ورقة – منهجية الهمجية وقهر الآخر

أخطر منتجات شرعة الغاب

ممارسة التعذيب والقهر جريمة همجية تنزع انتساب مرتكبها إلى الإنسانية، أيا كانت انتماءاته

ــــــــــ

(قبل النشر في إصدارة سابقة من مداد القلم يوم ٢١ / ١٢ / ٢٠١٤م كانت مادة هذا الورقة البحثية (الموجزة) قد نشرت في بحثين منفصلين، أحدهما بعنوان “وحشيةالإنسان.. أخطر منتجات شرعة الغاب”، يوم ١٣ /٥/ ٢٠٠٤م في موقع إسلام أون لاين، والثاني بعنوان “بانوراما قهر الآخر”، يوم ٢٠/ ١٢ / ٢٠٠٥م في موقع شبكة الجزيرة، وتناول البحثان الجذور التاريخية لمشاهد التعذيب والقهر التي استخدمتها الدولة الأمريكية في حربها ضد أفغانستان والعراق، وأصبح “معتقل جوانتانامو” و”سجن أبو غريب” رمزين صارخين لها، وما يزالان حتى الآن)

المحتوى

تساؤلات من المسؤول

ولادة مشوّهة للحقوق الإنسانية

من مدارس العنف المعاصرة

أدلّة على ارتكاب الجريمة

التهوين من شأن الجريمة وتقنينها

جذور تاريخية مرعبة

هل يمكن مواجهة العواقب؟

يتكرّر الكشف عن تلك الصور المفزعة يوما بعد يوم، وفي مكان بعد مكان، وعلى حساب فئة بعد أخرى من “الأسرة البشرية الواحدة”، والمشهد واحد: جريمة شيطانية يرتكبها طرف يدعي أنه “إنسان” والضحيّة هو “الإنسان”.

وصل الدور إلى مرتكب الجريمة الأمريكي في طرف، والإنسان العراقي في طرف آخر (عقب الاحتلال الأمريكي للعراق) وتُكمل المشهد صور أخرى لمعاناة الإنسان الأفغاني، والفلسطيني، والشاشاني.. وغيره (من ذلك الإنسان السوري في المعتقل الأسدي الكبير).

إن ما كُشف -وهو قليل من كثير- عمّا جرى في العراق، وأصبح معتقل أبو غريب رمزا له، وليس الساحة الوحيدة لممارسته، تُذكرنا فظائعه مجددا:

١- بما حاولنا إبعاده عن الذاكرة، مما شهدته حروب البلقان، حيث كان (على وجه التعميم لا الحصر) المجرم صربي الجنسية، وكان البوسني والكوسوفاوي هو الإنسان الضحية.
٢- بما نشيح الأبصار عنه مما كشفته وتكشفه منظمات حقوق الإنسان، عما جرى وما زال يجري في الشاشان، حيث يظهر الروسي في دور المجرم والإنسان الشاشاني هو الضحية.
٣- إضافة إلى فظائع أخرى، كتلك التي أطلت علينا مجددا من نيجيريا، ولما يغب رأسها في تايلاندا بعد، ومن قبل ما كان في الهند وفي الفيليبين وغيرهما.
٤- أما في فلسطين فلم ينقطع المسلسل الدامي منذ عشرات السنين.
وفي الوقت الحاضر، نعايش بأم أعيننا ولا نصدق كيف تجاوزت الهمجية الإجرامية جميع الحدود دون استثناء على أيدي أتباع الإجرام الأسدي القائم منذ عشرات السنين، وأتباع داعش ومن اتبع أساليبها منذ فترة محدودة.

. . .

هل نحن أمام أحداث استثنائية متفرقة وحالات فردية شاذة، أم هي ظاهرة لها جذورها ومعالمها المشتركة وعواقبها الوخيمة؟
لا يسهل النظر -بهدوء موضوعي وروية منهجية- في مثل هذا الموضوع، والواقع أنه -لا ينبغي- لأي إنسان أن ينظر فيه نظرة جامدة خالية من المفعول التلقائي الذي يصنعه التأثر الوجداني العميق بالمشهد المفزع المتكرر: إنسان يُعذَّب وآخر في شكل “إنسان” يتلذذ بتعذيبه. إنما لا بد في الوقت نفسه من نظرة تسعى لاستيعاب جوانب الظاهرة وخلفيّاتها، بحثا عن الوسيلة الأفضل والأقوم للتعامل معها، والفقرات التالية تمثل محاولة لهذا الغرض، تساؤلا مريرا ونظرة عبر التاريخ، فإلى الواقع الراهن، ثمّ محاولة استشراف الممكن في المستقبل.

تساؤلات: من المسؤول

لا يقتصر الأمر على مشهد الأمريكيين بعد احتلال العراق عام ٢٠٠٣م، ولا تعمم الفقرات التالية الحديث على كافّة الأمريكيين أو سائر الغربيين، إنما تريد النظر في موقع “صانع القرار” في الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، من حيث حمل المسؤولية على امتداد زمن طويل، أي عن زرع جذور هذه الظاهرة، وعن انتشارها وتفاقمها.
لقد انتشرت تساؤلات حائرة:
من أين تأتي هذه الممارسات الرهيبة ويشارك فيها من يشارك من أبناء الغرب الذي ارتبط بأذهان كثير منا بأسماء بيتهوفن ودوستويفسكي وشكسبير أكثر من هتلر وستالين وبوش، وارتبط بمشاهد الصعود إلى القمر والمريخ أكثر من الهبوط في وحل الاعتداء الجنسي على الأطفال، وتألق مع جوائز نوبل للسلام ومختلف العلوم، أكثر من هيروشيما وناجازاكي ومعتقل أبو غريب، بل ربما ارتبط عند الكثيرين بالصور المعروفة المليئة بالحيوية والمتعة دعاية إلى الاستمتاع بمشروب “كوكا كولا” ولذة “صندويش ماكدونالد”، وليس بصور تفجر الدمع في العيون أمام إراقة الدماء البريئة في الشوارع السكنية بالقنابل العنقودية أو العبث بها داخل السجون والمعتقلات ووضع المعذبين فوق بعضهم بعضا أكواما من اللحم الحي!!

هل أفلست الحضارة الغربية إنسانيا بصورة نهائية، حتى أصبحت الحروب الأمريكية في العالم هي الصورة الطاغية في التعبير عن الغرب، أم أن الإنسان الغربي قد توحش رغم رفعه المتواصل لرايات حقوق الإنسان وحرياته وهو يفخر ويتبختر بها في المحافل الدولية!

