أنهما لا ينفصلان وأنه بالإمكان أن تكون متديناً دون أن تهجر الحياة وتسكن الجبال"..

"بدأت أدرك أنّ كل شيء من خلق الله ومن صنعه، وأنه لا تأخذه سنة ولا نوم"..

هذا الإدراك.. هو الذي يقود إلى الإسلام إيمانا وفهما:

"عرفت أن علينا أن نخضع لإرادة الله وأن ذلك هو سبيلنا الوحيد للسمو والرقي الذي قد يرفعنا إلى مرتبة الملائكة"..

"عرفت خالقي وعرفت السبب الحقيقي وراء وجودي وهو الخضوع التام لتعاليم الله والانقياد له وهو ما يعرف بالإسلام"..

وهذا ما وجده متميزا عما سبق وعرف من معتقدات وتصوّرات أخرى ودرسها:

"من جمال القرآن أنّه يدعوك أن تتأمل وتتفكر، وأن لا تعبد الشمس أو القمر، بل تعبد الخالق الذي خلق كل شيء"..

"لم أعرف السعادة قبل اعتناقي الإسلام"..

"علمت أن الله قد أرسل كافة الرسل برسالة واحدة"..

"اكتملت سعادتي مع إدراكي أنه يمكنني الاتصال بالله في صلاتي"..

وإن كان لا يأتي بجديد فهو يذكّر بجوهر ما ينقص (الناس) و(المسلمين) عندما يقول:

"أحزن كثيرا وأشعر بالأسى من معاملة الناس للقرآن، إذ لا يتدبرونه بعمق"..

"أظن أن كثيراً من المسلمين قد ضلوا الطريق لأنهم لا يتدبرون القرآن"..

"أي فائدة من قراءة القرآن باللسان دون تدبّر؟.. علينا أن نتحلى به وأن نطبقه في حياتنا لا أن نردده بألسنتنا فقط!"..

لماذا أنا أنا وأنت أنت!

التدبر.. فالتطبيق.. هما الميزة الكبرى في حياة يوسف إسلام، ومنهجه في ذلك كلمات معدودات من كتاب الله عز وجل: "سورة العصر وحدها منهج طريق نجاة من نار جهنم".

الإيمان.. والعمل.. والتعاون الذي يتطلب التواصي بالحق والتواصي بالصبر. أمّا الإيمان العميق الواعي فهو مدار كل أمر في حياة يوسف كما ورد حتى الآن، وأما العمل فنجد لديه ما يمكن القول عنه هنا -دون كيل مديح في غير موضعه- ما لا نجده عند سواه إلا نادرا.

اعتناق الإسلام والحياة على الإسلام عنده هو العمل، دون انقطاع "أريد الحياة للإسلام، أن أعيش له كل يومي، بدقائقه ولحظاته، ويكفيني الإسلام، لا أريد شيئا آخر من هذه الدنيا"..

"لم أفعل الكثير، وليتني أستطيع، فالقرآن يخاطب المسلمين بيا أيها الذين آمنوا.. أن اعملوا.. واعملوا.. علينا أن نعمل والله يعيننا.. الإسلام عمل وعمل وعمل"..

واستيعابه للعمل يعني أيضا استيعابه لكيفيته، وأولوياته، واختيار ما يمكن صنعه والإقدام على التنفيذ، وفق المعطيات والإمكانات الذاتية والاحتياجات الفعلية..

لا يكفي العمل على هامش حياة المسلم أو في أوقات "فراغه" كما يقال، إذا لم تشغله الدنيا عن واجبات ملحّة تتجاوز حدودها "من المسلمين، بما فيهم العاملون في الدعوة، من تأتي معيشته الدنيوية ورفع مستواها والسعي لها قبل اهتمامه برسالة الإسلام والعمل لها"..

وهيهات يكفي ذلك، بل هيهات يكفي بذل الجهد "العادي" بدلا من مضاعفة الجهود والإمكانات والعطاء "فضل الوقت، وفضل المال، وفضل الجهد، لا يحقق انتشار رسالة الإسلام كما نرجو، ولن تتسارع الخطى بما فيه الكفاية على طريق طويلة أمامنا، بينما يبذل آخرون وينفقون بسخاء من أموالهم وجهودهم، ويعطون الأولوية لتحقيق أهدافهم"..

