شذرات وكلمات

لا يوجد مستبد عادل وغير عادل، بل الاستبداد مرفوض مهما كان شأنه، بأي صيغة وأي اتجاه، إن حقق نتائج إيجابية أم لم يحقق

الاستبداد يبدأ بمجرد إغلاق الأبواب في وجه الآخر في أي ميدان وأي مرحلة وفي أي بلد وتحت أية راية

الخطأ نسبي والصواب نسبي.. ويقع في دائرة الخطر من يتوهم أن الصواب بضاعة محتكرة في رؤيته وعمله وحده

إذا اجتمعت مع طاقة الوجدان الحي طاقات أخرى، معرفة ووعيا وتخطيطا وعملا وتعاونا.. بدأ مسار التغيير والنهوض

تشغلني "المواقع الاجتماعية" أحيانا بكثرة إنجازاتنا الرائعة.. وأتساءل في "عالم الواقع"..أين هي؟ أم أنا العاجز عن رؤيتها؟

لا ينبغي الخلط بين خدمة الثورة وهي خدمة مشكورة.. وفرض السيادة على الثورة وهذا سلوك مرفوض

الثورة هي "الأكبر" من جميع التشكيلات الثورية مع بعضها بعضا.. سيان من تضم وأي راية ترفع

راية تحرير إرادة الشعب هي الراية الثورية الجامعة الملزمة.. في نطاق كل قطر ثائر


التسامح فضيلة لها حدودها وقواعدها

تحت المجهر - العدالة الانتقالية والتسامح

لا تسامح قبل أن يطمئن المظلوم أنه لن يتعرض للظلم مجددا، وأن يطبق القصاص على المجرم

مع كل جولة من جولات العمل لإنهاء مأساة صنعها التحرك المضاد لثورات الشعوب وتحرير إرادتها، يتكرر الحديث عن ضرورة التسامح من أجل وقف مسلسل المظالم والظلمات، وإزهاق أرواح الأبرياء، حتى أصبحت كلمة "العدالة الانتقالية" كالعصا السحرية فيما يطرح ليتخلى شعب ثائر عن مطالبته بمحاكمة رؤوس الاستبداد والفساد وأعوانهم من المجرمين.

شعب سورية نموذج على سواه من حيث الحاجة المصيرية إلى العدالة، والحاجة المصيرية إلى السلم الأهلي، والحاجة المصيرية للتسامح، فمنذ خمسة عقود لم يجد لشيء من ذلك أثرا في حياته اليومية، ناهيك عن واقعه الإنساني والسياسي والاقتصادي والحقوقي والاجتماعي وحتى التعليمي والمعيشي وفق أبسط الضرورات المعيشية من ماء وغذاء ومسكن ودواء.

إن الثورة الشعبية التاريخية التي يقدم الشعب فيها قوافل الضحايا يوميا إنما اندلعت للوصول إلى العدالة والسلم الأهلي والتسامح بين أبناء البلد الواحد، ولا يمكن تحقيق ذلك إطلاقا ما بقي أثر من آثار التسلط الاستبدادي الفاسد القائم منذ خمسة عقود، اعتمادا على الظلم بأفظع أشكاله والتمييز بأشنع أصنافه.

 

لا شك أن العدالة الانتقالية التي عرفتها مجتمعات عديدة بعد مرورها بكوارث كبيرة من قبيل حرب أهلية أو حكم عنصري، كانت من المعابر الناجحة ما بين حالة الظلم من قبل وحالة العدالة المطلوبة بعد التغيير، واعتمدت تلك المجتمعات على مبدأ تخفيف الأحكام القضائية أو الملاحقات الجنائية والتركيز على كبار المجرمين والعفو عن صغارهم، وهذا مطلوب في بلدان الشعوب الثائرة مثل سورية أيضا ولكن يجب السؤال متى وكيف؟

لم يبدأ تطبيق العدالة الانتقالية في أي بلد من بلدان العالم أثناء كوارث مأساوية دموية عاشها، وإنما بعد التغلب عليها وتأمين أسباب قيام حكم أقرب إلى العدالة. ولا ينبغي في سورية وأخواتها من بلدان ثائرة تثبيت الالتزام بالاستثناءات التي يتضمنها مبدأ العدالة الانتقالية أثناء الكارثة، أي أثناء ارتكاب المجرمين لجرائمهم، فالعقل المنحرف الذي دفعهم إلى ارتكاب الجرائم ابتداء، يمكن أن يدفعهم إلى المواصلة في ارتكابها، عند إعطائهم ما يطمئنهم أنهم لن ينالوا القصاص العادل الذي يستحقونه، فلا يسري عليهم الخوف من العقوبة ليتوقفوا عن الإجرام، ما دام لا يسري عندهم مفعول الوازع الذاتي ألا يرتكبوا الجريمة أصلا.