هل يمكن فصل عناوين جوانتانامو وأبو غريب، عن بقية العناوين الحضارية الغربية، أم أن ظهورها الآن أصبح -كما كان حريق روما قبل انهيار إمبراطوريتها- “مرحلة حتمية” على طريق طويلة بدأت بمذابح كريستوف كولومبوس تحت عنوان اكتشافات جغرافية، فأطلقت العنان لإبادة الهنود الحمر تحت عنوان نشر حضارة الإنسان الأبيض، ثم عبر محطات عديدة إلى أن وصلت إلى المحطات الحالية في فلسطين وأفغانستان والعراق، تحت عنوان “مكافحة الإرهاب الدولي” ونشر “الديمقراطية”!

ثمّ إلى أي حضيض يمكن بعد أن يصل إليه هذا المخلوق ‎الفرد، وهو في موقع المسؤولية والتوجيه أو في موقع التنفيذ مستمتعا بالجريمة، وقد بدا في الحالتين فاقدا لشروط انتمائه البشري من خلال ما يرتكبه بحق الإنسان وحق البشرية!
وإلى متى يتوهم من يتوهم بأنه لن يقع الانفجار يوما ما، ردا على أولئك “الأفراد” ومن يحركهم، فيكون آنذاك انفجارا عارما يتضاءل في ظل لهيبه حجم الثورات التاريخية الكبرى؟

لقد أصبح واضحا في هذه الأثناء أن القضية ليست قضية معتقل أبو غريب فقط، وليست حالات فردية “استثنائية شاذة” فحسب، بل هي ظاهرة واسعة الانتشار، ويشهد على ذلك:

١- ما نشر من صور بعد الصور الأولى في المحطة التليفزيونية الأمريكية سي بي إس.
٢- ما حفلت وتحفل به الشبكة العالمية والبريد الإلكتروني وكان المسؤولون في الغرب يهملونه.
٣- موقف هيئة الصليب الأحمر بالذات يوم ٦ / ٥ / ٢٠٠٤ بأنها سبق أن أطلعت الحكومة الأمريكية منذ شهور على ما رصده العاملون من الهيئة في السجون والمعتقلات في العراق، بما في ذلك معتقل أبو غريب. ولكن لم تتحرك الحكومة الأمريكية استجابة للصليب الأحمر ولا سواه، أي لم تتحرك رغم علمها بما يقع وليس جهلا به، فبقيت تعلم -كما ظهر في تلعثم مسؤولين بكلماتهم من مستوى بوش ورامسفيلد- وبقيت تتجاهل، أو بقيت لا “تشعر” بأن من الضروري أن تتحرك، فما دام الأمر لا يهدد وجود فلان أو فلان في السلطة، فهو لا يستدعي التحرك!

وفي هذه الأيام من عام ٢٠١٤م، ينشر بعد عشرة أعوام من الانتظار تقرير رسمي أمريكي يوثق مرتكبي الجريمة والمسؤولين عنها، ولكن تغيب أصوات من لا ينقطع تبجحهم بالدعوة إلى “عدم بقاء جريمة في أنحاء العالم دون عقاب”، كلما وجهوا أصابع الاتهام إلى “غير الأمريكيين” ومن يلبس قبعاتهم.
ألا ينبغي أن يرى ذلك أولئك الناقدون باستمرار لدعوات “الهوية الذاتية” واعتبار ذلك من صنع “إيديولوجيات مرفوضة” في عصر الحداثة؟
ألم تنكشف بما يكفي ازدواجية المعايير في تحريك الجيوش تحت عنوان حماية الإنسان والأقليات حيثما اقنضت مطامع الهيمنة ذلك، مقابل جهود تتجنب “استهداف المجرمين الأسديين” أو تدعم إجهاض عدد من الثورات الشعبية العربية؟
كأننا أمام صور كاريكاتورية كالتي يتحدث عنها المسؤولون الغربيون بشأن “السياسة الإعلامية وممارسات السلطة” في بلد متخلف أو بلد يحكمه الاستبداد!
بل نحن أمام مشهد أكثر تطورا، عندما نربط بهذا السلوك الحكومي الأمريكي ما كان يتردد من شن “هجمات سياسية” على أعلى المستويات ضد “أكاذيب الفضائيات العربية في متابعة أحداث العراق”!!
السكوت كان ممكنا ما دام الحديث عن وقائع التعذيب يتحرك خارج نطاق “الدائرة الأمريكية والغربية”، فلما كشف جانب من الممارسات عن طريق وسيلة إعلامية “أمريكية”، تحرك العالم الغربي فجأة، وليس المسؤول الأمريكي وحده!

انكشف الأمر على هذا النحو، فهل يمكن أن نعزل هذا المسلك الإعلامي والسياسي وما يعنيه من حيث البعد “الإنساني” المفقود فيه، فنفصله عن وقائع ممارسة التعذيب بحد ذاتها وما تعنيه بمنظور ما يمكن أن تصل إليه همجية “الإنسان” بتأثير “شرعة الغاب” رغم ارتفاع شأو التقنية الحديثة كما لم يعرف التاريخ البشري من قبل!

أليس مما يعزز الارتباط الوثيق بين المسلك السياسي لصانع القرار والمسلك الفردي لبعض البيادق في آلة التنفيذ العسكرية، ما نشهده من محاولات مستميتة من أجل طي صفحة رهيبة المشاهد على هذا النحو، مثل صفحة معتقل أبو غريب، عن طريق محاكمة بعض الأفراد، وإصدار بعض التصريحات، وتكرّم رئيس الدولة الأمريكية بالظهور على الشاشة وهو يدين ويمتنع عن مجرد الاعتذار اللفظي!

مجرى الحدث لا يتطلب اصطناع الأسئلة عن جوانبه وأبعاده، فسلوك صانعي الحدث يفرضها، ومن هنا السؤال: هل يمكن القول إن وقائع التعذيب المكشوفة والجاري كشفها، مجرد حالات فردية وقعت على غير انتظار، وليست “ظاهرة” لها جذور أوسع نطاقا، فلا يمكن مكافحتها دون الوصول إلى تلك الجذور!

