ورقة – الإخوان المسلمون 2002م

إصلاح وتجديد أم خلاف وانشقاق؟

رصيد عشرات السنين ينطوي على أخطاء وتبقى الإنجازات هي الأكبر

ــــــــــ

(أعد هذا الموضوع كبحث تحليلي على خلفية أوضاع الإخوان المسلمين في مصر آنذاك، ونشر في شبكة الجزيرة في نهاية عام ٢٠٠٢م، ومع إعادة تحميل البحث في مداد القلم مع تجديد إصدارته لعام ٢٠٢٠م، لوحظ أنه أصبح يحمل في شبكة الجزيرة تأريخا آخر، وهو ٣ / ١٠ / ٢٠٠٤م، يبدو بسبب تطوير إخراج الموقع الشبكي على الأرجح)

واضح أنّ الاهتمام كبير بحركة الإخوان المسلمين وما تشهده منذ شهور، من قبل رحيل مرشدها السابق مصطفى مشهور رحمه الله، ثم ما يمكن أن تواجهه في المرحلة المقبلة. ولهذا الاهتمام ما يعلّله من الناحية الموضوعية، فهي كبرى الحركات الإسلامية في المنطقة العربية على الأقل، وكانت وما تزال ذات تأثير كبير على مختلف المستويات الفكرية والاجتماعية والسياسية في معظم البلدان العربية وخارج نطاقها، هذا علاوة على أن المرحلة الراهنة تفرض توجيه الاهتمام إلى ما يرتبط بالإسلام والحركات التي تدعو إليه عقيدة ومنهجا للحياة والحكم، فهي مرحلة الحملات المتوالية على المنطقة وسائر أهلها، وقد ازدادت وطأتها وشدتها واستخدام العنف فيها منذ سنوات تحت عنوان “الإسلام عدوّ بديل”، وإن تبدلت الشعارات الرسمية لفظا دون تبدل المضمون.

المحتوى:

التطوّرات الجارية في الميزان

ماهيّة التطوّرات الجارية

التعامل مع التطورات الجارية

اتجاه ريح “الإخوان”

ـ ـ ـ 

التطوّرات الجارية في الميزان

أمام الاهتمام الكبير بما تواجهه حركة الإخوان المسلمين في الوقت الحاضر لا بد من النظر في أسباب هذا الاهتمام قبل النظر في الظاهرة نفسها، فكثير مما يقال ويكتب حول الموضوع بات يرتبط بمنطلقات المتكلم أكثر من واقع الحدث نفسه، وهو ما أحاط التطورات الجارية في نطاق الإخوان (٢٠٠٢م) بضباب مكثف بدلا من الإسهام في توضيحها. وتجنبا للإطالة يكفي التنويه بأمرين اثنين، بإيجاز شديد:

الأمر الأول:
الاهتمام بالحركة ومستقبلها يصدر عن جهات متعددة المشارب والأغراض، منها:

(١) أفراد يهمهم أن تكتسب الحركة صلابة وقوة وقدرة على التأثير، فيصدر اهتمامهم عن التساؤل عن التطور الأفضل للحركة بهذا المنظور، وهل يكون عن طريق هذه الصورة أو تلك من الصور المطروحة داخل نطاق الإخوان وعبر وسائل الاتصال العامة المتوفرة.

(٢) أفراد يمثلون الحركة، كما يظهر من الحوارات التي أجريت مع د. عصام العريان ود. عبد المنعم أبو الفتوح.

(٣) أفراد يمثلون “التيار التجديدي” وأبرز ما نشر بهذا الصدد كان بقلم أ. جمال سلطان يوم ١٨/ ١١ /٢٠٠٢م ونقله موقع جريدة “الميثاق العربي” الإلكترونية.

(٤) فريق ممن يوصفون بالشبيبة -والأمر هنا نسبي- وهم من داخل الحركة نفسها، وينشرون مواقفهم عبر شبكة العنكبوت منذ شهور على الأقل سبقت وفاة المرشد العام مصطفى مشهور رحمه الله، وهذه الكتابات موضع الاعتبار أيضا في إطار الحديث عن الظاهرة نفسها في الفقرات التالية.