والعمل هو صناعة الإنسان ليصنع الإنجاز وإلاّ "ما نفع المساجد دون وجود جيل مسلم ينشأ إعدادا وتربية على الإسلام؟.. وليس المسجد مجرّد مكان للتعبّد"..

ولعل من أهم ما يميز نظرة يوسف إلى الحياة، ويفسر قدرته على الإنجاز فيها، هو عميق اقتناعه بالتغيير، فذاك شأن الحياة كلها عنده، "يجب على المرء أن يكون دائما على استعداد لتغيرات في حياته، وإذا لم يغير المرء نفسه فالحياة تقوم بتغييره. وهذا هو اللغز، إن كل شيء نراه في الدنيا دائم التغير ومع ذلك يميل الإنسان إلى التمسك بما لديه".

التغيير.. دون أن يفقد الإنسان الفرد تميزه بنفسه، وهذا ما ربطه بمراحل حياته الذاتية في المقابلة الصحفية نفسها بقوله إنّه يجد كل شيء في حياته الماضية "عبارة عن تحولات وتغيرات ثابتة وبحث مستقل عن السعادة.." واستشهد بمثال الإنسان نفسه قائلا "لننظر إلى الجنين، إنه كان كتلة دموية، أنتَ كنت كتلة دموية وأنا كنت كتلة دموية، وفيما بعد أخذت هذه الكتلة الدموية صورة مخلوق يعي ويعتقد أنه يملك مقاليد أموره" وقد قاطعه محرّر "فرانكفورتر آلجيماينه مستبعدا موقع "الإيمان.. والدين" في ذلك فقال "لقد شرح العلم ذلك بإسهاب منذ أمد بعيد".. ولكن يوسف سرعان ما يجيب ببداهة مفحِمة "ليس في مقدور العلم أن يثبت لماذا أنا أنا وأنت أنت!".

لم تكن اقتناعات يوسف نظرية، فما يقول به لا ينفصل عن إنجازاته العملية لا سيما في الميدان الذي يستطيع أن يقدم فيه أكثر من سواه، بحكم موهبته، وإن رأى عدم ممارستها بعد إسلامه ولفترة طويلة خارج نطاق الأناشيد الدينية، فخوفا من الشبهة، أو تجنّبا للجدل، أو حرصا على ألا تسيطر الشهرة وما قد تصنع من تكبّر وإعجاب، هجر عالم الموسيقا وهو الذي يقول "في الموسيقا فقط أستطيع التعبير عن محبتي للسلام ورغبتي في تحقيقه، وأستطيع الوصول بذلك للآخرين، وقلب عامر بالشكر على نعمة هذه الموهبة التي لا أزال أحملها في داخلي".. ويزيد توضيحا فيقول: "قد تستطيع الحوار مجادلا أحد الفلاسفة حول مسألة ما، وليس هذا ممكنا مع الأغنية، وأعتقد أن في جعبتي أغاني جيدة بعد".

 

من إنجازات يوسف

يقول يوسف هذه الكلمات بعد أن عاد إلى "موسيقا البوب" عبر مجموعة "فنجان آخر" عام 2006م، فتجدّد اهتمام الإعلام الغربي به بقوّة، إنّما لم يكن يوسف "غائبا" عبر زهاء ثلاثة عقود مضت.. فالموسيقا أصبحت "من" إنجازاته وفي محور كثير منها، ولكن لم تعد "إنجازه الوحيد" كما كانت قبل إسلامه.

وقد تحرّك على ثلاثة محاور:

١- توظيف موهبته وإمكاناته الذاتية.. والتركيز على ميادين أساسية لعطائه

٢- الاهتمام بالمكان الذي يعيش فيه.. (بريطانيا) بمن فيها من مسلمين وغير مسلمين

٣- التعاون مع سواه بما يتجاوز الحدود جغرافيا

لم يكن سهلا في البداية اختيار الطريق الأنسب للمسلم الغربي للعمل في أجواء الغرب الجامعة لجهل متوارث وعداء مستحكم.. وقليل من الإنصاف، لا سيما وأن الصحوة الإسلامية لم تكن قد ثبتت أقدامها بعد في السبعينات والثمانينات من القرن الميلادي العشرين.