ولادة مشوهة للحقوق الإنسانية

نحاول البحث أولا ما إذا كان لظاهرة “الهمجية الفردية” هذه جذور فكرية تفسرها، أو تاريخية هيأت لها أسباب الظهور.
وقد يثير الاستغرابَ للوهلة الأولى أن يوصل البحث إلى نتيجة تقول إن البداية كانت في تربة معينة، يفترض أنها هي التي هيّأت أرضيةً حضارية إنسانية تمنع في الأصل نشأةَ مثل تلك الظواهر!
نعلم أن أول ما يؤرخ الغربيون به -ويجاريهم سواهم- لولادة حقوق الإنسان وحرياته مع تجاوز مجرى التاريخ من قبل، هو حرب الاستقلال الأمريكية والثورة الفرنسية. ويلفت نظر المتأمل في الحدثين تاريخيا أن القاسم المشترك الأكبر بينهما، هو أن تلك الولادة لم تكن في محاضن دعوة عقدية أو فكرية أو ثقافية أو إنسانية أو سوى ذلك من المسميات المشابهة التي يمكن أن تُربط بها إرهاصات عصر “التنوير” في أوروبا آنذاك، بل كانت ولادة منظومة الحقوق والحريات من البداية في “محضن العنف”، حربا وثورة، مع كل ما نقلته كتب التاريخ عن سفك الدماء في الحدثين المذكورين بالذات، وهذا في حقبة تاريخية كانت من قبل وبقيت من بعد حافلة بأسوأ أشكال التمييز العنصري، رقيقا يستعبد في الولايات المتحدة الأمريكية، وثوارا يسفكون الدماء دون حساب، انتقاما من بقايا إقطاع كان متحالفا مع الكنيسة في أنظمة تقتل العلماء وتحرق النساء في أوروبا.
السؤال المفروض طرحه هنا:
أليست محاضن العنف تلك هي التي جعلت مسألة الحقوق والحريات تخضع لمفهوم شائع إلى الآن ومحوره أنها “تُنتزع انتزاعا”، وبالتالي يأتي السؤال عن أثر ذلك على تكوين الفرد في ظل هذه الثقافة للحضارة الجديدة الوليدة، عندما تجعل المدخل الحاسم إلى إقرار الحقوق والحريات هو العنف، أو هو “الصراع” الذي كان على الدوام الخط الأحمر المميز لمجرى التاريخ الغربي، إلى أن قال كثيرون حديثا: إن الصراع انتهى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ويشهد تاريخ العقود التالية على غير ذلك!

إذا أردنا رؤية مدى تغلغل نزعة الصراع هذه في “النفس البشرية” في الغرب، فلن نجدها فقط مقترنة بالعنف في ساحات القتال أو العدوان السافر، بل نجدها منتشرة فعالة في مختلف ميادين العلاقات في المجتمع، حتى بات ينطلق من أن الوضع “الطبيعي” هو ألا تحصل فئة من الفئات على حقوقها إلا بقدر ما تملك من قوة لتحصيلها، وهذا ما ألقى بظلاله على طريقة التعامل مع ما يسمى حركات التحرير الغربية، مثل تحرير المرأة أو إنصاف العامل، وحتى حقوق الطلبة التي تحوّلت إلى مطالب اجتماعية وسياسية أوسع نطاقا، ولكن منذ “ثورة الطلبة عام ١٩٦٨م”.

وتبقى نظرة “ضرورة الصراع.. لانتزاع الحقوق” هي ذاتها التي تسري على التعامل مع حقوق الشعوب الضعيفة أو المستضعفة في نطاق العلاقات الدولية.

قد يكون “الصراع” نزيها أحيانا، ولكن لا بد أن يفقد نزاهته عند خلطه بعنصر آخر ناجم عن الولادة المشوّهة لمنظومة الحقوق والحريات في الغرب أيضا، وهو الروح العنصرية التي كان ميادين انعكاسها التأصيل الغربي لمفهوم “حقّ الملكية” بصورة معبرة عن اعتماد القوة أيضا سواء كانت قوة السلاح أو قوة المال أو قوة التقنية.
لقد أصبح حق الملكية -بغض النظر عن المعنى اللغوي أو الثقافي للكلمة- ينطوي منذ ما سمي الاستكشافات الجغرافية ومنذ الحملات الاستعمارية، على “حق” الاستيلاء بالقوة على ما يملك الآخر.
والأهم من ذلك في إطار الحديث هنا هو انتشار الإحساس عند الفرد العادي بأن هذا الاستيلاء “مشروع” رغم سائر ما تقول به “نصوص المواثيق الدولية”، بل باتت نزعة الاستملاك بالقوة هذه تنطوي على استملاك مصير “الآخر”، فكأنما تحولت النظرة إلى الرق قديما واعتباره أمرا طبيعيا، إلى النظرة حديثا إلى الاستغلال المادي والاستعمار الأجنبي، واعتبار ذلك أمرا “طبيعيا”!

مرة أخرى: يجب البقاء بعيدا عن التعميم ولكن يجب الابتعاد أيضا عن التهوين من شأن تغلغل هذه العناصر في تكوين النفس البشرية، ففي الإطار المذكور كانت المقدمات الأولى للحملات الاستعمارية الغربية توصف بالاستكشافات الجغرافية، وفي الإطار نفسه يغيب في هذه الأيام إحساس الفرد الغربي بوجود تناقض ما مع منظومة الحقوق والحريات الإنسانية أو المواثيق الدولية، عندما يتقبل على سبيل المثال، دون محاولة وضع موقفه أصلا موضع السؤال، نتائج الواقع الراهن القائم على “استيلاء المهاجرين اليهود على أرض فلسطين”، فمن يعتبر جرينيداد أرضا بريطانية، وكناري أرضا أسبانية، وجوايانا أرضا فرنسية، يعتبر دون شعور بالحرج فلسطين أرضا يهودية إسرائيلية، مثلما بات يعتبر أيضا أن للإنسان الغربي حق امتلاك “صناعة مصير الآخر”، بل إنه يتكرم عليه بذلك، ولا بأس -عند الضرورة- في إيقاع العقوبة به من أجل مصلحته!

لقد تلاقت جذور العنصرية والصراع والعنف ونزعة الاستيلاء على ملكية الآخر، لتشكل أرضية بالغة الخطورة، يمكن لصانع القرار أن يعتمد عليها، بوعي غالبا ودون وعي نادرا، في تنشئة الإنسان الغربي، أو في تنشئة فريق من أهل الغرب على الأقل، لتحقيق أغراض عدوانية محضة، وإن سماها مصالح عالمية!