(٥) ثم أفراد مطلعون من ذوي العلاقات الجيدة بالحركة، أو هم من داخلها.

ولكن لم تظهر في حدود الوقت المقصود “دراسة” منهجية متكاملة بطبيعة الحال، ربما باستثناء الدراسة التحليلية الأولية التي نُشرت باسم د. ضياء رشوان يوم ١٧ / ١١ /٢٠٠٢م في موقع إسلام أون لاين.

إنما يشمل الاهتمام الراهن فريقا آخر، يتطلب وقفة قصيرة فحسب في بداية هذا البحث، ويتمثل في:

(٦) عدد كبير من الأصوات والأقلام التي أدلت بدلوها في هذا الموضوع، عبر تعليقات مباشرة، أو حتى عبر تقارير لها ظاهريا صياغة إخبارية، ولكنها تنطوي على آراء خاصة بأصحابها، أكثر مما يمكن قوله عادة في تعليق مباشر بالمفهوم “الإعلامي التخصصي” للكلمة. والمقصود هنا أفراد لم يُعرف عنهم من قبل أيّ حرص على حركة الإخوان المسلمين من قبل ولا على مستقبلها وما يجري داخل نطاقها، وبين يدي كاتب هذه السطور عدد من التعليقات والكتابات من هذا القبيل، نشرتها صحف عربية عديدة مثل الشرق الأوسط اللندنية والأهرام القاهرية وسواهما، وهي لكتاب معروفين من قبل بوقوفهم موقف الخصومة “العلمانية الأصولية” ليس إزاء الإخوان المسلمين فحسب، بل وإزاء التيار الإسلامي والتوجهات الإسلامية عموما، ومثل هذه المساهمات وبالأسلوب المتبع فيها، يمكن في أقصى الحالات أن يشوش على النظرة المنهجية الموضوعية لِما يجري في الوقت الحاضر، وقد تفيد متابعته من جانب حركة الإخوان المسلمين من باب معرفة “أفكار الخصم وتوجهاته”، ولكنّ خلوّ غالبها من المحاولة الجادة لتحليل الحدث ولو من وجهة نظر متناقضة مع الحركة نفسها، يجعلها لا تصلح مصدرا للمعلومات عن الحركة، أو أن تكون طرفا “نزيها” يُرجع إليه فيما هو أصلح لها ولمستقبلها، وللمنطقة الجغرافية والخارطة السياسية المتأثرة بوجودها.

الأمر الثاني

يمكن فهم توجيه الأنظار إلى حركة الإخوان المسلمين في الوقت الحاضر بالذات، نتيجة ما سبق تناقله مؤخرا عبر شبكة العنكبوت على وجه التخصيص تحت عنوان “التجديد والإصلاح” وكذلك مع رحيل المرشد العام مصطفى مشهور رحمه الله، ولكن لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان في الوقت نفسه، أن ما تشهده الحركة على هذا الصعيد، وبدأ الحديث عنه تحت عنوان “ظاهرة الانشقاق” إنما يمثل حالة معروفة في تطور سائر التنظيمات والجماعات “الحزبية” لا سيما إذا كانت من قبيل “الحركات الجامعة” بمعنى أنها شعبية، وسياسية، وقطرية، وعالمية في وقت واحد.

من أراد أن ينظر نظرة موضوعية في حقيقة حجم “الانشقاق أو الخلاف أو التجديد” على مستوى حركة الإخوان المسلمين في الوقت الحاضر، عليه -دون اعتبار ذلك تسويغا أو تفسيرا- أن ينظر نظرة المقارنة على سبيل المثال:

(١) فيما شهدته الحركة الشيوعية في المنطقة العربية والتي كانت تنشطر على نفسها في البلد الواحد، خلال فترة تاريخية وجيزة، إلى أكثر من تنظيم صغير وكبير، أو أن ينظر إلى:

(٢) حزب البعث العربي الاشتراكي، وانشقاقاته في بلد واحد كسورية كما يوثقها مثلا أمينه العام في سورية سابقا د. منيف الرزاز في “التجربة المرة” أو ما هو معروف على المستوى العربي ما بين جناحي سورية والعراق. ويسري شبيه ذلك على:

(٣) ما آل إليه مصير حركة القوميين العرب.. أو:

(٤) مصير حركات المقاومة الفلسطينية التي نشأت في الستينات والسبعينات الميلادية رغم ظروفها الخاصة.

كما يمكن لمن أراد أن يتابع مثل هذه الانشقاقات وكيفية تعامل أصحاب الشأن “الحزبي” معها في بلدان أخرى، أن ينظر إلى الخارطة الحزبية الأوروبية، وسيجد أن معظم الأحزاب الأوروبية المعروفة في الساحة السياسية اليوم، إنما هي نتاج مسلسل من الانشقاقات الانشطارية المتتالية، مما لا يستثني الاتجاهات المسيحية المحافظة، ولا الاشتراكية اليسارية، ولا من يوصفون بالأحرار أو يوصفون بالخضر.

وعلى ضوء ما سبق يمكن أن نضيف هنا أن الفقرات التالية لا تريد أن تنطلق من منطلقات فريق:

(١) يهول من شأن ما يجري على صعيد حركة الإخوان المسلمين، ويقيس أحداثها بمقاييس “الانشقاقات” التي يعرفونها عن جهات أخرى، دون مراعاة الخصوصيات التي تميز هذه الحركة الإسلامية.

(٢) كما أنها لا تنطلق أيضا من منطلقات من قد يهونون من شأن ما يجري، لارتباطهم التنظيمي بالحركة نفسها، فهذا يُفقد أي تقويم هادف الهدف منه، سواء كان “نظريا علميا” أو كان مرتبطا ارتباطا عمليا بالحركة والقرارات الصادرة في إطارها ومن حولها

ولا يتوقع أن تشمل الفقرات التالية كافة جوانب الموضوع المطروح، فهو أوسع من إمكانية “حشره” في بحث قصير محدود الأفكار والكلمات، إنما المرجو هو التوصل إلى  تحديد معالم أرضية منهجية لمتابعة التطورات والمواقف الجارية وما يمكن أن ينبني عليها في المستقبل المنظور، انطلاقا من نظرة المتأمل في هذه الأحداث من خارج النطاق التنظيمي، يعززها ما يتوافر من صلات وثيقة على صعيد التصورات والفكر والأهداف وعلى الصعيد الميداني، وكذلك ما يتوافر من تقدير كبير قائم على المتابعة المتواصلة لمنجزات الحركة، لا سيما ما يرتبط من ذلك بالقدرة على التعامل مع الأخطاء أيضا، ومع الظروف الصعبة، وهي ظروف يمكن القول إنه لا يكاد يوجد لها مثيل إلا قليلا، بالمقارنة مع ظروف سائر الحركات والتنظيمات التي عرفتها المنطقة العربية والإسلامية عموما.

ماهية التطورات الجارية

معظم العناوين المتداولة حاليا لوصف ما يجري في حركة الإخوان المسلمين، يجري تداوله دون تحديد واضح متعارف عليه للمضامين المقصودة به، بدءا بكلمة انشقاق، وانتهاء بكلمة الإصلاح أو التجديد.

وننطلق من أن:
(١) الانشقاق يعني انفصال مجموعة كبيرة مؤثرة تبلغ مستوى “التيار” داخل حركة من الحركات عن الحركة الأم وتشكيل فصيل تنظيمي آخر، جديد من حيث التصورات والوسائل.

(٢) الإصلاح يعتمد في الدرجة الأولى على تحسين الوسائل التقنينية والإدارية المتبعة داخل حركة من الحركات كنتيجة طبيعية للمراجعة الداخلية، والنقد الذاتي، وتطور الظروف الداخلية لتلك الحركة والخارجية المحيطة بها.

(٣) التجديد لا يعني تغيير الأسس بل تخليصها من الشوائب، ولكن يمثل عملية إصلاح أوسع نطاقا، وأعمق مضمونا، من عملية الإصلاح، وتركز على تحقيق التغيير على مستوى القيادات والإدارة وليس على مستوى النصوص المكتوبة والعلاقات الداخلية فقط.

وسيان على أي تعبير يستقر الحديث، لا بد أولا من إقصاء عنصر معتاد في تطورات مشابهة، وهو أن يكون الانشقاق أو التجديد أو الإصلاح شاملا لأصل التصورات التي تقوم حركة الإخوان المسلمين عليها، والمقصود هنا هو الإسلام نفسه، فهو ليس مطروحا للبحث بطبيعة الحال، وإنما المطروح من حيث التصورات هو “كيفية” أخذ حركة من الحركات بثوابت الإسلام ومتغيراته، والتعامل معها بصورة تميزها عن سواها، دون أن تفقد صفة “الإسلامية” المرتبطة بمعايير عامة، تسمح بوجود أكثر من حركة متباينة عن بعضها بعضا ولكن تشملها هذه الصفة دون صعوبة على قدر التزامها بتلك المعايير.

بهذا المعنى ينبغي التأكيد: ليس “أصل التصورات” مطروحا من جانب أيّ جهة من الجهات المنتسبة إلى حركة الإخوان المسلمين، إنّما يدور الحديث عن “الفروع” من حيث التصوّرات، و”الوسائل” من حيث السياسة التطبيقية.

في هذا الإطار يمكن القول، إذا كان المقصود بكلمة انشقاق هو انفصال مجموعة كبيرة مؤثرة من الأفراد تمثل تيارا متميزا عن التيار العام السائد في منهج حركة الإخوان المسلمين، بحيث نجد في النهاية حركتين كبيرتين متميزتين عن بعضهما بعضا، كما وقع في السودان على سبيل المثال، فهذا أمر مستبعد في الوقت الحاضر على الأقل، بل ولا يصح وصف التطورات الجارية وبغض النظر عما ستسفر عنه، بأنها بوادر انشقاق، لا سيما وأن من يثيرها ويتحدث عنها، لا يطرح فكرة انفصال تنظيمي إلا في حدود “عبارات طائشة” إذا صحّ التعبير، ولا يوجد في حدود ما طُرح حتى الآن أكثر من دعوات إلى تطوير إداري وتنظيمي داخلي، لا يمثل “بدائل تنظيمية” عن الهيكلية الحالية للحركة، وفق ما يقول به “التيار التجديدي” كما يصفه أ. جمال سلطان أو “الجيل الثاني” في الجماعة على حد تعبير د. ضياء رشوان.

كما أنه من العسير بالمقابل الأخذ بمقولة التهوين من شأن ما يجري عبر وصفه بأنه لا يتعدى حدود مناقشة داخلية معتادة وأن “تهويل شأنها” صادر من خارج الحركة فقط، أو القول إن الدعوات للتجديد والإصلاح صادرة عن “مجموعة من الشبيبة” فقط.

الواقع من خلال متابعة النصوص المتداولة للمطالب المطروحة داخل نطاق الحركة، هو أن التغيير المطلوب أكبر قطعا من “إصلاح” جزئي لبعض الجوانب الإدارية والمناهج المتبعة، المطلوب أكثر من ذلك ويصل إلى مستوى “التجديد” وفق تعريف الكلمة أعلاه، وبما يشمل “سياسة الحركة” و”مناهجها التطبيقية” و”تنظيماتها الإدارية والقيادية”. رغم ذلك لا يمكن -الآن- ولكن يمكن بعد أن تسفر التطورات الجارية عن نتيجة مرئية، القول إنها كانت “بوادر انشقاق” وإن لم يدعُ إليه أحد، أو كانت “انقلابا حركيا” على حد التعبير المثير في بعض ما يُكتب عن الحركة، أو كانت هذه التطورات “تجديدا وإصلاحا داخليا” هو في الأصل ظاهرة صحية في وجود التنظيمات الشعبية والحزبية الكبيرة الحريصة على البقاء والتفاعل مع المتغيرات القطرية والإقليمية ومع متغيرات العالم والعصر.

