شذرات وكلمات

ليس الإسلاميون المصدر الصحيح لتعليم النهج العلماني للعلمانيين، وليس العلمانيون المصدر الصحيح لتعليم النهج الإسلامي للإسلاميين ، أليس كذلك؟

الذين يرفضون رؤى إسلامية للتغيير بذريعة رايات منحرفة انتحلت عناوين إسلامية هل يفعلون ذلك إزاء انتحال رايات رؤى علمانية مثلا

ليت أقلام "تأبين الثورات" تثور على نفسها وتعود بدلا من ذلك إلى خدمة ثقافة التغيير والإصلاح ونشرها

لن يتحقق التغيير ناهيك عن الإصلاح دون انتشار "ثقافة التغيير" انتشارا واسعا على مستوى العامة والنخب

الانتقام المحض مرفوض لضحايا الاستبداد الهمجي.. أما إسقاطه فيبقى الواجب المشروع المفروض

إذا بدا لك الهدف الجليل مستحيلا، ارتفع أنت إلى مستواه لتراه ممكنا

العيد مناسبة لتجديد العزم على الحد من المآسي وصناعة الأمل وسلوك طريق العمل.. ولا مكان للغفلة ولا القعود ولا التجاهل

المطلوب في شهر رمضان الفضيل وسواه.. ذكر يحيي القلوب.. ووعي يرشد العقول.. ودعاء يقترن بالتخطيط والعمل

بين الأسس والأفكار والغياب عن أرض الواقع

رؤية - يوم العمال العالمي ورؤية إسلامية

انفصام خطير بين إنتاج فكري وتنظيري كبير وبين غياب التخطيط وآليات التطبيق

 

كان في مقدّمة إرهاصات انهيار الشيوعية في الشرق ثورة "عمال" بولندا على النظام الذي زعم لنفسـه تجسيد "ديكتاتورية العمال"، ولئن تطاول الزمن بانهيار الرأسمالية، فإن من إرهاصاته ما بدأ يظهر من تنبؤات كثير من مفكري الغرب، في مواكبة موجة التشدّد الرأسمالي الحديثة المزدوجة الاتجاه، داخليا على حساب العمال وأمثالهم من الفئات الأضعف ماديا في المجتمعات الغربية، وخارجيا في إطار تسارع خطى "العولمة" عالميا.

هذا مع ملاحظة أن "التقدّم المادي والتقني" إرث البشرية المشترك المتنقل من وعاء حضاري إلى آخر، وفي انهيار هذا "التقدم" - إن وقع - مخاطر جسيمة، شاملة للبشرية عموما، فليس انهيار "التقدّم المادي والتقني الغربي" هدفا مطلوبا، ولكن يفيد الغرب ويفيد البشرية، أن ينهار "التخلف" الغربي الشديد في التعامل مع الإنسان وقيمه وأخلاقه وحرياته وحقوقه على أسس مادية منحرفة.

 

عطاء فكري غزير!- النموذج.. والبدائل - أين الخلل؟ - وبعد..

 

عطاء فكري غزير!

الانهيار الرأسمالي الشامل غير مطلوب لذاته، ولكن إن وقع على غير انتظار، كما كان مع الشيوعية، هل نفتقد البديل لمتابعة مسيرة التقدّم البشرية في وعاء حضاري "جديد" يستلم المهمّة ويتابع الطريق حيث وصلت الخطوات البشرية المتعاقبة على طريق التقدّم التقني والمادي؟

المسلم المتحمّس يسارع إلى الإجابة المباشرة بأن الإسلام يقدّم البديل، حتّى وإن لم تجتمع لذلك المسلم أبواب المعرفة التي تسوّغ قوله، كذلك فالمسلم المتخصّص ببعض جوانب الشريعة، يقول عن يقين إنّ  الإسلام هو البديل الأصلح، في كل مجال.

رغم ذلك يمكن أن نجزم بصورة قاطعة أنّنا نفتقد البديل فعلا، ونعلم السبب، إذ نردّد غالبا وبأشكال مختلفة، في ميدان العمل والعمال - وهو موضع الحديث هنا- وفي سواه من ميادين البحث عن سبل الرقيّ والنهوض، أن البديل لا ينشأ عبر حماسة عاطفية وحدها ولا نتيجة المعرفة المجرّدة، بل بهما معا وشريطة اقترانهما بالعمل الجادّ الهادف لإيجاد البديل، الذي يمكن أن يتخذ آنذاك، وفق سنن الله في خلقه، شكلا مشهودا ملموسا على أرض الواقع!

 

إنّ المعلومات الأساسية في قضايا العمل والعمال وكثيرا من التفاصيل المقرّرة إسلاميا كأحكام ثابتة أو على شكل مقاييس لاستنباط الأحكام للمستجدات، هي معلومات معروفة نسبيا، تحدّث عنها الكتّاب والمفكرون، وتناولها المتخصصون في الاقتصاد عموما وقضايا العمال على وجه التخصيص. ويتبادر إلى الذهن على سبيل المثال، كتاب المفكر الدكتور عماد الدين خليل بعنوان "مقال في العدل الاجتماعي" من سبعينات القرن الميلادي العشرين، كما يتبادر إلى الذهن مثلا آخر كتاب الأستاذ محمد فهر شقفة بعنوان "أحكام العمل وحقوق العمال في الإسلام" من الستينات، وقد جمع بين دفتيه بإيجاز دون خلل، وبتفصيل دون إطناب. وما بين فترة صدور هذين الكتابين والوقت الحاضر ظهرت دراسات عديدة، تحفل المكتبة الإسلامية بها وتفخر، فلم ينقطع هذا العطاء الفكري القيّم، ولا انقطعت المؤتمرات والندوات حول الموضوع نفسه.

 

النموذج.. والبدائل

ليست مسألة النموذج الإسلامي على صعيد العمل والعمال مسألة "فكر وتنظير" إذن، ففي هذا الإطار يوجد الكثير، إنّما لا ينبغي الوقوف فيها عند هذه الحدود، فموضوع العمل والعمال بالغ الأهمية، يقول فيه أحد المفكرين الألمان المعاصرين (رالف دارندورف) على سبيل المثال إنّ هوية الفرد أصبحت مرتبطة بالسؤال: ماذا أعمل، ليحدّد: من أنا!

ولكن ربما أشبعنا الموضوع بحثا وطرحا وتقليبا ومناقشة. وهو ما لا نقلّل من أهميته، ولكن: أين الخلل؟

ما الذي يمنع ظهور البديل الإسلامي الواقعي الحيّ المؤثر والمقنع عبر تفاعله مع ما حوله، انبثاقا عن ذلك الذي نسميه البديل في كثير من دراساتنا الفكرية، ونقول عنه إنّه هو الأمثل والأفضل وهو الجدير بأن يكون جزءا عضويا من حياتنا المعيشية والاقتصادية والسياسية ومن علاقاتنا البشرية والدولية؟

 

على أيّ حال لا نحتاج في البحث عن النموذج الإسلامي على صعيد العمل والعمال إلى جهد كبير، فكل من يتلو القرآن بشيء من التدبّر، يزداد يقينا وتسليما، عندما تطالعه الآيات الكريمة، والإعجاز ظاهر فيها وهي تحيط بموضوع العمل والعمال من مختلف جوانبه، الشاملة للأسس التي يقوم عليها، وفروع نموذجية في المعاملة النفسانية اليومية لصاحب اليد العاملة ومعاملته للبيئة الطبيعية والبشر من حوله، كتلك النصوص التي تقرّر كفاية الأقوات والمعايش وسبل الرزق، وحظر الربا والتبذير والإسراف وكنز الثروات وتعطيل المال، وتشيد بصناعة الحديد مثلا، وبالزراعة مثلا آخر، وبرعي الماشية مثلا ثالثـا، وتربط مزاولة العمل بالأنبياء والصالحين تكريما له، وتبيّن المواصفات الأصلح للأجير، وأهمها ثابت لا يتبدّل، سواء سقى الماء بالأجرة في مدين، أم قام على خزائن الدولة بمصر، أم تولّى الملك كما كان مع طالوت.

ويزداد اليقين بسموّ النموذج الإسلامي وكماله، مع متابعة ما فصّله الحديث النبوي عن مكانة العمل، عبر احتطاب أشرف خلق الله لأصحابه أو حفره الخندق معهم أو فخره برعي الماشية كسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فضلا عن تكريمه لليد الخشنة، ولطلب الرزق الحلال، ووضعه في موضع الجهاد، ثم ما طبّق وفصّل من أحكام، مع إحاطتها بالوازع الداخلي كما في تحذيره من تأخير تسديد أجر الأجير إلى ما بعد أن "يجفّ عرقه"، أو كما في إعلان خصومته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة لمن يأكل مال الأجير في الحياة الدنيا!

ويمكن أن نستكمل المشوار بالتمعّن فيما كان من تقنين في العهد النبوي ومن بعده، حتى وصل خلال سنوات معدودات إلى مرتبة عليا من مراتب "التأمينات والضمانات الاجتماعية" بدءا بعطاءات الأطفال على حسب أعمارهم، وانتهاء بالرواتب التقاعدية لكل مواطن أعجزه تقدّم السنّ عن العمل، سواء كان المواطن في الدولة الإسلامية مسلما أو غير مسلم!