من مدارس العنف المعاصرة

كان للمعطيات التاريخية المذكورة دور كبير في إيجاد المناخ الملائم لممارسة العنف، على مستوى الأفراد وعلى مستوى الدولة، ومع وصول هذا المناخ إلى الإنتاج الثقافي والإعلامي وغيره، تحول إلى مدارس لترسيخ العنف بترويض النفوس عليه، ولا يعني أن يصبح كل فرد من الأفراد ممارسا للعنف، ولكن يعني (١) قابلية ذلك على التعميم و(٢) ارتفاع فرص العثور على من يمكن توظيفهم لمهام العنف الوحشي و(٣) قابلية تسويغ ما ينكشف من تلك المهام، لا سيما إذا كان ضحاياها ممن تزدري بهم النظرة العنصرية أو تشوه حقيقة صورتهم ممارسات التزوير الإعلامية.
يسري هذا على الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من البلدان الغربية الاخرى، لا سيما وأن البلدان الأوروبية سبق وعرفت ما تعنيه عواقب ثقافة العنف وسيادتها، وقد أوصلت الإنسان الأوروبي نفسه إلى موقع الضحية، في حربين عالميتين لم يمض عليهما زمن طويل في عمر التاريخ.

ولإدراك كيف كانت “ثقافة العنف” تفعل فعلها وتؤدي المطلوب منها حسب ما يريد من يوجهونها، يكفي إلقاء نظرة عاجلة على أحد الميادين المعروفة لصناعتها، إذ يشهد تاريخ السينما الأمريكية أن شهرتها الكبيرة قامت في المرحلة الأولى على العنف في أفلام رعاة البقر، ثم على العنف في موجة الأفلام “البوليسية” وأفلام الجريمة المنظمة، ومضت أشواطا على ذلك حتى وصلت إلى موجة العنف في أفلام “جيمس بوند ورامبو وأقرانهما”، وكانت -إلى جانب ذلك- تصنع صنعا “الأعداء” في الحس الفردي الأمريكي، فمن كان اسمهم “الهنود الحمر” قديما، أصبحت أسماؤهم ألمانية وروسية وعربية وإسلامية، على حسب ما يحتاج إليه صانع القرار، في مرحلة معينة من المراحل السياسية الدولية، بل حتى ظهور موجة “الأفلام الفضائية” لم يمنع من اصطناع أصناف من الأعداء الخياليين، بما يحافظ على تصوير “الآخر”، أيّا كان، بأنه عدو شرير بالغ الخطورة، “يجب” أن يتحرك “البطل الأمريكي” ضده، بكل الوسائل، وإن تجاوز سائر القيم وسائر الضوابط المعروفة تحت عناوين الحقوق والحريات الإنسانية، أو المواثيق القانونية الدولية، أو حتى الدستور الوطني الذاتي، فالغاية المتمثلة في القضاء على “شر إرهابي مرعب” تسوغ كل وسيلة، وإن اتسمت بصبغة همجية غير مسبوقة.

ويمكن التفصيل طويلا في كيفية تغلغل روح العنف في ميادين أخرى، لتظهر مثلا خلفيات انتشار الجريمة على مستوى مرعب مذهل كما ونوعا في المدارس وعلى مستوى جيل الناشئة عموما، أو في صور الاعتداء الجنسي على النساء والأطفال، أو في صورة القتل العشوائي والقنص لحياة أي إنسان في الطريق أو السوق.

جميع ذلك لم ينشأ اعتباطا، مثله في ذلك مثل العنف على مستوى القوات المسلحة الأمريكية ومنظمات المرتزقة التي تستعين بها، فمن يطلع على برامج “التدريب العسكري” الأمريكية، وبرامج تأهيل العاملين في “الأجهزة الأمنية والمخابرات”، ويرصد التشابه الكبير بينها وبين كثير من “الأفلام الخيالية”، يمكن أن يستغرب عدم انتشار “ظاهرة العنف الوحشي” لو لم تظهر وتنتشر، لا أن يستغرب ظهورها، ما بين محطات اليابان وفييتنام وأفغانستان والعراق وسواها!

إن في مقدمة ما تصنعه مدارس العنف هذه هو أن يتمكن الفرد من التجرد من إنسانيته ومن تأثير فكره وأحاسيسه عليه، إذا ما وجد نفسه وجها لوجه أمام مهمة توكل إليه، ويكون فيها “قتل الآخر”، وهو ما يتحقق بدءا بتصوير الآخر “كائنا همجيا متخلفا غادرا” يجب الانقضاض عليه مسبقا، وانتهاء بنشر ما لا نهاية له من مشاهد العنف الدموي لجعله “أمرا اعتياديا”.

الجدير بالتأمل هنا أيضا أن هذا الانحراف السلوكي الخطير لم يكن “سياسة” جديدة أو كان حصيلة ممارسات صنعها وضع سياسي جديد، وهو ما يقال أحيانا (ربما للإبقاء على أمل زائف في احتمال التغيير الذاتي مع كل انتخابات جديدة) وتتركز الإشارة هنا على نتائج وصول “المحافظين الجدد” إلى السلطة -ولا يستهان بحجم ما صنعوا- إنما يعتبر الانحراف المذكور انحرافا متأصلا منذ زمن لا بأس به. ونذكر مثلا على ذلك أن أحد الطيارين الذين ألقوا القنبلة الذرية على هيروشيما ثم ناجازاكي، كان يعبر بعد عشرات السنين، أي بعد ظهور النتائج الإجرامية الكبرى للحدث، عن شعوره بالفخر بما أنجز، وأن طيارا آخر كان مكلفا بإلقاء قنبلة ذرية ثالثة، وألغيت مهمته، عبر عن أسفه (!) لإنهاء الحرب قبل تنفيذ المهمة.

إن ما ينبغي تثبيته هنا، هو أن الممارسات الحالية للجنود الأمريكيين (أو البريطانيين وغيرهم)، ومن يعمل بإمرة المسؤولين السياسيين والعسكريين من مرتزقة تحت عنوان “شركات خاصة للأمن”.. هذه الممارسات في العراق، أو في أفغانستان، أو في جوانتانامو، أو سواها، لا تنفصل إطلاقا عن الجريمة الكبرى، التي ارتكبت أولا في حق “الإنسان الغربي”، لا سيما الأمريكي والبريطاني في هذه الحالة، بتجريده من إنسانيته، ليرتكب ما يرتكب من جرائم في حق “الإنسان الآخر”، فيصنع ذلك وكأنه يعبث على شاشة الحاسوب!

