رأي – ضوابط التصعيد الأمريكي ضد إيران

بين طبول الحرب ورسائل السياسة

التعاون في المهام الإقليمية والعداء حول حدود الهيمنة والنفوذ

هل يصل التصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى استخدام الأسلحة الفتاكة؟
هل تتحول حرب تصريحات استفزازية وحصار عدواني ومراوغات متقنة إلى عمليات عسكرية لا تعرف حدودا جغرافية في المنطقة ناهيك عن حدود إنسانية بين من يمارس الصراع ومن يسقط ضحية له؟
ثم إن نشبت الحرب فمن يقف إلى جانب إيران باستثناء من تدفعه مصالح ذاتية قد تتبدل فيتبدل موقفه؟

لقد قامر النظام الإيراني بتأييد الشعوب عام ١٩٧٩م لإسقاط نظام الشاه الاستبدادي الأمريكي قلبا وقالبا، فخسر مقامرته، وكان ذلك التأييد من أهم عناصر الردع تجاه عدوان أجنبي، فدمّره بنفسه عبر مشروع الهيمنة الطائفي الدموي، وهذا مما ترصده حسابات التحرك الأمريكي – الصهيوني وتوظفه ضد إيران.

قرعت طبول الحرب كلاما وحصارا، فبات يوجد في بلادنا من يهلل لها ويريدها حربا ضارية غير متكافئة، بل ويتخندق بذلك مع الأمريكيين والإسرائيليين. كما بات يوجد من ينتظر الحرب ويتخوف من حصيلتها على النظام الإيراني، ويتغافل عن أفاعيله طوال العقود الماضية وتجاوزه كل رادع ديني وخلقي وإنساني، لا سيما مع انطلاقة الثورات الشعبية العربية.

المغزى واحد وإن تبدلت الصورة؛ فعند عقد الاتفاق النووي توهّم فريق من أهل بلادنا أن تمويل عدوانية مشروع الهيمنة الإيراني إقليميا لم يكن محسوبا ومقصودا من جانب صناع القرار الأمريكيين، ومع نقض الاتفاق وانطلاق الحملة الأمريكية الشرسة ضد إيران أصبح يوجد من يتوهم أنها تستهدف كليا أو جزئيا الدفاع عن أقطار عربية ضد الهيمنة الإيرانية.

إن لعبة “العصا والجزرة” ذات التسمية المهينة لوصف سياسات الاحتواء والهيمنة والاحتواء المزدوج والتبعيات، تكررت مرارا منذ عهد الشاه، ثم عبر الحرب العراقية – الإيرانية، ثم عبر حرب احتلال العراق وتدميره، ثم عبر التحرك المضاد لثورات تحرير الشعوب العربية، وتتكرر الآن، ولا يزال يوجد من يستمرئ تكرار الوقوع في الحفرة الأمريكية.

ألا نحتاج إلى موقف موضوعي حاسم يتجاوز المواقف المتسرعة العاطفية وحتى الحماسية الانتقامية، هذا مع إدراك وجود ما يسوغها ولكنها ليست مصدرا قويما لاستقراء حسابات خوض الحرب أو عدم خوضها.

إن مواقف التهليل أو التخوف لا تفيد على كل حال، فجواب السؤال عن حدود التصعيد الأمريكي هو: لن تندلع ضد إيران حرب كحرب احتلال العراق وتدمير قواته العسكرية والاقتصادية والبشرية، وبالمقابل لا يستبعد توجيه ضربات عسكرية محدودة ومدروسة، لا تصيب إيران في مقتل، ولا تغلق أبواب التواصل الثنائي مستقبلا أيضا.

هذا ما تؤكده حصيلة الحرب الكلامية المتبادلة ما بين تصريحات عنجهية ورسائل تهدئة.

الأهم من هذا مدلولا على أرض الواقع ثبات استراتيجية النظام الإيراني التي تقوم على تحرك عدواني ولكن ضد الطرف الأضعف تسلحا -كما كان في مسار الثورة الشعبية في سورية مثلا- مقابل استبقاء الاستفزازات ضد الطرف الأقوى دون مستوى استثارة رد فعل عسكري.
وكذلك ثبات الاستراتيجية الأمريكية العدوانية في منطقة الخليج تحديدا، والتي تقوم على استبقاء قوة عدوانية في إيران ما بين مستويين:

١- بقاء قوة إيران العسكرية والاقتصادية مع مشروع هيمنتها الطائفي في درجة كافية لتوظيفها مصدر خطر على دول الخليج العربية المرتبطة بالتبعية للولايات المتحدة الأمريكية.
٢- إضعاف قوة إيران العسكرية والاقتصادية (وسواها) بحيث لا تصبح خطرا على مسارات مشروع الهيمنة الاستيطاني والاستغلالي الإسرائيلي المرتبط باستراتيجيات الهيمنة الأمريكية ارتباطا اندماجيا.

ما بين هذين الحدّين تحركت السياسات والممارسات من جانب صناع القرار الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن، سيان ما كانت تسفر عنه الانتخابات الدورية وما هو أسلوب من يصل إلى رأس السلطة، وهذا ما يسري على أوباما وترامب، ومن ذلك عقد اتفاق نووي لمنع صناعة سلاح قد يشلّ مفعول تهديد الترسانة النووية الإسرائيلية، وكان الثمن إطلاق يد إيران تمويلا وتحريكا للميليشيات الطائفية ضد الشعوب العربية الثائرة، ثم بدا أن هذه المهمة أنجزت، فانطلقت حملة جديدة ضد إيران، مع استغلالها لجرّ مزيد من الأتباع الإقليميين إلى حظيرة مشروع الهيمنة العدوانية الصهيوأمريكية.

هذه سياسات لا تستحق التأييد ولا يدفع ضررها التنديد، كما لا يفيد البحث عن حلول “دولية” بالتحرك ما بين نيويورك وبروكسل وروسيا، فالتصرفات الأمريكية في واشنطون تغتال -اعتمادا على شرعة الغاب- ما بقي من هياكل عظمية للأمم المتحدة، ولقانون دولي، ولاتفاقات ومعاهدات عالمية في مختلف الميادين.

لا يجدي في عصر شرعة الغاب طريق التحالف مع من يمارسها أو التبعية له، ولا يجدي الاستناد إلى لغة المصالح المتبادلة زعما لا حقيقة، بأسلوب التخدير أو خداع الذات، فلغة المصالح هي لغة “قوة المصالح”، وتفقد مفعولها عندما تتفاوت مستويات القوة الذاتية تفاوتا كبيرا، وتصبح شارعا باتجاه واحد، إنما تجدي المواجهة على المدى البعيد عند الجمع بين تنمية القوة الذاتية ونشأة تكتلات إقليمية ومصلحية عابرة للحدود.

إن دوامة نشر الفوضى الهدامة في بلادنا مستمرة من خلال تقوية هذا الطرف حينا وذاك حينا آخر، ليفتك بعضنا ببعضنا الآخر، ولا بد من العمل للخروج من الدوامة، وإن كنا نعلم بما فيه الكفاية أن عناصر المخرج هي حاليا في حكم “التمنيات”:

١- تراجع النظام الإيراني عن مشروع الهيمنة الطائفي العدواني عبر مواقف وممارسات مرئية وشاملة ومقنعة.
٢- تراجع الأنظمة العربية عن بيع بلادنا بما في ذلك ثرواتنا ومياهنا وأراضينا عبر التبعية المطلقة للسياسات العدوانية الأمريكية.
٣- صياغة استراتيجيات متكاملة لتعاون وتحرك إقليمي مشترك نحو بناء شبكة علاقات خارجية مع القوى المتضررة من شرعة الغاب، وهي حاليا الغالبية العظمى من دول العالم.

نبيل شبيب

إغلاق