 

هذه إشارة مقتضبة بكلمات، إلى لمحة عاجلة من اللمحات، عن جانب واحد من جوانب النموذج الإسلامي الأصيل، الذي يزداد تألقا عندما نطل عبر منظاره على ما نعاصره من بدائل وضعية، يكاد يشيب الولدان من بعض ما وصلت إليه انحرافاتها في مختلف الميادين، ومنها ميدان العمل.

لننظر على سبيل المثال وتذكيرا بواقع قائم حولنا، إلى قضية من مثل "تشغيل الأطفال والناشئة"، وكان أول ما أثمره الجهد التقنيني الدولي هو بنود في اتفاقية دولية من عام 1919م، وفيها ما يمنع تشغيل الأطفال في الصناعات الثقيلة، ثمّ تلتها على فترات متباعدة بنود مشابهة في مجالات أخرى واتفاقات أخرى. وأقصى مستوى وصل إليه التقنين الدولي هو "ميثاق حماية الأطفال" من عام 1989م.

وجميع ما يقال عنه من جهود، لم يمنع ارتفاع نسبة " تشغيل" الأطفال والناشئة في تجارة الجنس والدعارة، عاما بعد عام، حتى بلغ عددهم في دولة واحدة - هي الاتحاد الروسي - تسعة ملايين طفلا وناشئا من الإناث والذكور (والسكان جميعا 150 مليونا) عام 1998م.

الميثاق المذكور لم تصادق عليه الدولة الكبرى الأخرى، الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يُستغرب ذلك من تابع ما نشرته المصادر الأمريكية، كوكالة آسوشيتدبرس مثلا في عام 1998م أيضا، على هامش مؤتمر جنيف لمكافحة تشغيل الأطفال والناشئة، من أنّ في المزارع والمصانع الأمريكية مئات الألوف من الأطفال، ومنهم من رصده الصحفيون رصدا عينيا مباشرا وكان في الرابعة من عمره، يجري تشغيلهم بانتظام!

هذا بينما تشنّ واشنطون - كعواصم غربية أخرى - حملة شعواء ضدّ "تشغيل الأطفال والناشئة في البلدان النامية" بل سبق وأصدرت واشنطون عام 1993م قانونا بمقاطعة إنتاج شركات معينة بحجة تشغيل الأطفال في ورشاتها، ولكن عند التأمل في سبب وقوع الاختيار على تلك الشركات دون سواها، يتبين أن المقاطعة استهدفت في واقعها إنشاء مزيد من الحواجز - وهذا في عصر العولمة وتحرير التجارة - في وجه "منسوجات" الدول النامية كيلا تنافس المنسوجات الغربية المرتفعة التكاليف!

 

أين الخلل؟

هذه السطور التي تذكر جانبا واحدا من جوانب البدائل الوضعية، لا تشرد بنا بعيدا عن السؤال المطروح عن موضع الخلل، ما بين النظرية والتطبيق فيما نتطلع إليه من نموذج إسلامي، فمن صميم مشكلتنا مع قضية العمل والعمال، أننا نتابع مثل تلك الأحداث والمواقف والتطورات المعاصرة، ونشارك بصددها في مؤتمرات دولية تنعقد حولها، وربما ساهم بعض مشاهيرنا في صياغة اتفاقات ومواثيق دولية عنها، ولكننا لا ننطلق في جميع ذلك، أو لا ينطلق من يتحدث باسمنا، عن تصوراتنا نحن، ونموذجنا الإسلامي الحضاري نحن، بما يراعي "جنس الإنسان"، ولا يقف عند حدود أهل البلد الإسلامي من مسلمين وغير مسلمين.

كيف لا نعجب من هذا السلوك، ثم نعجب من عدم وصولنا به إلى نتيجة إيجابية، بل ونظهر العجب أيضا إن بقي العالَم جاهلا بما لدينا، وهو جهل منتشر عموما على مستوى العامة وليس بين فئات معينة تمارس العداء من مواقعها في مراكز صنع القرار، مثلما نعتب على العالَم الجاهل بما لدينا، أنه يلصق وصمة الإرهاب أو التعصب أو التخلف بالدين الإسلامي الحنيف، ويتجاهل ما فيه من "جواهر ودرر" لتحقيق الخير للبشرية ولجنس الإنسان!!