أدلّة على ارتكاب الجريمة

حيثما ظهرت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة رايس خلال جولتها الأوروبية أواخر عام ٢٠٠٥م، كانت تستقبلها مطالب المسؤولين الأوروبيين باتخاذ موقف واضح وحاسم من فضيحة التعذيب الجديدة والسجون السرية التي انكشفت آنذاك، بعد كل ما سبقها من فضائح في العراق وأفغانستان وجوانتانامو، وكلما أدلت بتصريح توالت احتجاجات منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، ولم يعد يمكن العثور على مقال إعلامي يقف موقف الحياد إزاء الممارسات الأمريكية ناهيك عن موقف الدفاع عنها، فقد أفقدت هذه الممارسات الدولة الكبرى البقية الباقية من مصداقيتها في الغرب الأوروبي. وما يخشاه الغربيون، هو أن يشمل ذلك العالم الغربي “الديمقراطي الحر” بأسره، وكان مما ذكرته “نيويورك تايمس” بهذا الصدد: “أمر سيئ ألا تتمكن رايس من زيارة الدول الأوروبية إلا بعد اضطرارها للتأكيد رسميا أن الرئيس بوش لا يقبل بممارسات التعذيب، وأسوأ من ذلك أن كلماتها لا تجد مصداقية، فقد اجتمع الكثير من الأدلة على أن تلك الممارسات تقع تحت مسؤولية السلطة”، وكان تعليق كارستن فويجت، منسق علاقات الصداقة الألمانية-الأمريكية: “يبقى السؤال، ترى هل تفهم رايس من كلمة تعذيب ما نفهمه نحن؟”. ويشرح المقصودَ ما ورد في مذكرة من عام ٢٠٠٢م كتبها ألبرتو جونزاليس، المستشار السابق للشؤون القانونية لدى بوش ووزير العدل لاحقا: “التعذيب هو عندما يسبب إصابة، كالموت، أو عجز عضو جسدي عن أداء وظيفته”، أي أن ما دون ذلك مما نشرته الصور عن أبو غريب وجوانتانامو وغيرهما، لا يعتبر تعذيبا بمفهوم الدولة التي تزعم أنها زعيمة الدعوة إلى حقوق الإنسان في الأرض!
ونرصد أيضا فيما نرصد (أواخر عام ٢٠٠٥م):

١- كشف صحيفة “واشنطون بوسط”عن وجود ما لا يقل عن ثمانية سجون سرية في بلدان أوروبية (وسواها في بلدان عربية وإسلامية) تستخدمها وكالة المخابرات المركزية للمتهمين أمريكيا بالإرهاب، وتجري فيها التحقيقات مع ممارسة التعذيب.
٢- الكشف في إطار المتابعة الإعلامية عن استخدام المخابرات الأمريكية للمطارات الأوروبية عشرات المرات وربما مئات المرّات خلال سنوات معدودة لنقل المتهمين إلى السجون السرية.
٣- أثناء المضاعفات السياسية للحدث تجدد طرح قضايا أخرى، مثل قضية اختطاف خالد المصري، الألماني الجنسية العربي الأصل على حدود مقدونية، عام ٢٠٠٤م، وتعذيبه خمسة شهور، قبل إطلاق سراحه، بعد اكتشاف “التباس في الأسماء”، واختطاف الإمام المصري مصطفى حسن نصر في ميلانو الإيطالية عام ٢٠٠٣م، كما كشف عن التعذيب الذي كان ضحيته في جوانتانامو مهدي محمد غزالي السويدي من أصل مصري، وقد أطلق سراحه قبل أسبوع واحد من كتابة هذه السطور.

ولا أحد يشك في أن اتباع أساليب الاختطاف والسجون السرية يقترن بممارسة التعذيب، بما يتجاوز مبادئ القضاء الأمريكي نفسه والغربي عموما، ومواثيق القانون الدولي العام والإنساني، كما يتجاوز كافة معايير كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته، مما لم ينقطع حديث “المعلم الأمريكي” ومن يتلقون عنه ويسيرون على طريقه حذو النعل بالنعل، عن أن من مصادرها الأولى الدستور الأمريكي من عام ١٧٧٦م.

إن حلقات المشهد المشار إليها بإيجاز شديد كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فمسلسل الرعب أطول من ذلك بكثير، وعناوين مشاهده السابقة مفزعة أيضا.
المشهد القريب الآخر المتفاعل إعلاميا أثناء كتابة هذه السطور يرتبط بما انكشف عن استخدام القنابل الفوسفورية في الفلوجة، وهو ما أصبح إلى جانب -استخدام سواها- ومشاهد التدمير والتقتيل فيها وفي عدد آخر من المدن العراقية، في مقدمة ما يفسر أسباب ذلك الغضب العاصف الأمريكي في حينه، ضد وجود مراسل لشبكة الجزيرة في المدينة أثناء قصفها، واقترنت هذه “الفضيحة الفوسفورية” بالكشف عن فضيحة مذكرة “التشاور” حول قصف مقر الجزيرة نفسه، ومن الطبيعي أن تفقد واشنطون بذلك آخر من كان يصدقها أن “أخطاء فنية” ارتكبتها الآلة العسكرية فحسب كانت من وراء اغتيال الإعلاميين وقصف مواقع وسائل الإعلام، في العراق وأفغانستان، وكانت قناة الجزيرة والعاملون فيها في مقدمة الأهداف “العسكرية”.

المشهدان المذكوران رهن الأخذ والرد حاليا، ولا يسري ذلك على مشاهد سابقة، من عناوينها جوانتانامو، رمز السقوط الحضاري للسلطة في واشنطون، أو “جولاج العصر” على حد تعبير منظمة العفو الدولية، ثم أبو غريب حيث لا يكاد يصدق وجود “بشر” يتلذذ هكذا أمام عدسات التصوير بتعذيب “إنسان” معتقل مقيد.

وإذا استثنينا ما انتشر من جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال والناشئة، مع التعذيب أحيانا إلى درجة القتل، فلا توجد جريمة أكبر وأبشع من جريمة عمل إرهابي يستهدف الأبرياء بالقتل المباشر، كجريمة التعذيب من جانب سلطات أمنية حكومية، فهي أبشع صور الانتهاكات وأحطها، وهذا ما أصبح يلاحق السمعة الأمريكية في حملة هيمنتها الدولية الراهنة ويهبط بها إلى حضيض بعد آخر، وهو ما يستحيل وصفه بالحالات الانفرادية، فعلى أعلى المستويات كان المسؤولون الأمريكيون يتبجحون رسميا إبان حرب احتلال أفغانستان باستخدام معتقل جوانتنامو خارج إطار كل صيغة من الصيغ القانونية الدولية، وينفون عن المعتقلين فيه أي صفة تسمح بالتعامل معهم كبشر، ثم انكشف أن السجانين الذين تعينهم القيادات الأمريكية على سجون من قبيل أبو غريب -وربما السجون السرية أيضا- هم الذين أفقدتهم ممارساتهم صفة الانتماء إلى الأسرة البشرية الإنسانية.

مسؤولية سياسية عليا

إن ما انكشف تباعا بلغ من الهول والبشاعة والتكرار والانتشار ما يجعل من سائر ما تصنعه أنظمة استبدادية محلية هنا وهناك، بما في ذلك القائمة في عدد من البلدان العربية (ربما باستثناء نظام التسلط الأسدي.. كما ظهر في الثمانينات الميلادية وعقب اندلاع الثورة الشعبية ٢٠١١م) مجرد فضائح “صغيرة” -ولا يُستهان بهمجية من يرتكبها إطلاقا- مقابل الفضيحة الكبرى، للدولة الكبرى، أو هو مجرد تطبيق تلاميذ صغار لِما يبتكره معلمهم الكبير، الذي ينتقد استبدادهم كلاميا ويضع مساحيق الديمقراطية وحقوق الإنسان على وجه استبداده الدولي القبيح وقهره للإنسان، جنس الإنسان، بما في ذلك الإنسان الأمريكي الذي يفتح له عبر المخابرات وشركات المرتزقة أبواب الهبوط إلى ذلك الدرك المخزي.

من العسير -رغم ما تعنيه الديمقراطية وتطبيقاتها والانتخابات التي أوصلت السلطة الحالية إلى مواقع صناعة القرار- تحميل عموم الشعب الأمريكي المسؤولية عن تلك الممارسات، مثلما يستحيل القبول بحصر المسؤولية عنها في نطاق أفراد من عملاء المخابرات أو الجنود أو المرتزقة فيما يسمى “شركات الأمن الخاصّة”، فلا يمكن تبرئة المسؤول السياسي مما يُصنع في عهده، لا سيما عندما يكون من تصريحاته الرسمية ما ينطوي في أدنى الدرجات على التهوين من شأن ما يقع، أو تمويهه، ناهيك عن التشجيع عليه. وهذا بالذات ما تميز به المسؤولون من “المحافظين الجدد” عن أسلافهم، بعد أن جمعوا التطرف السياسي العسكري والخلفية العقائدية العدوانية بصورة غير مسبوقة في تاريخ أمريكا نفسه.

رغم ذلك فممارسات التعذيب وقهر الآخر لها جذورها التاريخية، وتتطلب معالجتها تعديل مناهج التربية السياسية والخلقية في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن المفارقات المخجلة أن تطالب الحكومة الأمريكية بدلا من ذلك بتغيير المناهج في البلدان الإسلامية، وتجد من يستجيب لها من المسؤولين، وهي المناهج التي إن احتاجت إلى إصلاح، فذاك في اتجاه تعزيز التربية على الإسلام، بوسطيته واعتداله وتسامحه، وبتثبيته لكرامة الإنسان، جنس الإنسان، وحقوقه، سائر حقوقه، سواء كان من المسلمين أم سواهم، وفي اتجاه إقصاء ما أُدخل على  تلك المناهج بفعل التغريب والتقليد لِما سرى وانتشر من أفكار وتطبيقات في الولايات المتحدة الأمريكية بالذات، ووصل إلى تنظيمات على غرار داعش!

التهوين من شأن الجريمة وتقنينها

ليست مشاهد “الاستمتاع والتلذذ” بارتكاب جريمة التعذيب في معتقل أبو غريب -وسواه- وحدها التي تشير إلى أنّها أكبر من مجرد انتهاك لحقوق الإنسان بصورة بشعة، فالواقع أنه شاهد واحد من الشواهد العديدة على جوانب خطيرة في هذه الظاهرة:
١- التربية السلوكية والتدريب العملي والترويض النفساني بصورة تفقد الإنسان آدميته تجاه إنسان آخر.
٢- الوصول إلى درجة اعتبار القتل والتعذيب وانتهاك الكرامات “أمرا اعتياديا” بل وأشبه بمغامرة “سياحية” إلى درجة تصوير مرتكبي الجريمة بعضهم بعضا وتبادل تلك الصور ما بين أفراد قوات الاحتلال، حتى يبلغ الأمر مبلغه مع ضمائر بعضهم، فينقلوا بعض ما وصل لأيديهم إلى وسائل الإعلام، وهو أمر يكشف بدوره أنهم يعلمون بأن المسؤولين من القادة لن يتصرفوا لو اقتصر الأمر على “تبليغهم” فيما لو كانوا جاهلين بما يجري.
٣- رغم الإدانة اللفظية الشديدة على ألسنة المسؤولين، فعلى أرض الواقع يسري تصنيفهم للجرائم المفزعة البشعة في خانة “مخالفات”، أي يمكن أن تستدعي اللوم أو التسريح من الخدمة، أو حتى بعض العقوبات المحدودة التأثير، ولكن نادرا ما يصل العقاب إلى درجة رادعة، لا سيما وأن التحرك ضد ما ينكشف من هذه الظاهرة، لا يبدأ من جانب المسؤولين أنفسهم إلا تحت تأثير ضغوط خارجية، وليس نتيجة “موقف ذاتي”.
٤- التعليمات الإدارية الحكومية الرسمية نفسها تنطوي على تقنين التعذيب في نظر من يمارسه، وهو أمر معتَرف به رسميا في حالات معينة من “التعذيب” الجسدي والنفساني، مثل المنع من النوم، والوقوف طويلا بصورة مؤلمة جسديا، وغير ذلك مما تتحدث عنه المصادر الرسمية بنفسها.
٥- في كثير من الحالات الصارخة يتحرك المسؤولون السياسيون أنفسهم عبر تصريحاتهم ومواقفهم في اتجاه يبيح الاعتقاد بأنهم لا يعلمون بما يجري فقط، بل ويشجعون عليه، ومن ذلك كأمثلة (١) نزع أي صفة قانونية عن المعتقلين في جوانتانامو ليكونوا في موضع الفريسة المستباحة في غابة من الغابات، وكذلك (٢) تكرار الحديث عن طبيعة “الحرب ضد الإرهاب والإرهابيين” على ألسنة الساسة المسؤولين مثل وزير الدفاع الأمريكي الأسبق رامسفيلد، فضلا عن (٣) مواقف “الصمت المخزي الصارخ” امتناعا عن إدانة ما يدينه العالم كله من ممارسات، كالاغتيالات الإسرائيلية للزعماء السياسيين والغارات الإسرائيلية على المدنيين.. ناهيك (٤) عن السياسة الرسمية على مستويات أخرى كالامتناع عن المشاركة في اتفاقيات حقوق الإنسان، وحقوق الطفل، ومكافحة التعذيب، وصولا إلى “خوض معركة” ضد تشكيل المحكمة الجنائية الدولية للمحاسبة على الجرائم الحربية والجرائم ضد الإنسانية، كي يبقى قرارها مقيدا بمن اغتصبوا لأنفسهم ما يسمى “حق النقض / الفيتو” في مجلس الأمن الدولي، فجميع ذلك يعطي مرتكب الجريمة الأمريكي الجنسية أو المحمي أمريكيا، الإحساس بأن باستطاعته أن يرتكب ما شاء من الجرائم وهو مطمئن إلى وجود سياسات “تحمي ظهره”.
٦- السياسة الإعلامية المتبعة من جانب صانع القرار الأمريكي، ومن يرتبط به من مالكي زمام الإعلام، وهي سياسة قائمة على ثلاثة محاور رئيسية، (١) حظر نشر الصور الواقعية عن ضحايا الحرب من الجانبين، و(٢) سد الأبواب على الشعب الأمريكي أمام وسائل الإعلام الاخرى قدر الإمكان و(٣) ملاحقة من يكشف عن الممارسات الأمريكية في الحرب كشفا مباشرا كما كان أثناء اقتحام بغداد في مطلع حرب الاحتلال، وفي حصار الفلوجة بعد عام على الاحتلال. وتؤكد هذه السياسة الإعلامية أن القائمين على صناعة قرار الحرب يدركون تماما أن الكشف عن حقيقتها يعني الكشف المخزي عن وجه “جريمة بشعة” يعارضها الإنسان العادي، فيتجنبون ذلك ما استطاعوا، كيلا تبلغ المعارضة مبلغا يجبرهم على الرجوع عن صنع ما يصنعون عن سابق إصرار وتصميم.

