مقالة – يوم بدر.. ذكرى عابرة؟

حول روتين الذكريات

علام لا نصنع في عالمنا وعصرنا ما صنع أهل بدر في عالمهم وعصرهم؟

ــــــــــ

كان يوم ١٧ رمضان هذا العام ٢٠٠٧م يوم جمعة، وأحسب أن كثيرين توجهوا إلى المساجد – أو إلى المصليات كما هو حالنا في معظم بلاد الغربة – وهم يقدرون أنهم سيسمعون خطبة الجمعة عن غزوة بدر، موقعة الفرقان الفاصلة بين الشرك والإيمان في العام الثاني للهجرة النبوية، وهذا ما حصل بالفعل، فاستمعنا، كالعام الماضي، والذي سبقه، كثيرا مما حفظناه عن تلك الغزوة، وما ورد في الذكر الحكيم عنها، وما تناقلته العصور من أحداث السيرة النبوية بصددها، وعن كثير من المعاني التي تُستخلص من وقائعها، وما سبقها وما واكبها من أحداث. ربما كان بين المصلين بعض الناشئة أو الشبيبة الذين سمعوا أشياء لأول مرة، إنما الغالب أنهم قد سمعوا غالب ما قيل من قبل، إن لم يكن في خطبة جمعة، فمن مصادر أخرى.

والمصلى الذي أتردد عليه لا يخضع لنظام تعسفي مبتكر كالذي انتشر على حساب حرية الإنسان والعقيدة والفكر في كثير من البلدان الإسلامية، أن يؤتى الخطباء بكلام مكتوب يقرؤونه على المصلين، ولا يوجد على هذا المصلى من الرقابة المشددة – ولا يعني ذلك غيابها كلية – ما قد يُخشى معه أن تفلت كلمة من لسان الخطيب فيتعرض بسببها إلى مساءلة “أمنية” ومحاسبة، ولكن الخطبة التي ألقاها كانت هي عينها تلك التي نسمعها على وجه التقريب، عاما بعد عام.
ولا يسري هذا على جميع المصليات والمساجد، ولكن على كثير منها فيما أقدر، مما يسمح بالاعتقاد بوجود خلل ما، يصعب تبرئة الذات منه، إنما هو “الروتين” الذي تسلل إلى ممارسة الإسلام لدينا، وغلب على ملامحها وتفاصيلها، وأصبحنا نعيشه دون أن نشعر بأنه “خلل” أصلا.

قد نتعمق في البحث عن الأسباب ونجد بعضها في أسلوب تعلّمِنا إسلامَنا وممارسته، أو في مستوى المعرفة والعلم والوعي عند خطبائنا، أو في الظروف الخارجية من حولنا، ولكن غالبا ما نسأل عن الأسباب من منظور أنها أعذار لِما نحن عليه، وليس من منظور البحث عما ينبغي إصلاحه، وبالتالي سيان ما هي الأسباب، فالمشكل لا يكمن فيها، بل في أننا قد نتعرف عليها ولا نحاول أن نعالجها أصلا، وهذا ضرب من “الروتين” أيضا، فتعاملنا مع “خطبة الجمعة” تعاملا روتينيا، لا يختلف كثيرا – بما غلب عليه من “الروتين” – عن تعاملنا مع أي مشكلة أو خلل أو نقص في ميادين حياتنا الأخرى.

إن “الروتين” – وقد اعتدنا على هذه الكلمة التي تعني رتابة متكررة مملة – هو النقيض الأول للحيوية والإبداع، يقتل النشاط قتلا، ويحول الأقوال والأعمال إلى ما يشبه الجماد الذي لا يتحرك من مكانه إلا إذا “حركته” قوة من خارج نطاقه، وإذا تأملنا في واقعنا الراهن، على مستوى مشكلاتنا الكبيرة والصغيرة، بل على مستوى قضايانا المصيرية، فسوف نجد عنصر “الروتين” هذا، أو الخلل الكبير في التعامل مع ما نواجهه، هو أحد الأسباب في أننا لا نغير ما بأنفسنا ليغير الله عز وجل ما بنا، وفي أن قوى خارجية تحركنا حيث تريد، فإن لم تفعل، بقينا في مكاننا وإن زعمنا أننا لا نريد البقاء فيه!

لا يصنع التغيير إلا من يواكب المتغيرات حوله وفي عالمه وعصره مواكبة حية متجددة، ويستوعب ما يطرأ عليها في كل يوم بالسرعة التي أصبحت تجري بها، ويتمكن من ممارسة عمل دائب متطور على مستواها ومستوى احتياجات الإسلام والمسلمين والإنسان في اللحظة التاريخية التي يعايشها، وهيهات يتحقق شيء من ذلك دون كسر أغلال “الروتين” الثقيلة في الفكر والسلوك والعمل، في مختلف جوانب الحياة وميادينها.

إننا في حاجة إلى أن نتذكر موقعة بدر وأحداثها، ونتذكر سواها أيضا، سواء عند حلول مناسبتها أو على مدار العام، ولكن ما نحتاج إليه لا يكفيه حفظ مجرى الأحداث، وحفظ ما رافقها من أقوال، ولا حتى حفظ الآيات التي نزلت بصددها، بل نحتاج من وراء ذلك كله، أن يسري فينا روح غزوة بدر، وقد كانت فاصلة لأن ما صُنع فيها من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم كان جديدا في تلك اللحظة التاريخية، بدءا بسؤال الأصحاب والأنصار عن استعدادهم لنصرة الإسلام قتالا في موقعة، انتهاء إلى التعامل مع من شهد بدرا في حياة المسلمين من بعدها، فهل نقف نحن أمام اللحظة التاريخية التي نعايشها، فنصنع جديدا، لا نكرر فيه ما سبق عاما بعد عام، ونتخذ موقفا آخر غير المواقف التي نصدرها في بيانات أو نلقيها في خطب أو نكتبها في مقالات عاما بعد عام، ونعمل بما يناسب الحال التي نحن فيها، والعالم والعصر الذي نعيش فيه، مثلما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه يوم بدر، عندما عملوا بما يناسب الحال التي كانوا عليها، وما يناسب العالم والعصر الذي عاشوا فيه؟

إن المغزى من ذكرى يوم بدر لا يتحقق في حياتنا اليوم من خلال المعرفة المجردة بما صنع أهل بدر بالأمس، ولا في تكرار ذكره مرة بعد مرة، بل يكمن المغزى في روح بدر التي حولت القلة من المسلمين إلى بذرة بناء إسلامي حضاري إنساني غيّر مجرى التاريخ يومذاك، واستيعابُ هذا المغزى يكمن في أن نتمكن من التحول -ونحن كثرة ولسنا قلة – لنكون بذرة بناء إسلامي حضاري إنساني يغير مجرى التاريخ.. الآن، في عصرنا هذا، في أيامنا هذه، وآنذاك فقط نتحول مع رمضان من غثاء كغثاء السيل إلى حيث يريدنا رمضان، وإلى حيث يدربنا عاما بعد عام على أن نكون، عقيدة وسلوكا وعملا ودعوة وجهادا، نسير على الصراط المستقيم على بصيرة، بما نحن فيه، وما يجب أن نكون عليه.

عندما يتحول الفرد منا إلى شعلة من العقيدة اليقينية فكرا وإرشادا لنفسه ولسواه، وطاقة من العمل والإنجاز عطاء وتعاونا وتكاملا مع سواه، وتتحول المسؤولية الفردية والجماعية لدينا من إحساس إلى سلوك، ومن شعار إلى واقع، ومن “روتين” إلى إبداع، نكون قد وضعنا أنفسنا على بداية الطريق التي وضع أهل بدر عليها أنفسهم، والبشرية من بعدهم.

نبيل شبيب

إغلاق