مقالة – روجيه جارودي في قفص (الحرية) الغربية

الاهتمام العربي كبير ولكن...

حرية الغرب في قفص الاتهام أم روجيه جارودي؟

ــــــــــ

في ٢٧ شباط / فبراير عام ١٩٩٨م أصدرت محكمة فرنسية على الفيلسوف المفكر الفرنسي رجاء روجيه جارودي حكما جائرا، يعتمد على قوانين ابتكرها عدد من أجهزة التشريع الأوروبية، للحفاظ على مفعول التذكير الدائم بـ”جرائم النازية بحق اليهود” وهو ما وصل إلى مستوى منع الدراسات الجامعية وغير الجامعية حولها. ولم يمنع ذلك جارودي في حينه من إجراء دراسته التي نشرت تحت عنوان (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية)، وكان المفكر الفرنسي قد وجد قبيل المحاكمة اهتماما ملحوظا من جانب العديد من الجهات العربية والإسلامية، أثارت التفاؤل، ولكن يبدو أنه كان اهتماما مؤقتا، وهو ممّا كان يعبر هذا الموضوع عن الخشية منه، وقد نشر قبيل صدور الحكم في جريدة الشرق القطرية، ويعاد نشره مجددا في مداد القلم مع مرور حوالي ٢٢ سنة على صدور الحكم و٨ سنين على وفاته رحمه الله.

– – –

وجدت قضية المفكر المسلم الفرنسي روجيه جارودي اهتماما واسع النطاق، وحظيت بدعم غير معتاد في قضايا مشابهة، وتجاوز الاهتمام حدود الكلام إلى تقديم الدعم بصور متعددة، وهذا مما يدفع للتمني أن يخرج “الفكر العربي” عموما من دائرة الكلام إلى دائرة الإسهام في تكوين الرأي العام والتأثير من خلاله على صناعة القرار، على المستوى العربي وعالميا، ولعل طبيعة القضية نفسها، وكون فصولها تدور على مسرح الأحداث في فرنسا وليس في بلد عربي مثلا، قد ساهم في أن يصل الاهتمام بها إلى ما وصل إليه في هذه الأثناء، ومع ذلك يبقى السؤال قبل حلول موعد صدور حكم القضاء الفرنسي في ٢٧ شباط / فبراير الجاري، هل وصل الاهتمام والدعم العربيان إلى المستوى الممكن والمطلوب في مثل هذه القضية؟

بداية اهتراء القيود الصهيونية في الغرب

في فرنسا، في ألمانيا، في سويسرا، وفي غيرها من البلدان الغربية، يمكن نشر كتاب يتطاول على الذات الإلهية، أو يطعن في الدين، أو يهاجم الكنيسة، أو يدعو إلى الإباحية المطلقة، أو يشكك في نظريات علمية، أو يستهزئ بشخصيات تاريخية، أو سوى ذلك مما بات يعتبر تجسيدا لمقتضيات “الحرية الفكرية والأدبية والفنية” في الغرب، ولكن أن يتعرض قلم من الأقلام بسوء -أو ما يُصوّر سوءا- إلى اليهود بصيغة من الصيغ، أو حتى إلى الصهيونية، أو إلى الإسرائيليين، فسرعان ما تصل الأمور بصاحب القلم إلى كارثة، فإن كان صاحب منصب سياسي تعرض للضغوط حتى يسقط، وإن كان صاحب فكر وعلم، تعرض للتشكيك والحملات المكثفة حتى يفقد مكانته، وإن كان من العامة واجه العواقب بصيغة أخرى، وفي جميع الأحوال يتحول القضاء في دول “سيادة القضاء والقانون” إلى وسيلة لإيقاع العقوبات التي تبدو للمتابع عن بعد أقرب إلى اضطهاد الفكر بدلا من الدفاع عن حريته. وليست قضية روجيه جارودي الراهنة الوحيدة من نوعها على هذا الصعيد، بل سبقتها في فرنسا وألمانيا على وجه التخصيص قضايا مشابهة على مختلف المستويات وبمختلف الصور الواردة كأمثلة.

لقد أفقدت العلمانية الغربية الحديثة المجتمع الغربي مختلف القيم التي كان بعضها يسود فيها، بصورة سليمة قويمة أو مشوهة عقيمة، ولكنها فرضت عليه منذ الحرب العالمية الثانية قيودا صهيونية، تحت عنوان “معاداة السامية” في الدرجة الأولى، ولا تنقطع الحملات على هذا الصعيد للحيلولة دون أن تصبح النازية وما صنعت، تاريخا مضى، وتأكيد أنها ما زالت مثل “غول” يمكن أن يستيقظ في أي لحظة، والبوابة المعنية باستيقاظه هي بوابة “نقد اليهود” أو التعرض بصورة من صور التشكيك في حقيقة ما تعرضوا إليه في الأرض الأوروبية في العهد النازي.

ليس المحظور على الإنسان الغربي “الحرّ” أن يشكك دون دليل في حقيقة ما وقع، بل أصبح محظورا عليه مجرد الدعوة إلى دراسة علمية تاريخية لحقيقة ما وقع، وهذا بالذات ما صنعه جارودي وصنعه من قبل عدد من المفكرين الآخرين، وتميّز كتابه “الأساطير المؤسّسة للسياسة الإسرائيلية” بالشمول والمنهجية والأرقام والتواريخ والاستشهادات، كما يُنتظر من أي باحث تاريخي يلتزم المنهج العلمي في البحث، ولكن الحملة التي تعرض لها، والمحكمة التي جرت له، لم تتناول المحتوى أصلا، كما هو الحال أيضا مع إنتاج سواه من المفكرين، بل تناولت أصل “جرأته” على البحث في قضية باتت التشريعات القانونية الغربية بصددها، تعتبرها من “المسلمات التاريخية المقدسة” فلا يجوز المساس بها ولا التشكيك بمحتواها!

لا شك أن القوانين التي صدرت في فرنسا وألمانيا في مطلع التسعينات من القرن الميلادي العشرين، وجعلت من التعرض لرقم “ستة ملايين يهودي في المحرقة النازية” جريمة يعاقب عليها القانون، تمثل صيغة غير مسبوقة في تاريخ “الحرية الغربية” لفرض القيود على الفكر والعلم والإعلام، وهو ما يعلل بأن الحدث لا مثيل له في التاريخ. رغم ذلك يمكن القول إن في هذا التصعيد إشارة غير مباشرة إلى “الإحساس” بالحاجة إلى قوانين مشددة، مقابل ازدياد تمرد المفكرين وغيرهم على تلك القيود، وهذا ما يجسده جارودي وهو يعلن في مطلع كتابه المذكور بوضوح أنه يخوض -واعيا ما يصنع- ميدانا “محظورا” على الفكر.

والأصل فيما يزعمه الغرب عن حريته الفكرية العلمانية أنه لا يمكن القبول بمثل ذلك الحظر، وإن حاولت التشريعات القانونية تجنب التناقض باستخدام عناوين من قبيل ممارسة العنصرية وإهانة شعب من الشعوب وما شابه ذلك، مما يثير الاستغراب فأين العنصرية في سؤال عالم من العلماء وباحث من الباحثين عن حقيقة ما جرى تاريخيا، بأساليب منهجية تقليدية متبعة في مختلف الميادين والفروع العلمية؟

لعل الأهم مما يسعى إليه بعض الباحثين المتمردين، هو ما يجري رصده على مستوى جيل الشبيبة، أي من لم يعاصر النازية أصلا، إذ لا تنقطع النوادر بين التلاميذ الناشئين بصدد ما يطرح عليه حول ما صنعته النازية باليهود، بل لم يعد نادرا تذمر التلاميذ من اقتصار مواضيع معظم المطالعات الأدبية المطلوبة منهم، والأفلام التي تُعرض عليهم كمادة دراسية، على قضية بعينها من قضايا التاريخ، هي ما صنعته النازية باليهود في أوروبا.

دعم مطلوب وشوائب مرفوضة

ليس مجهولا أنّ أدعياء الحرية العلمانية الغربية يتفاعلون مع بعض الظواهر في بلادنا العربية والإسلامية تفاعلا عدوانيا إلى أبعد الحدود، من شواهده احتضان كل من يتطاول على الثوابت العقدية الإسلامية خاصة، كما يظهر من التعامل مع سلمان رشدي وتسليمه نسرين وأمثالهما، وفي ذلك تجاوز لكل منطق إذ ينصبون أنفسهم ودور استشراقهم وأساطين إعلامهم في مواقع الحكَم والقاضي لتقرير ما هو من الإسلام أو من غير الإسلام. بالمقابل لا يخفى حجم التأييد والدعم في البلدان العربية حاليا لروجيه جارودي البالغ أربعة وثمانين عاما من عمره (وقد توفي في هذه الأثناء رحمه الله) ويتضمن التأييد رفض الظلم الذي تعرض له تحت مظلة “القضاء الفرنسي”، بل تضمّن ذلك الدعم المالي الرمزي والدعم القانوني ثمّ الدعم الإعلامي، علاوة على المظاهرات الشعبية، ويمكن أن نرصد في هذا الدعم المتعدّد الصور عددا من الإيجابيات الرئيسية، في مقدمتها:

١- أصبح صورة معبرة عن “وحدة فكرية إسلامية” تجاوزت الحدود والاعتبارات السياسية وشملت فئات وطبقات مختلفة، تتوزع على معظم البلدان الإسلامية، وتؤكد أن “الفكر الإسلامي” بخير، حي قادر على التعبير عن نفسه، إنما يحتاج إلى ظروف مناسبة، وكانت قضية جارودي بالذات مما لا تشمله “القيود والمحظورات” المفروضة في البلدان العربية والإسلامية في ميادين وقضايا أخرى.

٢- تجنب الأساليب الغوغائية لصالح المناقشة المنهجية لقضية جارودي وأبعادها، وهو ما لا يُستهان بأهميته في حال وصول ما يصدر من أصوات ومواقف عربية إلى ساحة المفكرين والرأي العام في الغرب، فرغم “غوغائية” ما يتعرض له جارودي وأمثاله من اضطهاد فكري، بل ولهذا السبب بالذات، يمكن بالأسلوب المنهجي التأثير الفعال على المواقف الفكرية والإعلامية الغربية على المدى البعيد إن لم يكن على المدى القريب.

٣- تنوع أساليب التعبير عن تأييد جارودي ودعمه، بما حقق الاستفادة من مختلف الوسائل المتوافرة، فلم يقتصر الأمر على عدد كبير من المقالات في وسائل الإعلام العربية والإسلامية، بل دخل شبكة العنكبوت الإلكترونية بمختلف اللغات، وتحرك الاحتجاج على مستوى الاتحادات والروابط المختلفة، من قطاعات المحامين والدفاع عن حقوق الإنسان والكتاب وغيرهم.

رغم هذه الإيجابيات، وتأكيدا لأهميتها وضرورة التركيز عليها في مثل هذه القضايا ليمكن على الزمن تطوير مفعولها ومضاعفته عربيا وإسلاميا وعالميا، يحسن ذكر شوائب ونواقص تفرض التنويه بها، وينبغي العمل الجاد على تجاوزها، ومنها:

١- الخلافات القديمة التي أثارتها بعض مواقف جارودي بعد إسلامه، وكان منها ما يصعب القبول به من جانب عدد من علماء المسلمين، وقفت حائلا دون أن يقف هؤلاء بالذات موقف الدفاع عنه في قضية عادلة، لا علاقة لها باجتهاداته تلك في ميادين تشريعية وفكرية إسلامية، لا تدخل في نطاق اختصاصه، ولا تؤثر مواقفه بصددها على مكانته الفكرية ولا تصل إلى مستوى التشكيك باعتناقه الإسلام بعد أن كان في شبابه من الزعماء الشيوعيين في فرنسا. وبهذا الصدد يصعب القبول بعدم صدور موقف واضح وقوي من جانب مؤسسات إسلامية كبرى كالأزهر ورابطة العالم الإسلامي على سبيل المثال دون الحصر.

٢- رغم وجود ردود فعل إيجابية محدودة داخل فرنسا على وجه التخصيص، دفاعا عن حرية الفكر، ومناصرة لجارودي في قضيته، لم نرصد حتى ساعة كتابة هذه السطور، ورغم أن القضية ليست جديدة ولا مفاجئة، ما يكفي من الاتصالات والتنسيق، للوصول بالاحتجاج على اضطهاد الفكر في فرنسا إلى مستوى من التأثير الفعال يمكن أن يلعب دورا حاسما في قضية جارودي، وفي تهيئة الأجواء المناسبة للتفاعل مع قضايا أخرى تهم العرب والمسلمين.

3- وأشد النواقص الراهنة أن الحملة الكبيرة على المستوى غير الرسمي في عدد من البلدان العربية، مصحوبة بصمت غير مقبول ولا مسوغ له على المستوى الرسمي، ولقد رصدنا من قبل كيف كان عدد من كبار المسؤولين في الغرب، كالرئيس الأمريكي كلينتون (آنذاك) وعدد كبير من الجهات الرسمية كالاتحاد الأوروبي، يتحدون المسلمين ومعتقداتهم ومشاعرهم، من خلال ما يعقدونه من لقاءات استعراضية ويمارسونه من تكريم مشبوه لسلمان رشدي وأمثاله، وجميع ذلك باسم الدفاع عن “حرية الفكر” وفق مفهومها العلماني. ألا ينبغي أن نرصد مواقف مماثلة على المستوى الرسمي العربي والإسلامي في قضية جارودي، وهي لا تمثل قضية حرية الفكر بمفهومه الإنساني الشامل فحسب، بل تمس في الوقت نفسه قضية مصيرية بالنسبة إلى العرب والمسلمين، فجارودي إنما يتعرض للاضطهاد الفكري، لأنه تصدى كعدد غير قليل  من رواد العدالة الفكرية الآخرين، لسيطرة القيود الصهيونية على الحرية الفكرية العلمانية في الغرب، وهي -كما يشكو كثير من المسؤولين العرب والمسلمين- أحد الأسباب الرئيسية للانحياز الراهن في الغرب ضد قضايا بلادنا العادلة، لا سيما قضية فلسطين.

نأمل في التخلص من الشوائب والنواقص، ونأمل في مزيد من التحرك لنصرة جارودي في الوقت المناسب، كما نأمل في مزيد من وسائل التعبير عن الوقوف إلى جانبه، وبما يشمل التقدير والتكريم الواجبين لمواقفه الرائدة، علاوة على العمل من أجل التعريف بقضيته وما تعنيه على المستوى الشعبي، بمختلف السبل، بدءا بالبرامج والأفلام  الإعلامية والوثائقية، مرورا بالندوات واللقاءات الفكرية والثقافية، وانتهاء بتكريس الجوائز والمسابقات التشجيعية الهادفة، وقد آن الأوان أن تتحول الكلمة الموزونة الصادقة إلى صور معبرة ومؤثرة في واقع العرب والمسلمين، وفي تعاملهم مع العالم والعصر من حولهم، وما قضية جارودي إلا واحدة من قضايا عديدة مناسبة للتحرك الهادف في هذا الاتجاه.

نبيل شبيب

إغلاق