 

إنّ مشكلتنا الأكبر في قضية العمل والعمال بالمنظور الإسلامي لا تختلف في جوهرها عن مشكلتنا في التعامل مع كثير من القضايا والتطورات المعاصرة الأخرى، ولا نجد ما يعبر عن ذلك أقرب من تعبير "الانفصام" بين القول والعمل، بين الكلمة والسلوك، بين التصور والموقف، وهو ما يبلغ أخطر أشكاله في الانفصام الخطير القائم بين إنتاج المفكرين والكتاب والمؤلفين والجامعات ومراكز البحوث، وبين مواقع صنع القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية وغيرها!

 

مثل هذا القول يغري مباشرة بدفع المسؤولية والإلقاء بها على السلطات وحدها، وفي ذلك تبسيط خطير ومرفوض. ونعلم على سبيل المثال، أنّه عندما طرحت قبل عدة عقود أفكار عملية تصلح لإقامة "مصارف مالية إسلامية" وجدت تلك الأفكار طريقها إلى التطبيق.

ربما لم تصل الشبكة المصرفية الإسلامية إلى المستوى المرجو لها، رغم استعارة مصارف غربية لبعض ما فيها، ولكن الشاهد في قضية العمل والعمال هنا، يبقى أننا نحتاج علاوة على "الفكر المبدع" إلى "فكر ميداني عملي"،مثلما نحتاج علاوة على جانب الفكر من حيث الأساس إلى مبادرات صادقة وهادفة ومنهجية توصل إلى "نماذج إسلامية" واقعية وتطبيقية مشهودة، في مختلف الميادين، ومنها ما يرتبط بالعمل والعمال، في قضايا الأجور، والضمانات الاجتماعية، وظروف العمل، والعلاقة الثلاثية بين العمال وأرباب العمل والدولة، وسبل التنظيم النقابية أو سواها، والتقنين المبتكر للقضايا الطارئة والمهن الجديدة في ظل الثورات الصناعية والتقنية والإلكترونية.

 

وبعد..

فمع كل التأكيد الثابت لأهمية الأطروحات العملية، والتي تنفذ في المجتمع تبعا لقوة ميزاتها الذاتية وسط مختلف الظروف، المساعدة أو المعيقة، وتستقطب التأييد وتجد التطبيق من خلال تفاعلها الحي مع واقع قائم حي، فتقنع أصحاب العلاقة بصلاحيتها والأخذ بها.. إلى جانب ذلك يجب تكرار تأكيد حاجتنا أيضا إلى أسباب التعليم والتوجيه والتربية والتوعية التي ترفع مستوى المفكر، إلى مفكر ميداني عبر هبوطه مما يوصف بالأبراج العاجية إلى واقع الفرد والمجتمع حوله، وترفع مستوى العامل، إلى عامل مثقف، واع بأن إسلامه في مصنعه لا يختلف عن إسلامه في مسجده، وتأبى لرب العمل والممول المسلم أن يصبح عبدا للمال ومقاييسه أو أن يغفل عن احتياجات أهله في بلده، وتربأ بالمسؤول عن صناعة القرار السياسي في بلد مسلم أن يجر بلده إلى ما وقعت به انحرافات المدنية الحديثة، وهو يرى رأي العين نتائج ذلك على "الإنسان" وعلى العلاقات الإنسانية فضلا عن العلاقات السياسية وما يتفرع عنها!

 

إن الرقيّ بالإنسان بعيدا عن أسباب التمييز بين عامل ورب عمل، وغني وفقير، وأجير وأمير، واجب أساسي لا ينفصل أداؤه عن أداء واجبات أخرى يستطيع أداءها الأفراد، كلّ على حسب اختصاصه وموقعه وقدرته، والأمثل والأفضل والأسرع، هو في أن تنضاف إلى ذلك، متطلبات أساسية على مستوى صانعي القرار في الدولة، وذاك ما نبلغه عندما يتحقق في حياتنا من بين ما ينبغي أن يتحقق، ذاك المعنى الأساسي لدور صاحب السلطة، والذي نفهمه من تلك القصة التاريخية العميقة المغزى، عندما دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة - فحياه قائلا: السلام عليك أيها الأجير، فلمّا تململ الحاضرون وأنكروا عليه أن يلقب الأمير بالأجير، قال: إنما أنت أجير، استأجرك رب هذه الغنم - يقصد الرعية - لترعاها، وشرع يشرح له واجباته ويبشره بأجر من الله إن أداها، أو عقوبة منه إن قصر فيها، فقال معاوية: دعوه، فإنه يعلم ما يقول!

نبيل شبيب

 

اقرأ أيضاً

تكريم العمل، العمود الفقري للتقدم المادي، أجدر من تكريم المال، وهو وسيلة للتعامل وليس هدفا

الفكر العنصري وفكر الصراع في أرضية حضارة مادية على حساب العمال


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق