دردشة – في وطننا الفيسبوكي

ما أخطر أن نستغني بالكلام عن العمل

بين أيدينا في عالم الواقع وطن وشعب وقضايا عديدة ونحتاج إلى كل لحظة وكلمة وطاقة وعمل

ــــــــــ

رأيته يجلس أمام شاشة حاسوبه وعلى وجهه علامات الغضب، فقلت:
– أصبح كلامنا “في خدمة الثورة” عبر العالم الافتراضي مشكلة عويصة.
قال:
– كيف؟
قلت:
– الشبكة وسيلة لتحقيق هدف، يمكن أن يكون هدفا صغيرا بسيطا، كالدردشة، ولكن عندما نتوهم أن الدردشة توصل إلى أهداف جليلة حقيقية، مثل خدمة الثورة والتغيير، يتحول استخدامنا للوسيلة الشبكية إلى كارثة، وهي ما نعيشه هذه الأيام.
قال:
– لطالما حدثتني عن التواصل على سلوك الطريق إلى النصر.
قلت:
– النصر يتحقق في عالم الواقع، ونحن ننتصر وننهزم ونفرح ونحزن وندعو ونشتم ألف مرة ومرة في اليوم الواحد بدعوى خدمة الثورة لتنتصر، ولا نقدم من خلال ذلك شيئا حقيقيا للثورة نفسها.
قال:
– فأين ما تطالب به من تواصل؟
قلت:
– هذا عندما تتواصل وتتشابك مراكز دراسات، أو وسائل إعلام، أو تنظيمات إغاثية، أو ما شابه ذلك، من أجل تبادل الخبرات والمعلومات حول أعمال حقيقية في عالم الواقع، أما الثرثرة في عالمنا الافتراضي فهي ما أصبحت الأعم الأغلب في “إنجازاتنا” الشبكية باسم الثورة، وعنوانها الحقيقي: لا شيء.
قال:
– رويدك، دع الناس ينفسّون شيئا عن غضبهم وحزنهم.
قلت:
– نعم، معك حق، ولكن دون أن تتحول الشبكة من وسيلة إلى غاية، لا سيما بغرض إراحة ضمائرنا بين يدي شهدائنا وأهلينا المعتقلين والمشردين والمروّعين، فكثير منا يتحدث عما يجب صنعه، ونغفل أن للعمل ميادينه المباشرة في عالم الواقع، وطوبى لمن يعمل كثيرا ويعيش في العالم الافتراضي قليلا، أو لا يدخل فيه إلا ليستخدمه كوسيلة مفيدة.
قال:
– ما الذي تتوقعه من هذا الكلام الآن؟
قلت بشيء من الأسى:
– لقد تفاقمت هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة كثيرا، ونحن نعلم أن غالب أهلينا الذين نقول إننا نكتب إليهم أو من أجلهم، لا يستطيعون الوصول إلى عالم الشبكة إلا قليلا، ونقول لأنفسنا إننا نخاطبهم، فكأننا أو أكثرنا نكتب لأنفسنا، أو لبعضنا بعضا في دوائر مغلقة.
الشبكة وسيلة للتواصل، ولا ينبغي أن تتحول التنظيمات بسببها إلى تنظيمات افتراضية، ولا الصفحات الشخصية إلى “وكالات أنباء” مزعومة، فهذا وما يماثله لا يقدم ولا يؤخر في مسار الثورة والتغيير دون عمل حقيقي، وليس هذا الحديث معك سوى دردشة، لعلها تجد بعض الأصداء فتساهم ولو قليلا في تخفيض نسبة ما لا يفيد في “وطننا الفيسبوكي الافتراضي”، ولنذكر أن بين أيدينا في عالم الواقع وطنا وشعبا وقضايا عديدة، ونحتاج إلى كل لحظة وكلمة وطاقة إبداعية وعمل مفيد من أوقاتنا وكلامنا وجهودنا وأعمالنا.

نبيل شبيب

إغلاق