رؤية – ثورة سورية واستشراف المستقبل

المستقبل الثوري ممكن بقدر العمل المشترك له

مستقبل ما بعد الثورة قادم على كل حال فإما أن تتلاقى على صناعته النخب الثورية أو تغيب عنه

ــــــــــ

مع استكمال سيطرة القوى الدولية والإقليمية على مفاصل صناعة القرار في توجيه مسارات الثورة في سورية ازدادت غلبة المفعول السلبي للتعددية على التعامل مع الأحداث ومع طرح المواقف والرؤى والتحليلات والتمنيات. ولا يدور الحديث هنا عن بقايا نظام كانت منذ نشأتها عصابات متسلطة، فلم يتبدل منظور العصابات لديها من قبل ولن يتبدل، لإدراكها أن أي تبدل عن نهج القمع والقهر والإجرام يعني نهايتها، ولا يدور الحديث عن قوى دولية وإقليمية، فلكل منها منظوره الذي تمليه أوضاع ذاتية وسياسات استراتيجية ثم مصالح مشروعة عند بعضها وفق المعايير الوطنية وأحيانا الدولية، ومطامع غير مشروعة بأي معيار دولي أو وطني، عند غالبيتها.

إنما يدور الحديث عن السوريين وعلى وجه التحديد من يعتبر نفسه أو يعتبره سواه مما يسمى النخب، السياسية والفكرية والإعلامية ونخب الناشطين في مختلف الميادين.
لقد غلب على معظمنا من النخب وخارج نطاقها، مفعول “عطب الذات” على حد تعبير برهان غليون، و”اليأس من الذات” على حد ما ينشر في وسائل “التناحر” الاجتماعي، وأصبح معظم أفراد النخب ومن يتابعهم من العامة لا يرى في المستقبل أفقا إلا ما يمكن أن تصنعه القوى الدولية والإقليمية باعتبار سيطرتها على القرار، ونعلم أن هذه القوى مختلفة عن بعضها بعضا، من أقصى درجات الإجرام إلى درجة ما من التأييد لشعب سورية في حدود المصالح الذاتية والإمكانات، فكان محتما على من يحشر من السوريين صناعة مستقبل شعب سورية في نطاق ما تصنع تلك القوى فقط ويقدر النتائج على خلفية نزاعاتها واتفاقاتها ووعودها ومناوراتها، أن يختلف مع أقرانه من السوريين، تبعا لاختلاف تصنيف تلك القوى سلبا وإيجابا، وقليلا ما يكون التصنيف بميزان أهداف الثورة الشعبية، بدلا من تعددية الانتماءات والتوجهات عقديا وقوميا وثقافيا وغير ذلك مما بات أوسع من قابلية تعداده واستيعابه. وكثيرا ما يكون التصنيف نتيجة التهويل أو التهوين من شأن ما تصنع أسباب القوة وموازينها، بغض النظر عن التزام من يستخدمها بالقيم والأخلاق والمواثيق وما شابه ذلك مما يتوافق مع أهداف الثورة وشعبها، وإن لم يتوافق مع موازين القوى في المسارات التاريخية وصناعة القرار فيها.

إن الثورة الشعبية بحد ذاتها تجسد ما تعنيه القيم والأخلاق والمواثيق، فلا يمكن دون هذه المعايير الوصول إلى رؤية كريمة لواقعها ومستقبلها، إلا إذا انطلقنا من واقع القهر قبل انطلاق الثورة، ومن يفعل ذلك لا يمكن أن يلتقي مع شعب ثار ليغير ذلك الواقع.
لا يدور الحديث بالضرورة عن مؤسسات وهيئات رسمية وشبه رسمية تتحرك باسم الثورة الشعبية، فالواقع المتقلب منذ انطلقت الثورة في آذار / مارس ٢٠١١م حال لأسباب ذاتية وخارجية دون “صناعة استقلال ثوري” فكان تشكيل المؤسسات والهيئات وفي كثير من الأحيان أيضا تشكيل تنظيمات مجتمع مدني / أهلي للإغاثة والدعم وحتى بذور إعلام جديد وبذور مراكز بحوث جديدة مما ينتسب إلى الثورة عنوانا وعملا، يرتبط أيضا بقوى أخرى، عبر التمويل والإدارة وبعض الإنتاج.

هذا وضع فسيفسائي للنخب، وهو قراءة للواقع دون اتهام ولا تقويم ولا تبرير، ومن قراءته يظهر أيضا كيف بدأ يضمحل “أمل” الوصول إلى نظرة ثورية مشتركة لمستقبل المسار الثوري التغييري، ويغيب لصالح نظرات تعددية غالبا ما تكون متناقضة مع بعضها بعضا، وبالتالي بات حتما تلاشي إمكانات التكامل والتعاون المطلوب بين أطراف متعددة وبات حتما حلول تشرذم طرح شروط التعاون عبر إملاءات مستحيلة النفاذ والاستقرار على حال واحدة، ناهيك عن تجنب ما تسببه من خلافات ونزاعات، وقد سبق أن وصل بعضها إلى صدامات مباشرة في أكثر من مستوى عسكري وسياسي وفكري.

رغم ذلك ليس تقويم المسار الثوري وصناعة مستقبل ثوري مستحيلا بل على النقيض من ذلك، وصحيح أن معظمنا لا يرى بصيص ضوء خارج النفق حاليا، ولكن علينا أن نستوعب أن السبب كامن في عدم رؤيتنا لما هو أبعد من موقعنا الحالي، وهو موقع معايشة الانكسار الآنية والقبول بها حاجزا يمنع الرؤية المستقبلية وفق السنن التاريخية، ومثلنا في ذلك تكرر ويتكرر عبر التاريخ، ومن ذلك (بغض النظر عن تفاصيل التشبيه) موقع من عايش مسار الثورة الشيوعية وكارل ماركس في منفاه في بريطانيا ولم يستطع أن يمد بصره في تلك اللحظة التي يعايشها إلى أبعد من أنفه ليقدر وجود رؤية مستقبلية تتناسب مع سقوط القيصرية الروسية وحلول الشيوعية مكانها بعد سنوات. ومثال آخر من عايش ثورة بونابرت المضادة وعودة السيطرة الإمبراطورية قبل عقود من ولادة الجمهورية وفق أهداف الثورة الفرنسية، ومثال ذلك من تاريخنا أيضا لحظة معايشة “المقاطعة في الشعب” و”الحصار خلف الخندق” و”الهزيمة في مؤتة” قبل سنوات من فتح مكة، وقبل عقود من وصول الراية إلى الأندلس والصين وبحر قزوين وتخوم روسيا.

مستقبل ما بعد الثورة قادم على كل حال، تتلاقى وتتنازع على صناعته القوى الإقليمية والدولية، ولا ينبغي أن يدفع ذلك أحدا ولا سيما النخب إلى الانكفاء والاندحار والنزاع البيني، بل هو بالذات ما يفرض تلاقي النخب الثورية وشبه الثورية -رغم تعدديتها- على قواسم مشتركة لتستعيد الثقة الشعبية بمواقفها وتحركها، كي تتكون لديها رؤية مستقبلية مشتركة، ويصبح لها وزن فاعل، لا غنى عنه من أجل التأثير الحقيقي على تلك القوى الإقليمية والدولية، ولنتجاوز -نخبا وعامّة- وجودنا في نفق الانكسار إلى رؤية بصيص ضوء لانتصار ثورة شعبنا.. وهو ما نعمل ويجب أن نواصل العمل من أجله.

نبيل شبيب

إغلاق