مقالة – حمزة علي الخطيب

حديث الوجدان بين يدي طفل شهيد

رسائل الشهيد إلى بشار بن حافظ وعناصر سلطته الإجرامية وإلى ثوار سورية

ــــــــــ

ما أقبح قول من يزعم عبر شاشات التلفزة أن في هذا العالم من “يحرض” من خارج سورية على الثورة فيها. إن الذين “يحرضون” هم المجرمون الذي تسلطوا عليها ويرتكبون جرائمهم جهارا نهارا، ويجعلون من استعراضها على الملأ وقودا يشعل الثورة.
ولهذا ستكون شهادة حمزة الخطيب لحظة مفصلية بين الانطلاقة الأولى لثورة شعب سورية السلمية البطولية، وبين الوصول بها إلى غايتها الحاسمة الأولى: إسقاط النظام ومحاكمته. لقد عرفت الأنظمة الاستبدادية القمعية ألوانا لا تحصى من الجرائم في مواجهة ثورات الشعوب الأبية، ولكن لم تصل تلك الجرائم إلى مثل هذا الحضيض بكل معيار من معايير الأرض والسماء.

رصاص غير قاتل يخترق الذراعين إلى جسد الشهيد، علامات الحروق على جسده الصغير، كسر عنقه، سلخ قطع من جلده الرقيق، استخدام أسلوب لا يعرفه إلا المجرمون الساديون السافلون بقطع عضوه التناسلي، والمزيد مما لا يمكن رؤية آثاره من أساليب التعذيب الشيطانية وراء القضبان.

اعتقلوا الطفل الثائر في درعا، وأعادوه شهيدا إلى أهله في درعا، وعلى جثمانه الطاهر آثار التعذيب، عامدين متعمدين، ليقولوا للسوريين جميعا، إن المتسلطين على سورية مجرمون، لا يتورعون عن التعذيب والتقتيل والتدمير، مجرمون فخافوهم وكفوا عن ثورتكم، كفوا عن طلب الحرية، كفوا عن الخروج إلى الشوارع في مظاهرات سلمية.

استشهد حمزة ابن الثلاثة عشر ربيعا، على أيدي زبانية التعذيب في أجهزة القمع التي تشكل النسبة الأعظم من البنية الهيكلية للسلطة الأسدية، واستشهاده شهادة ترفعه إلى أعلى عليين لدى رب العالمين في جنات الخلد كما وعد الرحمن، وتهبط بتلك السلطة وجميع المسؤولين فيها إلى درك أسفل مما تستحقه الكائنات المنحطة في الدنيا قبل الآخرة.

وشهادة حمزة تقول لرئيس عصابة المجرمين: أنت المسؤول الأول عن هذه الجريمة وعن سائر ما ارتُكب ويُرتكب في سورية من جرائم على امتداد سنوات سلطتك الموروثة. أنت المسؤول عن أفاعيل كل عنصر جرى تدريبه وترويضه في أجهزة قمعك ومخابراتك ليتصرف باسمك، ويصنع ما لا تصنع مثلَه الوحوش المفترسة في الغابات.
أنت المسؤول عن كل آهة طفل يعذب، وقلب أم تثكّل، وألم كل شيخ يقهر، ودمعة كل إنسان ينتمي حقا إلى سورية وأهلها، على النقيض منك وأتباعك.
أنت المسؤول في هذه الحياة الدنيا وستدفع الثمن فيها وفي يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

وشهادة حمزة تصرخ في آذان عناصر الأجهزة من قوات توصف بالعسكرية والأمنية، ممن لم يشاركوا بأنفسهم وأيديهم وأسلحتهم في جرائم سابقة أن أعلنوا تبرؤكم من عصابات الإجرام قبل فوات الأوان، فلا عذر لكم بعد اليوم وأنتم تشهدون أطفالكم يعذبون، شبابكم يقتلون، أحراركم يعتقلون، ونساء “أهليكم في الوطن المشترك” عرضة للقتل المباشر أو القتل وهنّ على قيد الحياة عبر قتل أطفالهن وأزواجهن وآبائهن الثائرين من أجلهن ومن أجل مستقبل بلدهن، فلا تتركوه مستباحا لعصابات المجرمين.

إن كل مشاركة لكم في عمل تلك الأجهزة التي فقدت كل أثر من آثار الانتماء للإنسانية، جيشا وأمنا وقضاء ووزارات وهيئات وجامعات ووسائل إعلام، يفقدكم أنتم الانتساب إلى سورية، فهي مشاركة فيما يفعله المتسلطون على سورية وثرواتها وأرضها، ويفتكون بمدنها وقراها وشعبها.

. . .

أما أنتم أيها الثوار الأبرار

فإن الطفل الشهيد حمزة الخطيب يشهد أنكم أفزعتم هذه الطغمة الإجرامية بهتافاتكم، وزلزتم الأرض تحت أقدامها، مذ ناديتم: “الموت ولا المذلّة”.

إن أراد المجرمون عبر ما يصنعون ويقولون أن يفزعوكم لترجعوا إلى بيوتكم وتقبعوا وراء الجدران، فاعلموا أن ذاك هو الرجوع إلى القبور، وأن القضبان التي تكسرها ثورتكم ليست داخل البيوت، وليست داخل المعتقلات، وليست داخل أقبية المخابرات فقط، بل هي قضبان السجن الكبير الذي أقاموه وشوهوا به اسم سورية وتاريخ سورية ووطنية أهل سورية ومكانة سورية ودور سورية على كل صعيد، فتابعوا ثورتكم لتحطيم قضبان السجن الكبير وما فيه من سجون ومعتقلات وأقبية تعذيب، كانت تعمل دون انقطاع قبل اندلاع ثورتكم، وستتابع إجرامها وتزيده دون انقطاع إن توقفت ثورتكم قبل دحر هذه العصابة المتسلطة الآثمة الفاجرة بجميع رموزها وأركانها وعناصرها وأقبية التعذيب فيها.

كل طفل شهيد في طريق الثورة يطالب أن ينضم إلى الثورة كل قادر على الانضمام في جميع مدن سورية وقراها، فهذا وحده ما يستحق وصف “تأبين الشهيد”.

الشهداء تحت التعذيب أمانة في أعناقكم أنتم، والضحايا الذين يتلقون الرصاص في صدورهم وأعناقهم ورؤوسهم أمانة في أعناقكم أنتم، والأطفال والشباب والنساء والشيوخ وجميع المعتقلين والمعذبين والمختطفين والمشردين أمانة في أعناقكم أنتم أيها الثوار الأبرار.

سورية أمانة في أعناقكم أنتم، حاضر سورية ومستقبلها، حاضر العرب والمسلمين، حاضر القضايا المصيرية وفي مقدمتها فلسطين، أمانة في أعناقكم، فانتزعوا بلدكم من قضبان المعتقل الكبير الذي صنعته العصابة الآثمة، وانتزعوها من حملات التضليل التي ترددها منذ عقودٍ دون أن تحقق خلالها نصرا عزيزا واحدا ولو صنعته فهو لا يكفّر حتى عن بعض جرائمها التي لا تغتفر.

نبيل شبيب

إغلاق