جذور تاريخية مرعبة

إن الأفراد الذين يصل بعضهم في الولايات المتحدة الأمريكية إلى محاور صناعة القرار أو المؤسسات التي تتشكل في الحقبة الزمنية الحالية، ليسوا سوى حصيلة مسيرة الهيمنة الأمريكية تاريخيا، وحصيلة ما أفرزته من نهج تتابعت حلقاته حقبة بعد حقبة، إلى أن بلغت ما بلغته الآن، ولا يمكن توقع معالجته إلا من جذوره التاريخية، مع ضرورة التلاقي دوليا على أرضية مشتركة لرفض مسيرة الهيمنة الأمريكية من الأصل ورفض سياسات مَن ينحنون لها وذرائعهم المختلفة، وإلا فلا جدوى من الاكتفاء بالمطالب الواسعة النطاق بشأن وقف تلك الممارسات فحسب.
لا يتسع المجال لمزيد من التفصيل فيكفي وضع بعض العناوين المكملة تاريخيا لأبعاد مسيرة الهيمنة من وراء مشاهد قهر الآخر:

كل من يريد الحديث عن الجانب الأسود من التاريخ الأمريكي يذكر هيروشيما، ولكن قليلا ما نقف عند حقيقة أن الأوامر العسكرية العليا صدرت بإلقاء القنبلة الثانية على ناجازاكي بعد ٣ أيام، أي بعد أن ظهر حجم الدمار والتقتيل الذي أحدثته القنبلة الأولى، فيما لو ظن من يظن أنها كانت مجهولة، فكانت الجريمة الثانية عن سابق علم بأبعادها وتصميم على ارتكابها.
ويشابه ذلك السلوك الحربي تحويل مدن ألمانية بكاملها كهامبورج ودرسدن الألمانيتين أبنية وبشرا وشجرا إلى أنقاض، دون أن يكون فيها قوى عسكرية أو مراكز صناعية وبعد أن وصلت الحرب ضد ألمانيا النازية إلى مرحلتها الأخيرة.

إن استيعاب ما يجري الآن يتطلب استيعاب جذوره، إذ لم يكن قد مضى على بيان الاستقلال الأمريكي سوى ٣ أعوام عندما أعلن توماس جيفرسون أنه “من المستحسن بقاء العرش الأسباني في القارة إلى أن يصبح مجتمعنا قويا فنلتهمها قطعة بعد أخرى”.
وشبيه ذلك مقولة ودرو ويلسون الذي يشاد بدعوته إلى حق تقرير مصير الشعوب: “يجب أن يحمي وزراء الولايات المتحدة الأمريكية امتيازات أصحاب رؤوس الأموال، وإن أدى ذلك إلى انتهاك سيادة الدول المتمردة الأخرى، يجب نشر المستعمرات دون إهمال ودون التغاضي عن أيّ زاوية في العالم”.
وإذا كان جورج بوش الابن قد بدأ عهده بالقول بوجوب أن يكون القرن ٢١م قرنا أمريكيا، فقد سبقه إلى شبيه ذلك هنري لوك، أحد عمالقة الإعلام الأمريكي بقوله في حينه “يجب أن يكون القرن ٢٠م قرنا أمريكيا”.
وإذا كانت حكومة المحافظين تريد تلقين الديمقراطية للعالم فلا يختلف ذلك عن قول عضو مجلس الشيوخ آلبيرت بيفردج “حضارتنا الأمريكية يجب أن تضرب جذورها في كل مكان لا يزال أهله يعيشون في ظلام دامس” معبرا بذلك عن عهد ويلسون الذي رأى مهمة بلاده في “إنقاذ الأعراق الأخرى التي ما تزال في عمر الطفولة”.
وأسلوب التطبيق هو ما يصوره الرئيس الأسبق تيدي روزفلت في تعليماته للديبلوماسيين الأمريكيين: “ليكن حديثكم ليّنا، ولكن احملوا معكم العصا الغليظة، وستجدون أنّكم ستحققون ما تريدون”.
ومن أقوال المُحْدثين على النهج نفسه ريتشارد ريفيس، في صحيفة “هيرالد تريبيون”: “أصبح باستطاعتنا أن نملي على الدول الأخرى صياغة سياساتها الخارجية.. وسوف نجد في البلدان على الدوام “قبائل” تصنع ما نريد”، أو المؤرخ الأمريكي، رونالد ستيل: “منذا الذي يستطيع أن يتحدانا الآن؟ اليابان بلد فقير بالمواد الخام ويحتاج إلى أسواق الاستهلاك الخارجية، والصين شعوب متعددة الأعراق على وشك السقوط في حروب ما بين سادة وعبيد، والهند على حافة التمرد الداخلي والفوضى المطلقة، وأوروبا لن تتجاوز أن تكون دارا تجارية استهلاكية ضخمة حافلة بالمشاجرات؟”
ويشرح العالم الأمريكي دانييل إلسبيرج من جامعة هارفارد ذلك بقوله: “غابت ذريعة مكافحة الشيوعية للتدخلات العسكرية الأمريكية، ولكن ما تزال ذريعة الدفاع عن المصالح الأمريكية موجودة، وهي مقبولة شعبيا وقابلة للتطبيق لممارسة تلك التدخّلات نفسها”.