وكان عالم الفنون الذي احتل يوسف فيه مكانة مرموقة قبل إسلامه، هو المدخل الأوّل إلى مختلف ألوان المجون.. ومن يضع تلك المعطيات نصب عينيه، يدرك صواب قراره أن يتخلّى عن كلّ ما له علاقة بالموسيقا والغناء، بصورة مطلقة، لفترة من الزمن، ويقتصر على أناشيد دينية وللأطفال، يقدمها في حدود الميادين الجديدة التي أوجدها لنفسها، وكان على رأسها تعليم الجيل الجديد، لا سيما في بريطانيا "أكرس حياتي كلها للعبادة والتقرب للخالق عز وجل وخدمة الإسلام والمسلمين في بريطانيا".. " أرجو أن أكون أداة لإقامة الإسلام في بريطانيا بكل وسيلة، وبأقصى ما أوتيت من طاقة".

 

أشهر يوسف إسلامه عام 1977م، وسجّل لنفسه اسم يوسف إسلام مطلع 1978م، وبعد سنوات معدودة أصبح رئيسا لوقف المدارس الإسلامية في بريطانيا عام 1983م، وأسس فيها أوّل مدرستين ابتدائية وثانوية، وكانت إحداهما باسم "إسلامية" أوّل مدرسة إسلامية تحصل عام 1988م على الدعم المالي من جانب الحكومة البريطانية، كما هو الحال مع مدارس ديانات أخرى، وما يزال اهتمامه بقطاع التعليم مستمرا إلى اليوم.

هزّته الأحداث المأساوية التي تعصف بالمسلمين في بلادهم، لا سيما بعد نهاية الحرب الباردة والتركيز على المنطقة الإسلامية، فلم "ينم" إزاءها وهو الذي قال فيما قال عن حرب البلقان "كيف ننام والجميع يرون كيف يذبح المسلمون رجالا ونساءً وكيف يُرغم الآباء على شرب دماء أطفالهم!!"

وأسس الجمعيات الخيرية العديدة لصالح المسلمين حيثما تفاقمت المآسي وأحاطت بهم، لا سيما في البلقان وأفغانستان وفلسطين فـ"ليست قضية فلسطين قضية الفلسطينيين فقط، بل قضية المسلمين جميعا".

وبقيت موهبته الموسيقية نصب عينيه.. "ماذا أفعل بموهبتي الموسيقية؟! وكيف أسخرها لخدمة الإسلام؟! توقفت عن الحفلات الموسيقية وإنتاج الأغاني ريثما أجد حلا لهذه التساؤلات، جمال القرآن من حيث المعاني والموسيقى أغناني عن كل شيء".

ويمكن التأكيد أن قرار تخلّيه عن الآلات الموسيقية لفترة من الزمن بعد إشهار إسلامه، هو الذي جعله "سيّد" موهبته، في عالم باتت المواهب الفنية "تملك" أصحابها، فأصبح قادرا على توظيفها واستخدامها لأهدافه، بدلا من أن تستخدمه وتوظفه لأهداف أخرى.

وكان قد اعتلى عرش موسيقا البوب البريطانية التي ولج عالمها 1966م، وازدادت شهرته فيها عام 1968، بنجاح كبير حققته إصداراته الموسيقية الأولى، "أحب كلبي.. I love my Dog" و"أب وابن.. Father & Son" ثم رافقه النجاح يوميا لا سنويا فقط، وبدأت إصداراته الموسيقية التالية تباع بعشرات الملايين من النسخ في أنحاء العالم (41 مليونا خلال الأعوام الأولى) وما زال بعض أغانيه في تلك المجموعات محتفظا بشهرته ومكانته إلى اليوم مثل "قطار السلام.. Peace Train" و"طلع الصباح.. Morning has Broken" وكانت مجموعته الموسيقية "عودة إلى الأرض.. Back to Earth" عام 1979م آخر ما قدّمه في عالم الموسيقا قبل اعتناقه الإسلام.

وقدّم من بعد الكثير، لا سيما في صيغة أناشيد دون آلات موسيقية، ثم مع إدخال بعضها، قبل أن يستخدم "قيثارته" من جديد.