 

أما أن يقال للضحية وهو يذبح، ويعتقل، ويعذب، ويشرد، ويهان، ويقهر، يجب عليك "الآن" أن تعفو وتسامح وتصفح وتتنازل عن حقك في أن تلاحق العدالة من يعتدون عليك يوميا.. فهذا مرفوض منطقا، ومرفوض بسبب مفعوله الواقعي، ويعلم الضحية ويعلم من يطالبونه بالعفو أنّ العفو عند المقدرة، وإلا يتحول إلى دافع إضافي بأيدي من لا يستحقون العفو ما داموا مصرين على مواصلة ارتكاب الجريمة.

 

والعدالة الانتقالية تقوم على التخلي طوعا عن حق من الحقوق، مثل عفو ذوي القتيل عن القاتل إن أرادوا بملء حريتهم الامتناع عن المطالبة بالقصاص، ولا تقوم على الإكراه، فما دام التقتيل والتدمير والتشريد مستمرا في سورية، يتحول "تثبيت" الأخذ بالعدالة الانتقالية الآن إلى انتزاع الموافقة عليها بالإكراه، ودون أي مقابل يضمن انقطاع مسلسل التقتيل والتدمير والتشريد.

 

يمكن الحديث من حيث المبدأ عن "قابلية" الأخذ بالعدالة الانتقالية في مرحلة التحول من حالة الظلم إلى العدل، ولكن لا يمكن ولا ينبغي الحديث الآن، عن اعتبار ذلك قرارا نافذا على الضحية، وهو في قلب المعاناة.

والعدالة الانتقالية بهذه الشروط سبيل من سبل تحقيق السلم الأهلي في المجتمع الذي غاب السلم الأهلي عنه زمنا طويلا، وهي شروط تتلاقى مع القواعد والشروط التي نعرفها عن "التسامح" في معتقداتنا.

لا تحتاج شعوبنا الثائرة إلى من يعلمها ما هو السلم الأهلي وكيف يمارسه، فمغزى ثوراتها الأول أنها ترفض حالة انعدام السلم الأهلي وهي حريصة عليه وعلى ممارسته، كما صنعت عبر القرون الماضية. وليس السلم الأهلي بنودا تصاغ، وقواعد تقنن، ودورات تدريبية تنظم، إنما هو الاقتناع الوجداني الذاتي برفض ممارسات تتناقض مع السلم الأهلي، فلا إكراه لأي إنسان على معتقد، ولا يستثنى أحد من بنى آدم من حق الكرامة، ولا تقوم العدالة إلا بأن يكون الحكم بها بين الناس جميعا، ولا يُحظر حق من الحقوق المعنوية والمادية ولا حرية من الحريات الفردية والجماعية ما دام جميع ذلك محصنا بعدم انتقاص حقوق الآخر وحرياته، ولا يأتي هذا الاقتناع الوجداني الذاتي بقانون ولكن يضمن القانون عدم الشذوذ عنه، ولأن الغالبية العظمى من شعوبنا -كشعب سورية- بجميع أطيافها، عانت من ذلك الشذوذ، وجب العمل على التقنين المطلوب للسلم الأهلي، لمنع من يشذ عن السلم الأهلي من تكرار شذوذه، أو أن يجد في المنظومة الدستورية وهيكلية نظام جديد ما يمكنه من ذلك في قادم الأيام، وذلك جنبا إلى جنب مع العمل على الخروج بكل شعب من الشعوب، بغالبيته العظمى التي تعاني، وبالقلة التي ترتكب الجرائم، من محنة استمرار المعاناة ومن امتلاك القدرة على ارتكاب الجرائم.

 

إن الأخذ بالعدالة الانتقالية والسلم الأهلي والتسامح يحتاج إلى أرضية مستقرة للتطبيق، ولا يتحقق ذلك دون إيجاد المعطيات الضرورية ليطمئن المظلوم أنه لن يتعرض للظلم من بعد، وليخشى الظالم من أن الدائرة ستدور عليه إن حاول تكرار سلوك طريق ارتكاب الظلم.

نبيل شبيب

 

تعليقات

لا يوجد نتائج مطابقة


تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق