رؤية – أين نحن في عالم ما بعد كورونا

من الرصد والتحليل إلى الإعداد والتخطيط

هي جولات تغيير قادمة على مستوى عالمي وليست موجة تأتينا وتحملنا دون جهد ذاتي

ــــــــــ

ما الذي يتوجب علينا صنعه أو الإعداد للإسهام في صنعه عندما نتحدث عن أمر أصبح بحكم المؤكد في النظرات الاستشرافية لكثير من المفكرين والباحثين، القائلين إن عالم ما بعد جائحة كورونا المستجد (أو كوفيد ١٩) سيكون مختلفا عما كان قبلها.
هل نجد أجوبة عملية ومقنعة في الشبكة العربية الحافلة بكتابات تتابع المتغيرات وتنشر التنبؤات، ولكن في حدود استشراف مستقبل القوى المهيمنة عالميا، كالسؤال عن مستقبل الصراع بين أمريكا والصين، وعن هشاشة ما كان يوصف بالتفوق الخارق في ميادين علمية وتقنية ناهيك عن العسكرية والمالية، ثم ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيتفكك أم سيقف على قدميه من جديد، ثم ماذا عن شبكات المال العملاقة وأصحاب السلطة الفعلية من وراء هياكل الاقتصاد والسياسة وغيرها من مؤسسات الدول الحديثة المتباهية بحداثتها، والدول المهترئة تحت وطأة الاستبداد والفساد.
يلفت النظر أن كتاباتنا وتنبؤاتنا استمرت تدور إلا نادرا حول محور معتاد قديم: ما الذي سيصنعه الآخرون بعد تجاوز الأزمة الكارثية، وهل سنجد مكانا لنا، قد تسمح به التشكيلة الجديدة للعلاقات الدولية.

المفروض أن نعد أنفسنا لخوض “جولات” قادمة وليس لركوب “موجة” ننتظر أن تأتينا لتنقلنا من حال إلى حال دون جهد ذاتي.

المنتظر هو جولات صراع طويلة الآجال، بين القوى المهيمنة، قد يكون بعضها عنيفا ويستخدم وسائل فاجرة، نتيجة توهم كل طرف قدرته على منع تحول الخسائر الكبيرة عبر الجائحة إلى خسائر دائمة، وكذلك جولات صراع بي تلك القوى المهيمنة وقد بدت عوراتها وقوى مهمّشة قد تتجرأ على كسر القيود، بعد أن تجنبت ذلك من قبل أو أخطأت طريق العمل له، هذا علاوة على حجم المتغيرات المنتظرة في ميادين علمية وتقنية وإدارية بما يبدل كثيرا من العلاقات الاجتماعية والثقافية، وعلى جميع الأحوال لن نشهد “نقلة” عالمية فجائية من حال إلى حال، عندما نتحدث عن عالم ما بعد كورونا وأنه سيختلف عما عرفناه من قبل.
ومن تابع التغييرات التاريخية في تكوين هيكلية جديدة في عالمنا يعلم أنها كانت تنطوي دوما على مراحل تاريخية متطاولة، مثال عليها: حربان عالميتان وأكثر من أزمة مالية عالمية وصراعات جانبية متتابعة، ومحاولتان لتنظيم العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية الدولية في عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة.. جميع ذلك وسواه هو ما يمثل في مسار تاريخ العصر الحديث “حدثا تغييريا تاريخيا” -وليس نقلة فجائية- من عالم قام على شبكة علاقات معقدة بين قوى قومية وبقايا قوى إمبراطورية كما عرفها المؤرخون للقرن الميلادي التاسع عشر، إلى نشأة عالم آخر حمل وصف نظام عالمي في النصف الثاني من القرن الميلادي العشرين.

عامل آخر لا ينبغي إغفاله أن الأسماء التي تُذكر بأدوار مميزة في صناعة التاريخ إيجابا وسلبا، تعتبر رموزا لأجيال عاصرتها، فالتغيير لم يصنعه أفراد، بل اعتمد على تتابع الأجيال وانتقال راية أداء الواجبات العلمية والتقنية والعملية -وجميعها فردية وجماعية- إلى جيل من الشباب بعد آخر، ولا يكاد يوجد حدث تاريخي تغييري كبير إلا واحتاجت مراحله المتتابعة إلى فترة زمنية تزيد على حياة جيل بشري أو أكثر.

أين نحن -بمعنى الكتلة البشرية الأضعف في واقع الحضارة القائمة حاليا- أو أين سنكون في مسار تلك المراحل التغييرية القادمة، وهل سيكون لنا دور متميز أم دور اندماجي مع سوانا؟

هذه وسواها أسئلة نحتاج إلى طرحها والتفصيل فيها ونحتاج إلى البحث عن أجوبة عليها، بما يشمل المتابعة والاستيعاب والتحليل والاستنتاجات، على أن يشمل أيضا تشخيص الفرص المواتية لنكون “فاعلين” في صناعة مكان لنا في مسار التاريخ وليس مجرد “متفرجين” كيف يصنع سوانا لنا مواقع خلفية ما كأتباع أو دون ذلك.

وإذا كان معظمنا يسلّم بأنه لن ينفسح لنا دور أو إسهام كبير في صناعة المراحل التاريخية القادمة، فلا أقل من تركيز التفكير والجهود على الإسهام في صناعة أسباب تمكين أجيال قادمة من إعداد نفسها لتصنع ما لم نتمكن من صنعه خلال عدة أجيال عايشت حقبة تاريخية ماضية من “عالم ما قبل كورونا” تطاول علينا وعلى آبائنا وأجدادنا منذ مطلع القرن الميلادي التاسع عشر حتى الآن.

نبيل شبيب

إغلاق