كان من ذلك مجموعة "حياة خاتم الأنبياء" وأغاني للأطفال مثل "هذا من أجل الله"، واستخدم مع اللغة الإنجليزية لغات عدة، كالعربية والتركية والبوسنية، والماليزية. واشتهرت عام 1997م أغنيته "ليس لدي مَدافع هادرة" للبوسنه والهرسك، التي كان اهتمامه بأحداثها المأساوية كبيرا ومتواصلا، كما اشتهرت عام 2003م أغنيته "قطار السلام" بإخراج موسيقي جديد، معبرا بذلك عن رفضه لحرب احتلال العراق "كتبت قطار السلام ضد الحرب لتصل رسالتها لقلوب الملايين".

وكان عند إصداره مجموعة "مونا بوني جاكون.. Mona Bone Jakon" عام 1968م، قد كتب أغنية بعنوان "حقول خضراء، رمال ذهبية.. Greenfields, Golden Sands" وبقي النص في الأدراج، إلى أن أصبح من بين الأغاني التي قدّمها عام 2006م في إصدارة "فنجان آخر"، ممّا أثار التساؤل عن سرّ الإعجاب الآن بها رغم "قدم" كلماتها، وكان تعليق يوسف على ذلك "الأغاني الجيدة لا تموت بالتقادم، فمفعولها أبدي".

ولعل كلمات أغنية "لا تدعني يُساء فهمي.. Don’t Let Me Be Misunderstood" في الإصدارة نفسها أقرب إلى مناشدة أهل الغرب أن يتوقفوا عن إساءة فهم "يوسف" بسبب إسلامه.. وهو منهم، لا سيما وأنّه يرى لنفسه الآن دورا بالغ الأهمية "أجد نفسي اليوم في موضع لا مثيل له، أستطيع أن ألعب فيه دور المرآة أو الجسر، فالمسلمون يتعرّفون من خلالي على المجتمع الغربي،والغرب يفهم من خلالي ما هو الإسلام، إنّني أجد من الأهمية البالغة بمكان تجاوز تلك الفواصل الثقافية أيضا من نوعية ما قد يخشاه الآخر".

 

بعض التكريم

كان في سنّ الشباب (السبعينات الميلادية) عندما حصل يوسف إسلام (كات ستيفنز آنذاك) على لقب أفضل كاتب أغاني في بريطانيا، مشاركة مع ألتون جون.

حصل عام 2003م على جائزة "شخصية العام الدولية" تقديرا لدوره الفاعل في تأسيس العديد من المنظمات الخيرية في البوسنة وكوسوفا والعراق تحت إشراف الأمم المتحدة.

حصل عام 2004م على جائزة رجل السلام التي تمنحها "رابطة حملة جائزة نوبل"، وسلّمه الجائزة ميخائيل جورباتشوف، آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي.

حصل عام 2005م على الدكتوراة الفخرية من جامعة جلوسترشاير (Gloucestershire) تقديرا لإنجازاته الخيرية الإنسانية.

حصل عام 2007م على جائزة " الصدى.. Echo" الخاصة في برلين لقاء منجزاته الموسيقية، وتقديرا لدوره سفيرا بين الحضارات.

ومن وجوه تكريم جهوده قيام الأمير تشارلس البريطاني بزيارة مدرسة إسلامية أقامها يوسف إسلام وقوله آنذاك للتلامذة المسلمين فيها "أنتم سفراء دين الإسلام، أحد الأديان السماوية".

ومن وجوه تكريم يوسف إسلام "الإنسان" أيضا إقدام السلطات الأمريكية عام 2004م على منعه من عبور الحدود، وردّه بدعوى خطره على الأمن القومي!

كما أنّ مما يعبّر عن رفعته ومكانته ودوره ويزيد من تكريمه، ما أصابه (200م) عندما زار فلسطين بقصد تصوير فيلم تلفازي فمنعته السلطات الإسرائيلية من دخول بيت المقدس، واعتقلته في زنزانة صغيرة بلا ماء أو خدمات قبل ترحيله إلى ألمانيا!

أما يوسف إسلام فيقول في إحدى المناسبات: "لم أخسر.. كسبت مليار أخ مسلم"

نبيل شبيب

 

Google Plus Share
Facebook Share

تعليقات

لا يوجد نتائج مطابقة


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق