شذرات

 

لن نميز في أي ميدان من الميادين بين إنسان وإنسان وإلا نصير كمن يميزون بين حقوقنا ودمائنا على خلفية عقدية أو مصلحية مادية

 

بدأ خنق مسار الثورة منذ وجد من يشتري وعودا باطلة تتقلص تباعا ويدفع تنازلاتٍ تتفاقم عن حقوق لا يملكها.. وكانت تسمية ذلك "فن التفاوض"

 

يتزعزع الهدف المشروع من التفاوض وتتسارع عجلة التراجع مع تحويل شروط مشروعة مسبقة إلى مطالب للتفاوض

 

الفروق كبيرة بين صناعة الواقع والتسليم، وإرادة الشعب والمراوغة، والمصلحة المتبادلة والخضوع، فكيف اختلطت عند بعضنا تحت عنوان سياسة

 

دون الرؤية والتخطيط والعمل بين يدي الأحداث المأساوية الجارية، تضيع قيمة التذكير بوعد من قبيل سواري كسرى أثناء الهجرة في الرمضاء

 

لا ينتهي الاستبداد بزواله بل باستئصال جذوره فكرا وواقعا من العلاقات والثقافات اليومية في كل مكان وميدان 

 

كل إكراه استبداد مرفوض.. فلا إكراه للناس على سلطة تزعم لنفسها توجها مرجعيا إسلاميا.. أو توجها مرجعيا علمانيا

 

ليس الإسلاميون المصدر الصحيح لتعليم النهج العلماني للعلمانيين، وليس العلمانيون المصدر الصحيح لتعليم النهج الإسلامي للإسلاميين ، أليس كذلك؟


إلى طالبي الاشتراك في النشرة الدورية

أشكر طلباتكم وثقتكم، ولا بد قبل تلبيتها من استكمال برمجة تجديد مداد القلم وحسب الوعد من جانب المبرمج سيتحقق ذلك قريبا إن شاء الله
التاريخ بداية والحاضر محطة والمستقبل هدف وعمل

مقالة - الذاكرة الفلسطينية (١) استحالة محو الذاكرة التاريخية

نعايش حملةً بالغة الخطورة تستهدف محو قطاع رئيسي من ذاكرة الأمة أو تشويهه في وعيها التاريخي، وتحقيق هدف تلك الحملة مستحيل

الذاكرة التاريخية تصنع وعياً جماعياً حيّاً يولّد بصيرة نافذة وعملا مشهودا على أرض الواقع، وهي ذات قيمة كبرى في حياة الأمم ومسيرة التطوّر البشري، ولا يعوّض شيء عنها إذا غابت فبقي موضعها شاغرا في النسيج الذي يميّز شخصية الأمّة من المعتقدات والقيم والأفكار والأذواق والأخلاق والتفاعل مع الأحداث.

ولئن كان مفعول الذاكرة التاريخية بدهيا ومطلوبا في حياة أي أمّة في مراحل تاريخها الاعتيادية، فهو من الضرورات التي لا غنى عنها في مراحل الضعف، إذ تصبح مصدرا رئيسيا وحاسما لتجديد أسباب القوة، ولاستعادة القدرة على التحرّك ومواكبة ركب التطوّر البشري من جديد، كما أنّها من مكامن المناعة الذاتية ألاّ يتحوّل الضعف، وهو حالة طارئة، إلى سقوط حضاري وتسليم مطلق، مما ينبني عليه عواقب خطيرة ونتائج قريبة وبعيدة.

 

استحالة محو الذاكرة التاريخية

صحيح أن محو الذاكرة التاريخية لأمة من الأمم مستحيل التحقيق، ولكنّ مجرّد السعي لذلك أو لمحو جزء من تلك الذاكرة خطير على وجود الأمّة ومستقبلها، وهذا ما لا ينبغي السكوت عنه ولا القبول بتمريره، لا سيما على صعيد قضية كقضية فلسطين المحورية في واقع الأمة ومستقبلها.

لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان في ظل أوضاعنا الراهنة مدى أهمية الذاكرة التاريخية للصمود واستعادة القدرة على صناعة القرار وتنفيذه، وهو ممّا يستدعي مراجعة دائمة ومتجدّدة لما نصنع أو نهمل صنعه، من أجل الحفاظ على ذاكرتنا التاريخية، ومن أجل ضمان توظيف مفعولها الحاضر والمستقبلي، وكذلك مراجعة ما نصنع على طريق هدمها، أو نسمح على الأقل بأن يصنعه على مشهد منا ومسمع، فريق انسلخ بنفسه عن ارتباطاته التاريخية وسواها، وعمل ويعمل على أن يصيب سواه ما أصابه، فكأنّه يأبى السقوط منفردا خارج نطاق دائرتنا الحضارية المشتركة، فيريد سقوط الجميع معه.

وليس مجهولا أنّنا نعايش منذ فترة حملةً بالغة الخطورة تستهدف محو قطاع رئيسي من ذاكرة الأمة أو تشويهه في وعيها التاريخي، ولكن نغفل بالمقابل -ويراد لنا أن نغفل كباب من أبواب نشر الإحباط- عن أنّ تحقيق هدف تلك الحملة مستحيل واقعيا، من النواحي الكمية والنوعية والزمنية على السواء.

 

إنّ نشر تصوّرات مفادها أنّ من يقفون وراء تلك الحملة من داخل الصفوف ومن خارج الحدود، يملكون ما يكفي من القدرات والطاقات لصنع ما يشاؤون، لا يعدو أن يكون وهما كبيرا تدعمه الضجّة الكبيرة المرافقة لنشره عبر وسائل إعلامية ضخمة، ومن خلال مواقف وتحرّكات واسعة النطاق، ولكن يتبدّد تأثيره ويزول الزبد عند قياسه على قاعدة ثابتة في السنن الاجتماعية والتاريخية، أنّ تحقيق هدف من قبيل تبديل جزء من ذاكرة الأمّة -أو بتعبير آخر تنفيذ عملية غسيل دماغ جماعي للأمة- لا يرتبط أصلا بحجم القدرات الذاتية للقائمين على تلك الحملة من خارج نطاق الأمة عن عمد، ولا بحجم قدرات المنفصلين عنها من داخلها والماضين على الطريق نفسه بغض النظر عن النوايا، فسيان هل كانت تلك القدرات كبيرة أو صغيرة، ترتبط النتيجة في نهاية المطاف ارتباطا أكبر وأرسخ  بالموقف المضادّ، أي بمدى استعداد القادرين على الردّ، وحجم ما يصنعون لذلك فعلا، فضلا عن سرعة تفاعلهم مع ما يجري حولهم.

وتكشف أي مقارنة موضوعية بين هاتين "الجبهتين" مدى هشاشة منطلقات أولاهما وضعف مواقعها، رغم ضخامة وسائلها، ويكشف مثال انتفاضة الأقصى كيف أنّ شرارة واحدة كافية لإشعال ذاكرة الأمّة بعد عشرات السنين من تعرّضها للتزييف.

إنّ كلّ ما يمكن أن تحققه حملات التأثير على ذاكرة الأمة، إمّا أن ينسجم مع المعطيات الحضارية المشتركة المتوافرة أساسا فتهضمه وتوظفه تدريجيا بما لا يسيء إليها، أو يتناقض معها فتلفظه ولو سيطر ظاهريا لفترة من الزمن على القشرة الاجتماعية الظاهرة للعيان في مرحلة ضغوط تلك الحملات، الداخلية والخارجية.

 

لا مراء في أنّ تلك المعطيات الحضارية الراسخة هي التي صنعت ذاكرة الأمّة، وتدعم وعيها التاريخي، ولا يمكن إلا أن توظفه آجلا أو عاجلا في متابعة مسيرتها الحضارية المستقبلية، على أرضية ثوابت راسخة عقديا وفكريا وواقعيا في حياة الأمّة، وقائمة على إرادة فردية وجماعية، وإن تعرّض التعبير عنها للكبت كليا أو جزئيا في مرحلة تاريخية معينة لعوامل داخلية وخارجية.

 

تواصل نسيج التاريخ والواقع المعاصر

إنّ حفاظ أمتنا على ذاكرتها التاريخية مضـمون حتى ولو كان العاملون لهذا الهدف قلّة محدودة العدد والقدرات، وما هم كذلك قطعا، على نقيض ما يزعم الزاعمون كجزء من حملة نشر اليأس والتخذيل الراهنة، والمقترنة بالتهويل من طاقة الطرف الآخر، ونشر التصوّرات الموهومة، كما أنّه هدف مضمون لرسوخ ذاكرتنا التاريخية على ثوابت أصيلة، لا تتبدّل بسبب تجاوزها أو إهمالها أو التهجّم عليها، فقد صنعها الانتماء الحضاري المشترك المتميز على مدى قرون وقرون، وتقبّلتها الأجيال وتوارثتها جيلا بعد جيل.

 

إنّ الثوابت الصادرة عن ذاكرة الأمة والتي تصنعها المعطيات التاريخية ثوابت متوافقة بمضامينها وبما تقتضيه على أرض الواقع، كما أنّها في الوقت نفسه متوافقة مع جوهر ما رسخ مضمونا وشكلا من ثوابت "مستحدثة الصياغة" على المستوى البشري المشترك، أي تلك التي تعارف عالمنا المعاصر عليها تحت عناوين القيم والمبادئ والمثل، وهذه لا تتبدّل بتبدّل نصوص قرارات أجهزة ما، كمجلس الأمن الدولي مثلا، وبالتالي لا تتقلّب مضمونا وفق تقلّب موازين القوى الآنية، إّنما هي ثوابت راسخة المعالم والصياغة، مذكورة في نصوص واضحة وقاطعة، هي ما يمثّل الشرعية الدولية بمفهوم القانون الدولي، وهي التي تحكم بالتالي بالمشروعية أو عدم المشروعية على ما يصدر من قرارات، أو ينفذ من إجراءات على مستوى العلاقات الدولية، سواء اتخذ صيغة اتفاقية دولية أو إقليمية أو صدر بصيغة من الصيغ عن جهاز دولي أعلى.

إنّ دعم المساعي الراهنة لتزييف مصطلح الشرعية الدولية نفسه، إلى درجة خنقه وخنقها وراء قضبان ما يقرّره أو لا يقرّره طرف يملك أسباب القوّة الآنية، ويستخدمها عبر أجهزة دولية أو خارج نطاقها لفرض إرادته على سواه، لا يختلف من قريب أو بعيد عن دعم ما كان يسمّى بصورة صريحة ومباشرة: شرعة الغاب!

 

وعلى قدر ما تظهر معالم عملية التزييف، يظهر أيضا ضعف تلك الحجج الشاذة المنادية بالتسليم للشرعية الدولية ما دام المقصود الحقيقي هو التسليم لقوّة مهيمنة على صناعة قرار دولي تعتبره تلك القوّة المهيمنة -على حسب أهوائها- هو الشرعية الدولية، كما يظهر مع ظهور التزييف مدى ضعف الحجج التي تعتبر التخلي عن الثوابت سياسة تقتضيها واقعية التعامل مع واقع قائم، وهي تغفل أو تتغافل عن أنّ هذا التخلّي يساهم في الانزلاق إلى واقع أسوأ وأشدّ وطأة سيتطلّب -إن تحقق فعلا- مزيدا من التخلّي عن مزيد من الثوابت!

نبيل شبيب

 

تعليقك هنا

* الاسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* تعليقك

تعليقك مرحب به, الرجاء الالتزام بالآداب العامة للحوار

* كود التحقق