التعامل مع التطورات الجارية

رغم أن الأسابيع المعدودة التي سبقت وتلت وفاة المرشد العام مصطفى مشهور رحمه الله، لم يسجل من جانب القيادات الرئيسية للإخوان، ما يشير إلى تجاوب واضح ومتفاعل مع ما يطرحه “تيار التجديد” فلا يبدو أن القيادة الحالية للإخوان المسلمين وعلى رأسها المرشد العام الجديد المستشار مأمون الهضيبي (توفي في هذه الأثناء رحمه الله)، ستكتفي -أو ستستطيع الاكتفاء- بإجراءات جانبية أو ظاهرية للتهدئة، أو أن يقتصر تعاملها مع التطورات الجارية على “إجراءات من جانب القيادة تجاه القاعدة”، لا سيما وأن دعوات التجديد والإصلاح وصلت إلى داخل مكتب الإرشاد، الذي يقوم مقام مجلس الشورى في حال عدم انعقاده، ومعروف أن انعقاده أمر عسير للغاية في ظل الظروف السائدة في مصر. هذا بالإضافة إلى أن الذين يتحدثون عن ضرورة الإصلاح والتجديد لا يقتصرون على “شبيبة يتحركون عبر الشبكة العالمية” قطعا، وهو ما تدركه القيادة الحالية بوضوح وإن لم تعبر عنه بوضوح مماثل في إطار المقابلات والأسئلة الإعلامية التي اتخذت صياغتها طابعا استفزازيا في غالب الأحيان.

هذا علاوة على أن هذه القيادة بالذات، سبق أن مرت بتجربة كبرى للإصلاح والتجديد في مطلع السبعينات الميلادية، فيما يسميه د. ضياء رشوان “مرحلة التأسيس الثانية لحركة الإخوان المسلمين”، وقد وصلت من خلال تحركات وتطورات مشابهة لما يجري حاليا، إلى مواقع توجيه سياسة الحركة ونشاطاتها منذ ذلك الحين، وكانت آنذاك هي من “جيل الشبيبة” بمقاييس الزعامات والقيادات السياسية والحركية، أي من جيل وسطي أعمار الأربعينات إلى الخمسينات.

ولعل “المراجعات” الكبرى التي جرت آنذاك وساهمت في وضع الإطار الجديد للحركة دون الخروج بها عن مسارها التاريخي، يستدعي من القيادة الحالية التخلي عن حساسيتها تجاه كلمة “مراجعات” رغم استخدامها في الآونة الأخيرة في معرض الحديث عن “الجماعة الإسلامية” في مصر، فالكلمة بحد ذاتها لا تكتسب مضمونها الواقعي من خلال ما تصنع بها جهات أخرى، حركية ورسمية، وإنما من خلال التعامل المتميز للحركة نفسها مع تلك الكلمة أو سواها. فالمقصود يبقى قائما وهو النظر في مطالب معينة مطروحة، قد يكون بعضها قويما مفيدا، وبعضها الآخر غير واقعي أو غير مفيد، ولكن لا يتبين ذلك إلا بعد النظر فيها.

بالمقابل ليس صحيحا أن تعامل القيادات “التاريخية والتقليدية” مع مطالب الإصلاح يقتصر على الرفض المطلق، وليس بسيطا في تاريخ الحركة ما سبق الأخذ به قبل سنوات من تعديلات لا بأس بها على اللوائح الداخلية، شملت ميادين عديدة، ومنها أن تكون فترة مسؤولية المرشد بعد انتخابه محددة زمنيا، بعد أن كانت غير محدودة، وهذا في البلدان العربية بالذات، التي تجعل من “موقع المسؤولية” منصبا ثابتا مدى الحياة أو متوارثا، كما أن “التعديلات” التنظيمية المطلوبة أيا كانت، لا تنفصل عن الظروف المحيطة بالحركة، وهي ظروف شاذة بكل معنى الكلمة، حتى أصبحت الحركة في وضع لا يُعرف مثله عن سواها، ما بين السجون دون اتهام، والعمل دون ترخيص، وتحريك الأحداث والتفاعل معها دون اعتراف بخطوط حمراء مزعومة وكذلك دون أن يبلغ التحرك مستوى يسوغ لأحد زعم تجاوز خطوط حمراء ما.

تبدو المشكلة الرئيسية في التعامل بين أصحاب القول الفصل في مكتب الإرشاد وقيادة الإخوان المسلمين عامة، وبين الوجوه الأبرز من سواها في “التيار التجديدي” مثل أ. جمال سلطان، مشكلة كامنة في “لغة الخطاب المتبادل” أي في اختيار العبارات أكثر من المضمون المقصود بها.

وإذا استثنينا وسط التطورات الجارية أفرادا قادرين على اختيار العبارات المناسبة في محاولة تجنب تحويل الخلاف إلى مواجهة، أو “الإصلاح والتجديد” إلى انشقاق، نجد رغم ذلك أن المحاور الرئيسية لمطالب “التجديد” كانت على الدوام وما تزال هي المحاور التي تؤكد عليها مواقف القيادات التاريخية لحركة الإخوان المسلمين، وفي مقدمتها أنها جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين، وضرورة وجود قنوات داخلية للحوار، وضبط العلاقة مع السلطات، والآليات الإدارية والقيادية، وليس في صفوف الحركة -ولا في الصفوف الإسلامية عموما-من يرفض شيئا من ذلك وضبطه بمقاييس الإسلام والمصلحة المعتبرة، ولكن يبدو أن المخاوف التقليدية لدى قيادة الحركة على ضوء تجاربها الحافلة بالمحن من جهة، وأساليب الطرح المتبعة للمطالبة بالتجديد والإصلاح بعد أن خرجت من “الإطار الداخلي” للحركة إلى الإطار العلني من جهة أخرى.. هذا وذاك زاد من حجم المسافة الفاصلة بين الجانبين إلى درجة تنذر باحتمال تحول الخلاف إلى انشقاق بالفعل ما لم تنجح جهود عدد من القيادات الداخلية الواصلة ما بين الفريقين في ضبط مسار الحوار وإعطائه قوة “دفع” إصلاحية تجديدية، دون أن يكون ذلك على حساب ما يوصف بالشرعية التاريخية للقيادات الحالية التي لا يستهان بحجم إنجازها الكبير عبر الخروج بحركة الإخوان المسلمون من “السجون” إلى مستوى الفوز المتواصل في معظم ما شهدته مصر من انتخابات خارج نطاق سلطة الحكم القائم، وهو قائم على كل حال على مقاييس أخرى.

وإلى جانب عنصر ما وصلت إليه لغة “الخطاب” بين الجانبين في زيادة حجم التباعد بينهما داخل الحركة الواحدة، يمكن النظر في عدد من العناصر الأخرى، ويكفي في حدود ما يوجبه الإيجاز التنويه بعناوين بعضها:

١- مخاوف القيادة من أن يؤدي التغيير بحجم كبير أو خلال وقت قصير إلى هزة قد تسبب انهيارا ما على ضوء الظروف العدائية المحيطة بالحركة ونشاطاتها، وهذا مقابل ما يراه تيار التجديد من أن النمو الكبير للحركة لا يستدعي التجديد الشامل فقط، بل يوجبه بالضرورة.

٢- مخاوف القيادة من أن عنصر “الشباب” الغالب على تيار التجديد الحالي قد يؤدي إلى تحول الدعوات الراهنة المتوازنة نسبيا إلى مستوى آخر يجدد عامل “المواجهة” مع السلطات، مقابل ما يراه تيار التجديد من أن سياسة تجنب المواجهة خلال أكثر من عقدين من الزمن، لم تقابله السلطات بما هو جدير به، بل استمرت المواجهة من جانب واحد، وعلى حساب الكوادر القيادية أو القيادات “الشابة” في الدرجة الأولى إذا صح التعبير.

٣- مخاوف القيادة من أن يساهم التركيز على شعار “جماعة من المسلمين وليس جماعة المسلمين” في تذويب الشخصية المتميزة، والمكانة التاريخية” لحركة الإخوان المسلمين، التي تؤكد قياداتها أنها “هي” أم الحركات الإسلامية عموما، وأنّه قد تتعدد التنظيمات ولكنها جميها تصدر عن “مشكاة” الإخوان التي وضعت أسس “الفكر الحركي” أو “العمل الإسلامي” في  العصر الحديث، هذا مقابل انخفاض مستوى هذه الحساسية عند “شباب الإخوان” الذين ساهم تطور وسائل الاتصال في ازدياد حجم تعاملهم مع عموم الإسلاميين، ومع من يدعو إلى الإسلام دون الارتباط بتنظيم معين.

٤- يضاف إلى ذلك أن “استهداف” المنطقة دون تمييز بين تنظيماتها وأحزابها وتياراتها، يزيد من التلاحم بين “جيل الشبيبة” من مختلف التوجهات الإسلامية، الغالبة في الساحة كما هو معروف، وكذلك مع من يمكن وصفهم بالمعتدلين من تيارات أخرى لا تنطلق من الإسلام كمنهج للحياة والحكم، إنما لا يقفون أيضا موقف الخصومة والعداء بل موقف الاستعداد للحوار والتعاون إزاء التيار الإسلامي، والأصل هو أن يتجاوب هذا التطور على مستوى جيل الشبيبة مع النهج الذي اتبعته قيادات الإخوان في السنوات الماضية انفتاحا على التيارات الأخرى داخل مصر وخارجها، فلا يكون عنصرا من عناصر التباعد الراهن.

اتجاه ريح “الإخوان”

لا يخفى الوضع الراهن العسير لحركة الإخوان المسلمين وما تتعرض له في مصر، وكذلك لا يخفى مفعول الظروف السلبية والخطيرة التي تمر بها المنطقة على ضوء الهجمة العدوانية الأمريكية والصهيونية والتي تركز على “الإسلام” وكل ما هو “إسلامي” حقيقة، وبالتالي ما لا يقبل الانضواء في منظومة تبعيات أمريكية أو صهيونية، كما لا يخفى ما انتشر من روح “الانهزامية”، وتسويغ عدم المواجهة بعدم الاستعداد من قبل للمواجهة، وهذا مع سياسات “التيئيس واستعراض العجز، والتشبث بالسلطة”، لا يخفى تأثير ذلك كله على جيل الشبيبة بصورة خاصة وما يمكن أن يولده من ردود أفعال مضادة مما لا يقتصر على شبيبة حركة الإخوان المسلمين فقط. هذه العوامل يمكن أن تعطي تفسيرا إضافيا لموقف التردد الظاهر على قيادة الحركة تجاه مطالب التجديد والإصلاح، والتي تخشى القيادات على ما يبدو من احتمال أن تتحول إلى مصادر إضافية لخطر داخلي وخارجي.

بالمقابل إن “استمرار التردد”  قد يعطي مفعولا عكسيا يلتقي مع مفعول الأدوار التي تقوم بها أوساط من خارج الإخوان المسلمين ممن يعمل على “تأجيج” الخلاف وتصعيده، فيساهم هذا وذاك في ظهور “انفصال تنظيمي” في صفوف الحركة، بل بات بعض دعاته يشير من باب التعليل إلى إيجابية ما أسفر عنه انشقاق حزب العدالة والتنمية بزعامة إردوجان عن تيار أربكان، وهو تشبيه خاطئ لا ينطبق على حركة الإخوان المسلمين. ولكن احتمال وقوع انشقاق يجب أن يوضع أيضا في “حجمه الحقيقي” بعيدا عن أساليب التهويل من شأنه كما لو كان بداية انهيار كامل كما حدث لبعض التيارات والأحزاب الأخرى في البلاد العربية.

إن ظاهرة الانشقاقات الحزبية ظاهرة واسعة الانتشار، عربيا ودوليا، ولعل المسارعة إلى وصف ما تشهده حركة الإخوان المسلمين حاليا بأنه انشقاق، تعتمد على الأرجح على مقارنة الأحداث بما شهدته تنظيمات حزبية وشبه حزبية أخرى في المنطقة العربية، وأحيانا فيما يؤخذ من مراحل تاريخية سابقة لحركة الإخوان المسلمين نفسها، وفي هذا قدر كبير من التساهل في اختيار عناصر المقارنة، فالانشقاق بمعنى الكلمة ينبغي في الأصل أن يشمل جانبين، أولهما الأجهزة والأشكال الإدارية والزعامات القيادية، وثانيهما الأفكار والتصورات الأساسية والتوجهات والمعتقدات الحزبية، ونجد أمثلة على ذلك لدى الحركات غير الإسلامية بصورة وفيرة، بينما اقتصرت “الانشقاقات” في نطاق الحركات الإسلامية، بما في ذلك حركة الإخوان المسلمين على “وسائل” الوصول إلى أهداف تُعتبر من الثوابت الإسلامية عموما، وإن تباينت صيغة التعبير عنها، ومحورها تحكيم الشريعة في واقع الحياة والحكم.

ومعظم ما يؤخذ من تاريخ الحركة كأمثلة لدعم القول بنظرية “الانشقاق حاليا” ينطلق من الحركة في “واقعها الدولي” عبر أمثلة السودان أو الجزائر أو سورية وسواها، وهذا منظور يُعتبر موضع “حديث وخلاف” على الأقل، وينطلق كاتب هذه السطور من أن الوجود “الدولي” للحركة مع تطابق الأسماء أو دون تطابقها، يرتكز على “المنطلق الإسلامي الواحد” وليس على “المنطلق التنظيمي المباشر”، والذي عُرف في حدود ضيقة، كما كان عبر “المجلس التنسيقي للإخوان المسلمين في الأقطار العربية” و”التنظيم الدولي للإخوان المسلمين”، ولم يقترن أي من التجربتين بسقوط استقلالية أي تنظيم قطري، بخصوصياته التنظيمية والسياسية والتطبيقية العملية، وفق متطلبات واقع القطر الذي يتحرك فيه.

أما المقارنة بما يوصف بالانشقاقات في تاريخ الحركة في مصر بالذات، فأبرز ما يُستشهد به على هذا الصعيد القول إن “الجماعات الإسلامية” التي نشأت في السبعينات الميلادية، إنما نشأت “تحت عباءة الإخوان” كما يقال، وقد يصح في هذا المجال أن بعض “الشبيبة” الذين ساهموا آنذاك في تأسيس تلك الجماعات سبق وكانوا في تنظيم الإخوان، أما القول إنهم كانوا يمثلون “تيارا” انفصل عن تيار الإخوان، ففي هذا القول مغالطة كبيرة تتجاهل الظروف التي سادت في مصر بالنسبة إلى العمل الإسلامي عموما، وإلى حركة الإخوان المسلمين على وجه التخصيص، في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، ثم في فترة “اللعبة الحزبية ضد الشيوعيين” أوائل عهد الرئيس السابق محمد أنور السادات، وجل ما يمكن قوله إن تلك الجماعات نشأت تحت “عباءة” تلك الظروف، وليس تحت عباءة تطورات طبيعية في تاريخ حركة إسلامية شعبية وحزبية عاملة في إطار ظروف طبيعية.

والأرجح عند المتابعة الهادئة لما يجري وأبعاده، وقراءة ما بين “السطور” ومحاولة استشراف ما وراء الكواليس.. الأرجح هو أن الحركة بالصيغة الغالبة عليها من خلال قياداتها الحالية، أو من خلال الرعيل الذي خرج من السجون في أوائل عهد السادات، ووصل بالحركة مجددا ورغم ظروف عسيرة للغاية إلى مستوى شعبي وتنظيمي واسع النطاق داخل مصر.. هذه الحركة ستبقى هي القائمة، وستبقى هي المعروفة باسم “الإخوان المسلمين” بغض النظر عن حجم الإصلاحات الداخلية التي تشهدها نتيجة ازدياد تأثير الجيل الثاني فيها تلقائيا أو عبر الاحتجاجات والمناقشات والاتفاقات، كما أنها ستبقى هي القائمة والمعروفة بهذا الاسم، وإن حدث وانشق عنها فريق من أبنائها بالفعل، وتأسست بهم “حركة أخرى” ستحتاج ولا شك إلى فترة زمنية طويلة وربما تواجه “عواصف خارجية” شديدة، قبل أن تقف على أقدامها بقوة، ويصبح لها من الرصيد الحركي الإسلامي، ما اجتمع لحركة الإخوان المسلمين عبر عقود عديدة من الزمن، كان فيها أخطاء كبيرة، ولكن كانت الإنجازات هي الأكبر على كل حال.

نبيل شبيب

إغلاق