ونقول مع “الأمريكيين” تخصيصا:

إن ما تحتاج إليه الولايات المتحدة الأمريكية الآن هو إنقاذها ممن يقودها إلى الهلاك، وفق ما جاء في رسالة كانت أشبه بالاستغاثة، وجّهها (في آذار / مارس ٢٠٠٢م ونُشرت في صحف أوروبية) ١٣٠ مفكرا ومؤرخا ومثقفا أمريكيّا إلى “أصدقائهم في أوروبا” يطلبون فيها الدعم في مواجهة “الهيمنة الأمريكية العالمية”، ويقولون فيما يقولون على سبيل المثال: “نحن المثقفين نواجه الخيار العسير بين دعم الإدارة الحاكمة وما تستخدمه من إمكانات التدمير الكبيرة مسوغين لها أعمالها، وبين مواجهة هذه العجرفة وإسقاط الأقنعة عنها والتعاون مع محبي السلام في العالم لإيجاد ما يضمن التفاهم والحوار ويحقق العدالة للجميع”.

هل يمكن مواجهة العواقب؟

في متابعة هذه الممارسات الخطيرة التي تفتقر لكل بُعْد من أبعاد الإنسانية أو القيم أو الأخلاق، أو حتى لمنطق سياسة واقعية متوازنة وإن لم تلتزم بالقيم والأخلاق، لا ينبغي إغفال جانبين هامين:
١- أنها ظاهرة مصطنعة اصطناعا في حياة البشرية وواقعها، فالفطرة البشرية ترفضها ومرتكب الجريمة يحاول إخفاءها.
٢- أن الضحية الأولى هو الإنسان الغربي المشارك فيها بهمجيته، إلى جانب الإنسان “الآخر”، أي الضحية في كل مكان تصل إليه تلك الهمجية عبر صانع قرار فرض الهيمنة عالميا.

من هنا فإن مهمة مواجهة الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على التحرك في جبهة واحدة، كما أنه لا ينبغي أن تؤدي إلى الانزلاق بتأثير فظاعات الحدث وراء نشر الدعوات المنحرفة تحت عنوان “المعاملة بالمثل”، فحتى لو امتلكنا القدرة على تحييد قيمنا الذاتية من دين وخلق ومشاعر إنسانية، وهي بالغة الأهمية لا ينبغي تغييبها، يبقى أن الوصول إلى “هدف” القضاء على الظاهرة الهمجية تلك، غير قابل للتحقيق من وراء المعاملة بالمثل، ليس بسبب “تفاوت ميزان القوى” كما يتردد أحيانا، وإنما لأن كل واقعة في هذا الاتجاه يجري توظيفها تلقائيا في “منهج التربية والتدريب والترويض” لتنشئة أناس يفقدون إنسانيتهم، ويتحركون مثل مَنْ تدفعه غريزة همجية مضاعفة تحت تأثير إيهامه بأنه يواجه “عدوا همجيا” وليس إنسانا من البشر.
لا بد في مواجهة هذه الظاهرة المرضية الفتاكة في حياة البشرية من العمل في وقت واحد:
١- تجاه المسؤولين عنها عبر المقاومة المسلحة المشروعة في المواثيق الدولية بأقصى ما يمكن أن تجده من الانتشار الذاتي والدعم.
٢- وعلى المستوى “الرسمي العالمي” بتضييق دائرة الحصار على من وصلت فضيحة أبو غريب إلى كراسي سلطة بعضهم، من خلال نشر كل ما يمكن نشره للرأي العام، للكشف عن أن الجولة التي يخوضها الطرف المعرض للعدوان، إنما هي معركة “الإنسان” في كل مكان، ضد من انحرف بالإنسان عن طبيعته السوية وفطرته السليمة ليفتك بغيره فتكا وحشيا.
٣- وعلى مستوى الجبهة الذاتية والشعبية العالمية بالتركيز في هذه القضية وسواها على تلاقي الجهود من وراء أسباب الاختلاف العديدة ومن وراء الحدود القريبة والبعيدة، على استنفار الروح الإنسانية والقيم الإنسانية وكل من يتمسك بها ليشارك مشاركة فعالة بمختلف ما يتوافر لديه من الوسائل للعودة بحياة الأسرة البشرية إلى التوازن والاعتدال والتعايش، بعد أن بلغت مسيرة توظيف العنصرية والصراع وهيمنة قوة البطش، مبلغا يهدد البشرية في واقعها الراهن وفي مستقبلها، دون تمييز بين فريق وفريق، وينشر بين الشعوب ألوانا غير مسبوقة من الكراهية والأحقاد وغرائز الثأر والانتقام.

لا يستهان بهذه الوسائل، إذ لا نغفل أن الكشف عن “بعض” ما يجري، كان كافيا لارتفاع مستوى الاعتراض من جانب الرأي العام في كل مكان، إلى درجة أشعرت صانعي قرار الحروب العدوانية، بأن عليهم أن يتصرفوا، وهم يدركون أنهم أصبحوا يجلسون على مقاعد خاسرة، عاجلا وليس آجلا.

مشاهد بشعة مفزعة لا يمكن للكلمات أن تعبر عنها، وأصبح مسلسلها أطول بكثير من أن يسمح بالتمويه على أبعادها بالأساليب المعتادة، كأن يقال إنها ممارسات فردية، وليست ظاهرة تحتاج إلى استيعاب جذورها ومعالجتها من تلك الجذور، إنّها مشاهد التعذيب، من صناعة أمريكية، بإخراج أمريكي، فيما تسميه الزعامة المسؤولة عن تلك المشاهد في الولايات المتحدة الأمريكية “القرن الأمريكي”.

نبيل شبيب

إغلاق