دراسة – مكونات الهوية الغربية

انعكاسات الهوية على التفاعلات السياسية

نحتاج إلى تحسين فرص التأثير على صناعة القرار الغربي

ــــــــــ

المحتوى

١- مقدمة
٢- جذور فلسفية للرؤى الغربية المعاصرة
٣- جذور تاريخية للسياسات الغربية المعاصرة
٤- مكونات صناعة القرار الغربي بين هويته الذاتية والمصالح المادية
٥- نماذج لتأثير هويتنا الذاتية ودور المصالح على تعامل الغرب مع قضايانا
٦- مقترحات للتأثير على مفاصل صناعة القرار تجاه “العالم الغربي”
 

أولا: مقدمة

لم ترد في النص القرآني كلمة “هوية” وما يشابهها من كلمات تنطوي على “مواصفات ثابتة”، بينما ورد الكثير بصدد تغير الإنسان – فردا وجماعة – بمعنى تطوره عقيدة وعلما وأخلاقا، رقيا أو هبوطا. ولم يرد إلا نادرا تعميم التصرفات على “جماعة بشرية” كأهل الكتاب، مقابل التخصيص بكلمات من قبيل “طائفة” أو “فريق” أو “من” التبعيضية.

ولم يجد تعبير “الهوية” في الدراسات الإنسانية تعريفا بمستوى “مصطلح” فلا يسهل اعتماد الكلمة في دراسة علمية، وفيما عدا ذلك يتردد في تعريف الكلمة الكثير(١)، ويدور غالبا حول “تعداد مواصفات لتمييز شخص أو شيء من خلال مطابقتها التامة عليه” وهذا تعريف “تقني” أقرب إلى وصف وثيقة ثبوتية، ولكنه “زئبقي” عند توصيف الهوية في ميدان “إنساني اجتماعي” إذ يتناقض مع حالة “السيولة” المرتبطة بمواصفات إنسان فرد أو جماعة بشرية، مكانا وزمانا وحالا، وإن ثبت بعضها “التقني” كبصمة الأصبع أو بصمة العين، فلا يثبت معظمها “المعنوي” لارتباطه بالمعتقد والعلم والفكر وما شابه ذلك من “المتغيرات”، وهذه الجوانب المعنوية” هي الأهم في موضوع هذه الدراسة، بصدد ما نطلق عليه وصف “الغرب”.
بالعودة إلى العنوان انطلاقا مما سبق نجد في عبارة “مكونات الهوية الغربية” تنوعا مكثفا ومتداخلا، عناصره عقدية وثقافية وفكرية واجتماعية وسياسية ومادية وانتمائية قومية ووطنية وعرقية، إلى آخره.
أما عبارة “الانعكاسات على التفاعلات السياسية” الآنية فتتناول الحاضر دون الغفلة عن نشأتها عبر امتداد زمني متقلب من قبل عصور الإغريق والرومان، إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ولا توجد مشتركات ولا فوارق قاطعة لتصنيف تلك الانعكاسات من حيث مفعول هوية “غربية” فكيف مع تفرعات الهوية عبر عوامل دينية، وثقافية، ومادية، وسياسية، وجغرافية، ثم التفرعات الأدنى كالانتماء الديني ما بين مسيحيين وغيرهم، وما بين مسيحيين من كاثوليك وبروتستانت وأرثوذوكس وغيرهم، وهكذا.

من هنا ولأسباب أخرى لا يُعتبر الغرب “جماعة بشرية متجانسة” لا من حيث نشأة “أجزائه” تاريخيا، ولا من حيث واقعه المعاصر، وبالتالي تتنوع “انعكاسات” هويته السياسية وتتناقض، فيصبح وضعها في “سلّة غربية” واحدة عقبة تعرقل “بيان” المقصود للتعامل معه (٢).

لذا يكتسب عنوان البحث المحددات التالية:
أهم المكونات العابرة للحدود الجغرافية والتاريخية، بجذورها الكبرى، لا سيما الفلسفية، لما نطلق عليه حديثا وصف الغرب، واستخلاص بعض العناصر المشتركة في انعكاساتها عبر السياسات والممارسات الغربية، بشأن بعض القضايا المحورية في بلادنا وعالمنا وعصرنا، للسؤال عن حد أدنى من مقترحات التعامل الأفضل والأجدى معها.

ثانيا: جذور فلسفية للرؤى الغربية المعاصرة

الفلسفات الغربية منبع فكري يؤثر على صياغة المناهج وصناعة القرارات والتصرفات في الغرب، ولكن نميز بين (٣):
– الفلسفة كعلم جامعي منضبط لتفسير الوقائع وليس لتوجيه صناعتها، وله أركانه وطرقه البحثية، وليس هذا مدار الحديث في هذا البحث..
– وما انبثق عن الفلاسفة من “تصورات ورؤى ومناهج“، مثل الواقعية والمثالية والعقلانية والوجودية والكنسية والعلمانية وكذلك مناهج الرأسمالية والليبرالية والشيوعية وغيرها.
هذه اجتهادات فلسفية بشرية، إذا وضع أحدها في موقع “مرجعية عليا” نشأت مشكلات في مختلف ميادين العلاقات البشرية، فالتناقضات بينها كبيرة وقديمة.
– ابتداء بولادة كلمة ديمقراطية – كمثال – على لسان أرسطو مستهزئا ورافضا ما سمّي الفلسفة التوليدية لسقراط (حُكم بالإعدام بسببها) وكان يطرح أسئلة “استفزازية” على الشباب في الطرقات ليدفعهم إلى التفكير والتعبير عن الرأي الذاتي، فاستهزأ أرسطو بهذا النهج “سؤال عن رأي الدهماء! هذه ديمقراطية!” (٤)..

– مرورا بولادة ثنائيات فلسفية كبرى متضادة، كالواقعية والمثالية، أو التركيبية والتفكيكية، أو العقلانية والفوضوية، أو فروع الفلسفات الجدلية..

– وصولا إلى فلسفات حداثية (تميزت ببذور الإلحاد بعد فترة من التنوير وولادة النهضة الأوروبية) ثم ما يوصف بفلسفة ما بعد الحداثة وترمز إليها مقولة الفيلسوف الفرنسي فوكو “لئن صنعت فلسفة الأنوار لنا الحريات فقد صنعت القيود أيضا” (٥).
لا يمكن تعداد “جميع” الجذور الفلسفية المؤثرة على كافة الممارسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الواقع الغربي، فيحسن التركيز على ما يتغلغل – من منظور كاتب هذه السطور – في معظم تلك الممارسات، ومثاله: “حالة الصراع” و”حالة التحيز العنصري” (٦).

استشراء حالة الصراع في العلاقات البشرية في ظل سيادة الحضارة المادية الغربية

يمكن أن نرصد من التاريخ الغربي، أن مرحلة نشر تقدمه التقني والمادي بدأت مع استخدام القوة العسكرية قبل أن ينقله عصر التنوير إلى تطوير رؤيته الحضارية، على أسس إضافية من العقلانية والديمقراطية ومواثيق حقوق الإنسان، فبقيت متأثرة باستمرار من الأسس القديمة مثل عنصرية “الرجل الأبيض” فضلا عن السيطرة بالقوة على الآخر كما ساد في العهود الإمبراطورية القديمة وفي الحروب الأوروبية البينية لأكثر من ألفي سنة، ومنها كأمثلة حرب المائة عام وحرب الثلاثين عاما وحرب الفلاحين وغيرها، بل حتى التعامل مع الطرح الفلسفي التنويري لم يتحرر مما كان عليه الحال في عصر ازدهار الفلسفة الإغريقية، عندما كان مصير كثير من الفلاسفة الإعدام بسبب بعض أطروحاتهم المخالفة للسلطة الطبقية المسيطرة، وأشهر ما كان من ذلك الحكم بالإعدام على كبير الفلاسفة سقراط بسبب طرحه ما سمي الفلسفة التوليدية، أي طرح أسئلة على عامة الناس في الشارع لتشجيعهم على تكوين رأي ذاتي، وحتى ميلاد مواثيق الحقوق الإنسانية لاحقا كان في أتون الصراع الطبقي العنيف في الثورة الفرنسية، وفي الحرب الأهلية الأمريكية.

هذا ما انعكس في نوعية العلاقات البشرية تحت مظلة انتشار الحضارة المادية الغربية، فأصبح الصراع بين ضعفاء وأقوياء من أخطر ما ساهم في نشر مسلسل التناقضات الفلسفية والاجتماعية المتوارثة. وبعد نشأة “الدولة القومية” أو “الحديثة” المقترنة بالتوسع الجغرافي / الحضاري، بلغ مسار “الصراع والعنصرية” درجة التمكين له في تقنين علاقات بشرية، بما فيها ما انبثق عن أطروحات فلسفية إيجابية “إنسانية” حول مكانة الإنسان وكرامته وحقوقه أو “تنويرية” حول عقل الإنسان ودوره وحرياته.

من أبرز الشواهد على ذلك أن تحصيل الحقوق المادية والمعنوية المشروعة بات مرتبطا بحكم القانون بجولات صراع داخل المجتمع الواحد وهو ما أخذ تسميات “تجميلية” مثل جولات الأجور، والحركة النسوية، فضلا عن صراع المحرومين ماديا عموما من أجل متطلبات معيشتهم، هكذا في كل مجتمع على حدة، ثم على مستوى العلاقات البشرية العالمية بين غنى وفقر، وقوة مسلحة وضعف، وتقدم وتخلف.

الحصيلة من حالة الصراع:
من يملك أسباب القوة يحقق أهدافه “المشروعة نظريا”، ومن لا يملك ما يكفي منها يبقى محروما من تحقيق أهداف مماثلة “مشروعة نظريا أيضا”
(٧).

حالة التحيّز العنصري في العلاقات البشرية

يؤخذ هنا بالمعنى العام للعنصرية “تفضيل إنسان نفسه على سواه أو قوم على سواهم، تفضيلا يشمل قيمة معنوية و/ أو أسباب التمكين المادي، اعتمادا على مواصفات ذاتية ما”.
وللتحيز العنصري في الغرب جذور فلسفية أيضا، ومن أبرزها:
١- من التاريخ الغربي القديم: تجلي العنصرية في “الطبقية” داخل المجتمع الواحد (خاصة الإغريقي والروماني) وفي التعامل مع مجتمعات أخرى (الشعوب المستعمرة في عصر الإمبراطوريات).
وأصبح التخلص من الذهنية الطبقية عسيرا بعد أخذها مكانة فلسفية معنوية كما يشهد مثلا تصنيف كتاب “المدينة الفاضلة” لأفلاطون كنموذج لبناء مجتمع “ديمقراطي” وهو نموذج فلسفي قائم – مثل ديمقراطية أثينا – على ثلاث طبقات، طبقة مسيطرة على السلطة والثروة، وطبقة عسكرية حامية لها، وطبقة الدهماء العاملة دون حقوق، وكذلك عبر ترسيخ النزعة الطبقية تطبيقيا كما كان مثلا في إنشاء “المجتمع الأمريكي باسم عالم جديد” مع ترسيخ نظام الرقيق.
٢- من التاريخ الغربي الوسيط: تجلي العنصرية في ممارسة قهر الآخر منهجيا (٨).
شهد التاريخ القديم ممارسات القهر، ولكن باكورة تقنينها فلسفيا كانت مع سيطرة الفلسفة الكنسية (أو الإملاءات العقدية الكنسية) طوال ألف سنة ونيف، وشملت بتطبيقاتها ميادين الوجود الإنساني عموما – كالعلم والتعليم والأدب والفنون والزواج والإنجاب – وليس العلاقة بالسلطة فحسب.
٣- من التاريخ الغربي الحديث: تجسد “قهر الآخر” من منطلق تحيز عنصري في ممارسات الاستعمار في مطلع “العصر الحديث” وانحدر مساره حتى بلغ حروبا همجية كما في فييتنام والشاشان والبلقان، وتوحش في القهر حتى أصبح “منهجا همجيا” من رموزه مستنقعات جوانتانامو وأبو غريب ومعتقلات التعذيب في سورية.

بموازاة ذلك تجلت العنصرية الفكرية في تطبيقات علمانية حداثية فاتخذت صيغة قيود دون مستويات القهر الصارخة المذكورة أعلاه.
يسري ذلك على سلطات انتهجت العلمانية اجتهادا “كمنهج حديث” قائم بذاته أو مع التأريخ لها بانتقادات الراهب الكاثوليكي الدومينيكاني “توماس الإكويني” الفلسفية للسلوك الكنسي، وفي الحالتين تحولت الرؤية العلمانية تطبيقيا إلى ساحة تسلطية جديدة، في صيغة تقييد كثير من الحريات والحقوق بشروط تستهدف “الآخر”، حتى أصبح المحور الناظم لها: عدم تناقض رؤية “الآخر” مع الرؤية العلمانية حيثما وصل معتنقوها إلى السلطة، وإن تفاوتت الدرجات بين صيغ استبدادية منفلتة في بلدان عديدة، وبين صيغ اجتماعية وتقنينية توافقية، حادة كما في فرنسا، وأخرى مخففة كما في ألمانيا، وثالثة تقبل بمشاركة سيادية لرؤى أخرى – ولكن “منتقاة” – كالرؤية الإنجيلية في الولايات المتحدة الأمريكية.

يحسن التأكيد أن ما سبق وأمثاله لا يلغي وجود إضاءات وميزات كبيرة مستمدة من عالم الفلسفة في واقع المجتمعات الغربية حاليا، لا سيما عند المقارنة بواقع تلك المجتمعات الأسوأ بكثير في قرون ماضية أو بواقع مجتمعات أخرى تتسلط عليها أنظمة استبدادية استبدادا مطلقا. إنما يمكن اعتبار العنصرين المذكورين آنفا مثالا على سواهما من حيث تأثير المسار الفلسفي الغربي على مجمل المسارات التطبيقية الغربية الحديثة.

ثالثا: جذور تاريخية للسياسات الغربية المعاصرة

جغرافيا كانت البذرة التاريخية الأولى للغرب أو العالم الغربي أوروبا (تشمل الجزء الأوروبي من روسيا) وهي في حدود ٧ في المائة من مساحة العالم، ويقطنها زهاء ١١ في المائة من البشرية، وقد ولدت تسميتها هذه في عصر الإغريق، بينما ولدت كلمة “الغرب” في أوروبا عبر الانشطارات الكنسية إلى غربية وشرقية قبل أقل من ألف سنة (٩)، ثم تطورت النظرة إلى “رقعة” الغرب جغرافيا مع الانتشار “الاستعماري” قبل خمسة قرون (ليس بمعنى طلب الإعمار، بل بمعنى استخدام القوة العسكرية للسيطرة على الآخر إنسانا وأرضا وثروة) واستقرت مع مرور الزمن على وصف البقاع “الأوروبية جغرافيا والمستعمَرة وراء البحار معا”، فأصبح وصف العالم الغربي يشمل الأمريكتين وأستراليا وجنوب إفريقية قبل سقوط العنصرية فيها، بل يشمل حتى ما أنشأه الغربيون على أرض فلسطين باسم “إسرائيل”.
في تلك الحقبة من صناعة الحدث التاريخي الاستعماري المقترن باعتبار أوروبا “مركز العالم” وما سواها “أطرافه”، بلغ التحيز العنصري مداه، فقد كانت القوى الاستعمارية الأوروبية لا “تسيطر” على الآخر فحسب بل تلغي وجوده البشري (من هنا أيضا رفع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني بفلسطين شعار أرض بلا شعب لشعب بلا أرض).
حيثما وصلت القوة العسكرية الاستعمارية ابتداء من الأمريكتين انتهاء بأستراليا كان احتلالها أو اغتصابها يوصف بالكشوف الجغرافية، سيان كم كان يوجد في تلك الأراضي من “البشر” وكم مرّ عليهم من الأزمان، فكانوا يعتبرون مع أراضيهم بقاعا جغرافية “مكتشفة” وراء البحار، ملحقة بالدولة الاستعمارية (١٠).
تبعا لذلك وقعت عمليات الإبادة الجماعية، وهو ما انعكس مثلا في إبادة ما بين ٦٠ مليونا و١٠٠ مليون من الهنود الحمر مع توطين “الغزاة الأوروبيين” وحملهم اسم “الأمريكيين” لاحقا. وتبعا لذلك أيضا كانت عمليات الاستغلال المادي المطلق لثروات الآخر، وهو ما انعكس مثلا في استغلال ثروات القارة الإفريقية بمجموعها، بل والاستعباد الجسدي لأعداد كبيرة من سكانها لاستغلالهم كرقيق عامل في الأمريكتين.

عسكريا لم تنقطع الحروب البينية الغربية بل اتخذت أحيانا مسارات يصعب تصورها، كما كان مع حرب المائة عام وحرب الثلاثين عاما وحرب الفلاحين وحروب تشكيل الإمبراطوريات في الرقعة الأوروبية الضيقة نسبيا، والتي انطلقت لنشر حروب الغرب خارج رقعته الجغرافية الأولى، فكانت هي الوسيلة الأبرز للعيان في نشر الرؤى الغربية – وليس انتشارها – عالميا.

ومع عدم إغفال حروب سابقة تاريخيا (الفراعنة.. الصينيون..) نرصد تواصل مسلسل حروب “الغرب” منذ ٣ آلاف سنة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم انقطعت نسبيا “الحروب البينية” على “أرض العالم الغربي” باستثناء حروب انفصالية محلية (أسبانيا / إيرلندا / كورسيكا..) ثم ما شهدته حديثا مناطق البلقان والجزء الآسيوي (الشاشان مثلا) تحت سيطرة “الاتحاد الروسي”.

في نطاق العلاقات الغربية-الغربية ارتبط المسار العسكري بعناصر “الصراع” لا سيما الكنسي، إلى أن انتشرت فلسفة التنوير وبدأت النهضة العلمية والمادية، إلا أن مفعول عنصر الصراع لم ينقطع، وانعكس في نشر الهيمنة الأمريكية حربا في الأمريكتين الوسطى والجنوبية، ثم فيما وراء البحار وعبر الحربين العالميتين، ومنذ ذلك الحين ارتكزت الهيمنة أو ما سمي أحيانا الزعامة الانفرادية الأمريكية على التفوق العسكري النووي تخصيصا، وعلى ما يوصف بالقوة الناعمة. وتوارى جزئيا عنصر التحيز العنصري في العلاقات الغربية – الغربية، ولكن بقيت آثاره داخل “المجتمعات” كما هو معروف عن الولايات المتحدة الأمريكية تخصيصا، وما يمكن اعتباره جوهر ما يسمى صعود التيار “الشعبي اليميني المتطرف” حديثا (١١).

في نطاق العلاقات الغربية-العالمية لم يتراجع مفعول الصراع باستخدام القوة العسكرية وإن تبدلت أساليب استخدامها، فكان من ذلك ما يسمى الحروب بالنيابة وولادة حروب القتل عن بعد (الطائرات المسيرة) كذلك لم يتراجع مفعول التحيز العنصري، وإن تبدلت الميادين التطبيقية فاتخذت أشكالا جديدة كما هو في العلاقات بين “شمال وجنوب”.
إن استقراء التاريخ البشري يؤكد أن مسار هيمنة الغرب أي سيطرته بالقوة على الآخر وقهره، لم ينقطع منذ العصور الإغريقية والرومانية إلا عندما وجد “قوة” عالمية رادعة كما كان من خلال الحضارة الإسلامية وتفوقها عالميا، أما جوهر العامل التاريخي في مكونات “العالم الغربي” قديما وحديثا فبقي في تجسيد شرعة الغاب إلى اليوم.

رابعا: مكونات صناعة القرار الغربي بين هويته الذاتية والمصالح المادية

مكونات صناعة القرار الغربي عديدة ومتداخلة، ولا تمثل “كتلة صلبة” بل لا ينقطع تبدل تغليب بعضها على بعضها الآخر:
– حسب الجهات التي تصل إلى مواقع صناعة القرار السياسي، هذا مع عدم إغفال وجود مراكز قوى مادية مؤثرة فيما يوصف بالدولة العميقة وهي المهيمنة واقعيا على صناعة القرار عبر الأجهزة السياسية، ومنها ما يوصف بجماعات الضغط.
– ثم حسب الظروف الآنية وإمكانات الطرف “الآخر” صاحب العلاقة بموضوع القرار.

إجمالا يمكن تصنيف مكونات صناعة القرار الغربي (انفراديا أو جماعيا) في ثلاثة بنود:
١- فكريا: ما سبق طرحه حول الجذور الفلسفية لتركيبة “الهويات” الغربية
٢- تطبيقيا: ما سبق طرحه حول دور الحدث التاريخي في “تشكيل” معالم الممارسات الغربية
٣- الرؤية المادية الواقعية للغرب: والمقصود هنا ما يمارسه الغرب ابتداء أو يتفاعل معه على أرض الواقع، مع مراعاة أنه ليس كتلة “متجانسة صماء”، ولا كتلة “اندماجية موحدة”.

في هذه الرؤية المادية توجد معالم كبرى أصبحت مشتركة عموما، أبرزها:
(١) شرعة الغاب.
(٢) “المصالح”.
(٣) “البراجماتية”.

شرعة الغاب
لا نحتاج للوقوف طويلا أمام غلبة تطبيق “شرعة الغاب” فقد أصبحت الشواهد على ذلك يومية وفي مختلف الميادين، ومنها ما يعود إلى تأسيس الأمم المتحدة والانحراف بنظام “إدارتها” عن مضامين “ميثاقها”، مثال ذلك ابتداع ممارسة “النقض / الفيتو” في جهاز مجلس الأمن الدولي، وربط التصويت بالقوة المالية في قرارات المصرف المالي العالمي وصندوق النقد الدولي.

المصالح
نتوقف أكثر عند تعبير المصالح فكثيرا ما نبالغ في الأدبيات العربية، السياسية وشبه السياسية، في طرح تعليلات لصناعة القرار الغربي من قبيل “غلبة مفعول المصالح المادية”، بل ننحرف عن المعنى المقصود في الغرب عموما من الكلمة بصياغاتها اللغوية الأجنبية، مقابل من يردد من داخل صفوفنا ذريعة “لغة المصالح المتبادلة” في تبرير قصورنا في رفض “افتراءات واعتداءات” غربية على حقوقنا وقضايانا، ناهيك عن العمل لمواجهتها.
صناع القرار في الغرب يتجاوزون مصالحه المادية الآنية نفسها ويهجرون “لغة المصالح المتبادلة” ويستخدمون “لغة الهيمنة” غالبا، ولا سيما عندما تظهر في قضية ما مؤشرات دعم مفعول “قيم” حضارية “قد” تهدد منظومة قيم الحضارة الغربية بعد كل ما أصابها من أمراض.
لا داعي لأمثلة من “التاريخ البعيد” فتكفي نظرة تأمل في أسلوب التعامل الغربي (في السنوات القليلة الماضية حتى الآن ٢٠١٨م) مع دولة كتركيا، التي لا تزال ضمن منظومة التحالف العسكري الغربية، إنما بدأت تتميز بأطروحات ذاتية تستند إلى منظومة قيم أخرى.
في العلوم السياسية لا يوجد أصلا تعريف اصطلاحي لكلمة مصالح لضبط استخدامها الجاري دون انقطاع في الكتابات والمعاملات (١٢). لهذا أصبحت عبارات “المصالح المتبادلة” و”لغة المصالح” أبعد ما تكون عن معناها اللغوي الأصلي، أو مقاصدها المعلنة حين استخدامها، ولا يمكن اعتبارها سارية المفعول في واقع العلاقات والمعاملات بين أعضاء الأسرة البشرية أو ما يسمّى المجتمع الدولي.
ولئن كنا لا نملك القضاء على انحياز التعامل الغربي فيما يوصف بلغة المصالح، فلا أقل من أن ننطلق من استيعاب أهمية مصالحنا وحمايتها دون انحياز، ودون الغفلة عن أن لغة المصالح لا تعني “المصالح مقابل مطامع غير مشروعة” كما أنها في جميع الأحوال ليست “شارعا باتجاه واحد”.

البراجماتية
من الخطأ ترجمة هذه الكلمة بالكلمة العربية الشائعة: “الواقعية”، فهذه (Realismus) مدرسة فلسفية قديمة قائمة بذاتها، ولها تطبيقاتها الإيجابية غالبا، أما البراجماتية فهي فلسفة حديثة المولد عبر سلسلة من الفلاسفة الأمريكيين (ابتداء بشارل ساندرس باييرس – Charles Sanders Peirce حتى ويليامس جيمس – Williams James) والأخير هو من استخدم تعبير براجماتية لأول مرة سنة ١٨٩٨م. ومحورها الأول وضع “التصرف العملي” ونتائجه فوق “العقل النظري”، فالنتائج الفعلية لتحقيق منافع ذاتية هي “الحَكم” على صواب العمل. ولا غبار على ذلك فلسفيا، ولكن انتقل استخدام الكلمة إلى تبرير تصرفات عدوانية وسياسات بلا أخلاق، ما دامت النتائج تخدم أغراض من يمارس تلك التصرفات والسياسات، وهذا التبرير هو ما رافق الحروب الأمريكية في مرحلة انتقالها من الميدان القاري إلى الميدان العالمي بدءا بالفيليبين مع نهاية القرن الميلادي التاسع عشر.
لم تعد البراجماتية فلسفة علمية محضة، بل أنتجت تحت العنوان نفسه “تصورا” لمن يأخذ بها، يشابه تصور الحتمية التاريخية للشيوعية، وبالتالي أصبحت منهجا متبعا في التعامل مع “الآخر” مع شرعنة المطامع الذاتية الأنانية.

لِذا من الخطأ أيضا توصيف “البراجماتية” بعبارة من قبيل: “واقعية لغة المصالح”، والأصوب هو إيجاد تسمية اصطلاحية أخرى تعبر عن جوهرها: شرعنة المطامع الأنانية، أو استحضار هذا المعنى عند استخدام التعبير الأجنبي بأسلوب التعريب اللفظي: “براجماتية” (١٣).

الحصيلة:
إن استمرارية سريان مفعول “سيادة شرعة الغاب” وتبريرها عبر “البراجماتية” لتحقيق منافع ذاتية أنانية باسم “مصالح”، هي في مقدمة ما ينعكس في تعامل “الغرب بزعامته الأمريكية” مع سواه عالميا، والتعامل الأمريكي مع الحلفاء والشركاء الغربيين الآخرين، أي حتى في نطاق صراعات الغرب البينية وإن تبدلت هنا “وسائل نشر السيطرة” فتركزت على ميادين العلاقات المالية والتجارية والتحركات الاستخباراتية، وتقلصت على صعيد المواجهات العسكرية المباشرة.

ويمكن الإشارة إلى بعض الشواهد كأمثلة:
١- الكشف الغربي عن “مؤامرات سابقة” كان يتهم من يقول بها بفكر المؤامرة، وإذا بها “حقيقية” وفق الاعتراف رسميا بتدبيرها وتنفيذها، ولكن بعد رفع “السرية” عن وثائق متعلقة بها، أي بعد عقود من وقوعها.
٢- إطلاق وصف “الحرب التجارية” مثلا على ما يشهده العالم حاليا (سنة ٢٠١٨م) ومنذ عقود، من سياسات أمريكية عدوانية (حصار.. عقوبات.. إجراءات مضادة.. احتكار تقنيات متقدمة.. إلى آخره) وهذا بعد إخفاق أمريكي نسبي عن تحقيق الهيمنة بوسائل “المنافسة” المحررة – من الجمارك والضرائب – بعد تبني تحريرها من قبل نتيجة التوهم بقابلية الحفاظ على مكانة الصدارة للقوة الأمريكية المسيطرة.

خامسا: نماذج لتأثير هويتنا الذاتية ودور المصالح على التعامل الغربي مع قضايانا

هذه الفقرة أقرب إلى أسلوب المراجعات عبر أمثلة على تأثير هويتنا الذاتية، وتأثير منظورنا الذاتي لمصالحنا، في الانزلاق لارتكاب أخطاء فكرية وعملية تقابل ما نشكوه من انحياز في التعامل الغربي مع قضايانا.
أولا: المثال الأول ما نمارسه من تعميم حيث لا يصح التعميم.
ونعود مبدئيا إلى مثال سابق حول انعكاس المكونات الفلسفية للهوية “الغربية” على تعامل الغرب مع قضية من “قضايا الآخر”، والمقصود ما يرمز إليه شعار “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” في قضية فلسطين، ويمكن أن نستفيض تاريخيا فنذكر أيضا مقولة “إهداء من لا يملك إلى من لا يستحق” بصدد ما سمّي وعد بلفور.
صحيح أن هذا شكل عدواني للتعامل الغربي مع قضية فلسطين، ولكن يشهد الواقع المنظور أنه يتركز على نسب عالية من نخب سياسية وفكرية وإعلامية في الغرب ومن يتأثر بها، ولا يشمل كافة “أهل الغرب” فمنهم من يتعاطف صمتا أو كلاما أو طرحا فكريا أو دعما مباشرا، بل قد يصل ذلك إلى المخاطرة بالحياة عبر مشاركة إنسانية ذات بعد سياسي في عملية من عمليات “فك الحصار عن غزة” مثلا.
يسري شبيه ذلك على قضايا أخرى شهدت “تجاور” تعامل عدواني واستثناءات إيجابية، كالغزو الأمريكي / الأطلسي لأفغانستان، وحرب الاحتلال الأمريكي / البريطاني للعراق، كما يسري أيضا على وقائع التعدي المتكرر على بعض أحكام الإسلام كحجاب المسلمات في البلدان الغربية، أو التعامل مع ما شاع وصفه بالإساءات عبر كتابات “غير أدبية” كالآيات الشيطانية وسواها، وعبر رسوم كاريكاتورية كما كان في الدانمارك وفرنسا، أو حتى الافتراء في أفلام رخيصة كما اشتهر عن هولندا وهو متكرر في سواها دون تسليط الأضواء عليه.
التعميم هو تسليط الأضواء على مواقف غربية عدائية واسعة وعدم تسليطها على مواقف غربية منصفة محدودة، والأصل هو الحرص على التمييز بين الفريقين فنواجه من تجب مواجهته، ونتواصل مع من تفرض المصلحة أن يتنامى حجمه وتأثيره (١٤).

ثانيا: المثال الثاني ما نعبر عنه بالازدواجية.
من ذلك ما نرصده باستمرار من تأثير مكونات هوية الغرب التي تجعله – دون تعميم – عدوانيا تجاه الآخر. من المنطلق الإسلامي نرصد هذه العدوانية غالبا من خلال ممارساتها تجاه “الإسلام والمسلمين”، وصحيح أن المخاوف من عودة الحضارة الإسلامية إلى موقع الريادة والسيادة عالميا، يهدد الأسس المادية الغالبة على مكونات الحضارة الغربية، ولكن عنصر العدوانية قائم من حيث الأساس بسبب عناصر الصراع والعنصرية واستمراريتها في حقب التطور التاريخي الغربي. ومن الشواهد على ذلك أن تعامل الاستعمار الغربي مع الكونجو لم يختلف عما كان عليه في الجزائر، وأن تعامل ما يوصف بالمجتمع الدولي مع الإبادة الجماعية في رواندا لم يكن مختلفا من حيث الجوهر عما كان عليه مع ما انحدرت إليه جرائم الإبادة الجماعية والجرائم الفاحشة الكبرى ضد الإنسانية في سورية.
إذا كان في ممارسات الغرب ما نرفضه قطعيا من مواقف التعامل الازدواجي الذي يميّز قضايا فريق من البشر على حساب قضايا فريق آخر، تبعا لاختلاف المعتقد أو العرق أو البشرة، فهل يصح أن نجيز لأنفسنا ممارسة ما نرى عدم جوازه له؟
في مقدمة ما نحتاج إليه للتأثير على “الآخر” التخلص من الازدواجية في تعاملنا مع قضايا “الآخر”.

ثالثا: المثال الثالث تعاملنا مع قضايا حقوق الإنسان.
من حقنا ومن الصواب أن نحتج عندما نفتقد التعامل الغربي النزيه مع قضايا معتقلين أو مطاردين في بلادنا من العرب والمسلمين، ونفسر ذلك بتأثره بمكونات هويته وانحراف رؤيته، ولكننا لا نشارك بالمقابل إلا نادرا في مناصرة من يتعرض للاعتقال والاضطهاد في العالم، من غير العرب والمسلمين، لا سيما إذا كان ممّن يهتم بهم الغرب، كما كان في أحداث فردية كقضية زاخاروف في العهد السوفييتي أو أحداث جماعية كما كان في أحداث ساحة السلام السماوية في بكين.
إننا في حاجة إلى كثير من الدراسات المقارنة في ميادين رؤيتنا لحقوق الإنسان وحرياته، وما تزال هذه الدراسات قليلة، ومن هذا القليل كمثال للتنويه مؤتمر حواري عقد بين ١٠ و١٢/ ١١/ ٢٠٠٨م، بمشاركة “برنامج الدراسات الحضارية وحوار الثقافات” و”منتدى القانون الدولي” بعنوان “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق – قراءة جديدة” (١٥).
المقصود أن التعرف الموضوعي على ما لدينا بشأن حقوق الإنسان وصلاحيته لطرح عالمي أو إنساني شامل، ضروري للمطالبة بالتعامل مع قضايانا الإنسانية دون انحياز أو تحامل أو ممارسات عدائية.
ولكن مصداقية هذه المطالبة ترتبط ارتباطا مباشرا بمصداقية مواقفنا التطبيقية في قضايا حقوق الإنسان دون انحياز، ولا يمكن هنا القبول بتبرير مزعوم، أي بدعوى “الرد بالمثل” على ما يصنع “الآخر” الغربي، ففي ذلك انزلاق خطير، أن نفقد “نزاهتنا” ونصبح “منحازين” ضد جنس الإنسان فهو المتضرر من انتهاكات الحقوق والحريات.
هذا مع العلم بأن كل تحرك لصالح جنس الإنسان، هو عمل مطلوب نستمد وجوبه من عقيدتنا وتعاليمها وحضارتنا وتاريخها قبل أن نستمده من قاعدة “التعامل بالمثل” أو نصوص المواثيق الدولية في المجتمع البشري المعاصر، ومما تعلمناه أن الكرامة لبني آدم، وأن العدل لكافة الناس، وأن الحقوق الأساسية لجنس الإنسان دون تمييز، فعطاء الخالق ليس محظورا على أحد من خلقه
(١٦).

سادسا: مقترحات للتأثير على مفاصل صناعة القرار تجاه “العالم الغربي”

هذه المقترحات “أمثلة” معدودة لمحاولة الإسهام في عملية مطلوبة واسعة النطاق للتأثير على مفاصل صناعة القرار في الغرب. ويتم تبويب هذه الأمثلة تحت ثلاثة عناوين: (تغيير أنفسنا) (إطار عام) (خطوات عملية آنية)

أولا: تغيير أنفسنا (علاوة على ما سبق التنويه إليه)

١- تحصيل الوعي مع المعرفة

هذا ما يتطلب تفصيلا أوسع من تنويه في بحث موجز، فالتأثير على “الآخر” يفرض التخلص من “سذاجة فكرية وسياسية وسلوكية” نقع فيها نتيجة قصور ذاتي، كما نقع فيها نتيجة انبهار مرضي بما حقق سوانا في ميادين متميزة مثل تطوير القدرات في: إدارة الأزمات، والتنمية البشرية، والتخطيط، والتأهيل، وجميع ذلك مطلوب قطعا، ولكن دون تغييب ما نراه صوابا بموازين قيمنا ورؤانا المعرفية والحضارية.

٢- التزام العمل المنهجي

فقدت كلمة “منهجي” مفعولها نتيجة كثرة استخدامها في غير موضعها أو هبوط مستوى استخدامها، ومن هنا التأكيد أن العمل المنهجي لا يتحقق بمجرد تبني رؤية عقدية أو فلسفية / فكرية، إنما يتحقق عبر اقترانها بتنظيم “التفكير” و”القرار” و”التخطيط” و”التأهيل” والتنفيذ” و”المراجعة” و”التقويم”، واتباع مقتضيات ذلك بدقة.

٣- تجاوز مطبات فكر المؤامرة
لا نبلغ ما سبق دون التخلص من أمراض “ثقافية ونخبوية” ومثالها هنا “مرض” فكر المؤامرة و”مرض” إنكار وقوع المؤامرات أصلا، فقد بات بعضنا ينكر وجود ما نرصده أو نراه رأي العين من أعمال تستحق وصف “التآمر” على قضايانا، أو قضايا إنسانية مشتركة، فنتجاهل حتى عنصر “العلنية فيما يقال ويجري” ونردد تجاه بعضنا بعضا “هذا فكر المؤامرة فحسب”، بل نغفل حتى عما يكشف عنه برفع السرية عن وثائق ثبوتية غربية كما سبقت الإشارة. إننا بقدر ما ينبغي أن نتخلص من مرض فكر المؤامرة عبر التكهنات والتخيلات، يجب أن نتخلص أيضا من “مرض” توظيف التلويح بتهمة “فكر المؤامرة” للحيلولة دون مجرد الحديث المنهجي عن تعامل غير مشروع مع قضايانا، علنا أو خفية، من جانب الغرب أو سواه.

٤- الموضوعية في تقدير “مفعول العقيدة”

يبالغ بعضنا ويستهين بعضنا الآخر بمفعول “العقيدة”، رغم علم من يبالغ أن العقيدة إنما تفعل فعلها دنيويا عندما تقترن بعمل صائب واجب، وهذا مقابل استهانة من يستهين بمفعولها بدعوى أن “الآخر” يحقق أغراضه دون الاعتماد على مفعول العقيدة التي نؤمن بها، أو رغم “الخلل” في عقيدته
(١) مفعول العقيدة لا يرتبط بصوابها أو بطلانها

(٢) “العقيدة” هي الاعتقاد بصواب مقولات محددة اعتقادا قاطعا
(٣) المرفوض في “عقد اجتماعي” يجمعنا (على أرضية وطنية أو سواها) هو اشتراط أي فريق خضوع الآخر لما يعتقده هو مفروضا على الجميع

(٤) لا يعتبر العلمانيون أنفسهم أصحاب “ديانة.. أو عقيدة”.. ولكن عندما يطرحون ذلك الشرط يجعلون منها “معتقدا” تنهج نهج “الإملاء والإقصاء” كما كان في العصر الكنسي
(٥) إسلاميا (معتقدا دينيا.. أو ثقافة حضارية مشتركة) ينبغي التعامل مع الآخر عبر مفهوم العقيدة العام (لكم دينكم ولي دين) ولأنّ ما يحكم على العلاقات بين الأطروحات الفكرية والسياسية والإنتاجية هو حصيلة ما تحققه من مصالح ومنافع لجنس الإنسان، فلا مكان لشرط يحظر حق من يربط السعي إلى ذلك بدافع عقيدته الذاتية، أما صحتها وبطلانها فالحساب عليه في الآخرة.

ثانيا: مقترحات لإطار عام
١- اعتماد “المرجعية” من خلال ما يتحقق على أرض الواقع، أي بميزان ما تجد الفكرة أو الدعوة من تجاوب المستهدفين بها، وليس من خلال هيئات وتنظيمات ومسمّيات تستند إلى اجتهادات تخطئ وتصيب.
٢- اعتماد “التخصص والتكامل” في العمل، أي تجاوز أسلوب التنظيمات والجماعات الكبرى، إلى أسلوب التجمعات التخصصية فكرا وعلما وأدبا وإنتاجا، وتكاملها لتحقيق إنجازات كبرى مشتركة.
٣- ثم اعتماد العمل “التشبيكي” عبر الوسائل الحديثة بدلا من “التنظيم المحكم” على غرار تجارب متوارثة.
٤- التركيز المكثف على تجاوز ما يوصف أحيانا بأزمة العلاقة بين الأجيال، فلا بد أن تنتقل القيادات وصناعة القرارات وتوجيه الجهود للمهام الكبيرة، إلى الجيل الأصغر سنّا في الوقت المناسب قبل رحيل الأكبر سنّا أو عجزه وضعفه – مهما بلغ شأنه وشأن “حكمته وتجربته” – ومن دون ذلك لا يستقيم العمل لتتراكم الإنجازات من خلاله وتتضاعف الطاقات المطلوبة لتحقيقها.

ثالثا: خطوات عملية آنية

هذه اقتراحات أو أمثلة على اقتراحات ذات علاقة مباشرة بعملية التأثير على “الآخر” الغربي وغير الغربي، ولكنها آنية يصوغها استيعاب ظروف اللحظة الآنية (وهذا ما يختلف من شخص لشخص) ويجب أن تكون دوما موضع المراجعة والتعديل والتطوير والحذف والإضافة حسب تبدّل تلك الظروف ومعطياتها ومتطلباتها:
١- صياغة الرؤى المستقبلية فكرا وتخطيطا من جانب المتخصصين، لما يجب إعداده من دراسات وأطروحات ومخططات لاستيعاب خلفيات الفكر والسلوك الغربيين والتعامل معها.
٢- التواصل التشبيكي المستمر والهادف بين الجامعات ومراكز الفكر والبحث لتكامل ما يجري طرحه للتعاطي مع الغرب كقضية جماعية.
٣- تطوير تواصل مماثل بين وسائل النشر والإعلام، مع دعم المهنية فيها والارتقاء برسالتها وتأهيل الكفاءات العاملة فيها ومعها.

٤- الإعداد على مستوى جيد لعقد لقاءات وندوات هادفة للتعارف وتبادل الخبرات والتعاون مع “الآخر” ممن تستهدفهم هيمنة الغرب حاليا.
٥- التواصل التخصصي المباشر والهادف والمتنامي مع من يوصف بالمنصفين في الغرب، والتوافق على آليات عمل مشتركة لتحقيق ما يتبلور من أهداف مشتركة.
٦- اتباع الوسائل التقليدية لرفع نسبة الإنصاف في الغرب كالمؤتمرات المقترنة بجوائز تقديرية دورية.

والحمد لله رب العالمين.

نبيل شبيب

هوامش

(١) – لا يوجد تعريف اصطلاحي متفق عليه لكلمة هوية أو ما يشابهها كالانتماء، وإن وجدت محاولات في هذا الاتجاه، ومنها مثلا حول كلمة الانتماء في موقع “موسوعة ويزي-ويزي”: يُعرف بأنه إعلان الولاء والانتساب والارتباط المباشر بشيءٍ ما، بحيث يكون هذا الارتباط حقيقياً ومباشراً ويخص شيئاً معيناً وواضحاً مثل مكان أو فكر أو عقيدة أو شخص معين، وتختلف طبيعة الانتماء من شخصٍ إلى آخر باختلاف الظروف واختلاف شخصية الفرد، ويعني الانتماء أيضاً التمسك بشيءٍ ما وإعلان الثقة التامة فيه والحفاظ على الاتصال به وجدانياً ومعنوياً وفكرياً وواقعياً أيضاً بحيث يتم تعزيز الصلة بين الفرد والشيء الذي ينتمي إليه سواء كان هذا الانتماء للعشيرة أم للوطن أم للأهل أم لدين معين

http://weziwezi.com/ما-هو-الانتماء/

ويمكن الاطلاع على بعض الكتابات الحديثة تحت عنوان الهوية في موقع “موضوع”:

– محمد أبو خليف – تعريف الهوية – ١٢/ ٢/ ٢٠١٨م:

https://mawdoo3.com/تعريف_الهوية

– مجد خضر – مفهوم الهوية – ١٣/ ٢/ ٢٠١٨م:

https://mawdoo3.com/مفهوم_الهوية

– غادة الحلايقة – مفهوم الهوية في الفلسفة – ١٣/ ٢/ ٢٠١٨م:

https://mawdoo3.com/مفهوم_الهوية_في_الفلسفة

(٢) – المنطلق الحضاري هو الغالب على الجغرافي في منظور الدراسات الغربية لتعريف الغرب، وهذا ما تشير إليه مقولة هينينجتون المعروفة بشأن صراع الحضارات، ومن المصادر لذلك أيضا:

“الغرب” بقلم ريكاردو رافاج:

https://d-nb.info/1036229815/34

Bavaj, Riccardo: “The West”: A Conceptual Exploration , European History Online, Mainz: Institute of European History, 2011

(٣) – حول الفلسفة وإشكاليات تتعلق بها انظر للكاتب “تحرير المعرفة“، كتيب نشر على حلقات في موقع إسلام أون لاين/ القاهرة عام ٢٠٠٨م، ثم في صيغة كتيّب شبكي في موقع مداد القلم عام ٢٠١٧م

(٤) – لا يهبط ذلك بمكانة أرسطو الفلسفية، إنما لا ينبغي تمييع نظرته إلى الديمقراطية في كثير من الكتابات الفلسفية العربية، ومثال ذلك: (ومع ان ارسطو حذّر من ان يتحول الحكم بالشعب إلى حكم الغوغاء، هو ذكر دائما “انه من مصلحة النظام الديمقراطي لجميع المواطنين ان ينتخبوا القضاة واستدعائهم للمساءلة”. في الحقيقة، هو تحدث عن “موافقة المحكوم” (١٣١٨ب) وهو الخط الفكري الذي استنسخه لاحقا توماس جيفرسون في اعلان الاستقلال الامريكي) كما ورد بقلم حاتم حميد محسن في شبكة النبأ المعلوماتية في ١١/ ٢٠١٦م:

https://annabaa.org/arabic/authorsarticles/8330

والأشد من ذلك الاستناد إلى أرسطو وأفلاطون لتبرير منع “الجمهور” في بلادنا من المشاركة في “الديمقراطية”.. ومثال ذلك مقالة بعنوان “خواطر ديمقراطية: من أفلاطون وأرسطو إلى حسن شحاتة” بقلم أحمد يوسف أحمد في “جريدة الشروق”، ١ / ٧ / ٢٠٠٩م

(٥) – ميشيل فوكو، فيلسوف فرنسي، مصنّف بين فلاسفة ما بعد الحداثة، وكان يرفض هذه التصنيف وسواه، عرف بنقده للحداثيين، وتوفي عام ١٩٨٤م، إنما لا ينبغي إغفال أن ما يقصده بكلمة أغلال أو سلاسل يذهب بعيدا عن مفهوم الحرية المعنوية إلى مفهومها الغربي الإباحي، وقد كانت وفاته بمرض “الإيدز” قبل أن يُكتشف المرض علميا ويتسع انتشاره. ويمكن الرجوع إلى ما تعنيه الأغلال، أو السلاسل والأغلال، فلسفيا لتقييد العقل “التنويري” إلى الكاتب العلماني هاشم صالح في مقاله (حلقتان) ” الفلسفة الغربية في ختام القرن العشرين وبدايات الواحد والعشرين/ مرور ٢٤ سنة على وفاة ميشال فوكو” يوم ٨ / ٧ / ٢٠٠٨م في موقع “الأوان”:

https://www.alawan.org/2008/07/08/مرور-24-سنة-على-وفاة-ميشال-فوكو3-الفلسفة-ا/

(٦) – أشهر فلاسفة تبني الصراع حديثا فريدريك نيتشه المتوفى ١٩٠٠م عن ٥٦ عاما، بعد إحدى عشرة سنة من معاناة “الجنون”، انتقد معظم الاتجاهات الفلسفية، واشتهر من خلال كتبه العديدة وأبرزها “هكذا تكلم زرادشت”. أما العنصرية فلا توجد فلسفة قائمة بذاتها تتبناها، إنما يعتبرها كثير من العلماء ممّا تفرع عن التصورات والشطحات الطبقية والقومية العرقية، ويمضي الكاتب علي هادي اليامي شوطا أبعد فيرى العنصرية متغلغلة في المسار التاريخي للفلسفة الغربية نفسها، كما جاء في مقالته “العنصرية في الفلسفة” في مدونته بتاريخ ١٠ / ١٢ / ٢٠١٧م:

http://prom2000.blogspot.com/2017/12/blog-post_10.html

(٧) – يتميز الطرح الإسلامي بأن أداء الحق الفردي لصالح الطرف الأضعف هو واجب جماعي على الطرف الأقوى.. ولهذا يوجه الخطاب إلى أرباب العمل بأداء أجر العامل وتثبيت أن “الزكاة” حق معلوم في مال صاحب الثروة، وهكذا.

(٨) – انظر روجيه جارودي، “حفارو القبور – الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها”، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى ١٩٩٩م.
وانظر للكاتب “منهجية الهمجية وقهر الآخر” في مداد القلم،

(٩) تقول مصادر ألمانية إن مارتن لوثر (مؤسس البروتستانتية) هو أول من استخدم كلمة الغرب مقابل كلمة (المشرق) في ترجمته للإنجيل وإن المؤرخ الألماني كاسبر هيديو هو أول من أدخل استخدام الكلمة في كتب التأريخ عام ١٥٢٩م.

https://de.wikipedia.org/wiki/Westliche_Welt

(١٠) – أمثلة: قارة أستراليا إلى اليوم جزء من المملكة المتحدة وتاجها البريطاني. أجرت فرنسا ١٨٨ تجربة نووية بين ١٩٦٦ و١٩٩٦م في (موروروا) جنوب المحيط الهادي وهي من أرخبيل “بولينيزيا” الذي تعتبره أرضا فرنسية منذ الوصول إلى المنطقة بحريا سنة ١٧٦٧م. كذلك تعتبر بريطانيا جزرا تقع جنوب الأرجنتين جزرا بريطانية، ودخلت بذلك في حرب مع الأرجنتين (حرب فولكلاند) سنة ١٩٨٢م.

(١١) – انظر للكاتب “عسكرة الهيمنة الأمريكية“، بحث نشر عام ٢٠٠٤م في جزئين في موقع إسلام أون لاين وموقع شبكة الجزيرة.

(١٢) – لا يوجد في قاموس المصطلحات السياسية تعبير “مصلحة.. مصالح” بالمعاني المتداولة في أدبياتنا السياسية باللغة العربية مثل لغة المصالح، إنما تستخدم في الكتابات العربية أحيانا كلمة “المصالح السياسية” وكأنها “مترجمة” وهي تعني شيئا آخر في أدبيات السياسة الغربية، مثل تأثير مصالح تنظيمات اقتصادية وتجارية على القرارات السياسية، أو تمثيلها للمشتركين فيها كأرباب العمل أو العمال في قطاع اقتصادي ما. وكلمة “Interesse” تعني وفق أصلها اللاتيني “رابطة بينية.. أو مشاركة”، ومن هنا يرد في تعريف الكلمة بصيغتها الألمانية مثلا:

In der Politikwissenschaft verweist die Kategorie Interesse auf ein Ziel oder einen Vorteil, den sich eine Person oder Personengruppe aus einer Sache verspricht oder erhofft. So verfolgen etwa Interessengruppen eigene Ziele, oft wirtschaftlicher Art.

أما في اللغة العربية فتنطوي كلمة مصلحة على معنى “صلاح وإصلاح”، وانظر كمثال مقالة تعريف موجزة بعنوان “مفهوم المصلحة” بقلم عبد الكريم بناني، يوم ٢ / ١٢ / ٢٠١١م في موقع / محرك بحث مغرس:

https://www.maghress.com/almithaq/6318

وورد في لسان العرب: الصَّلاح: ضدّ الفساد، ورجل صالح في نفسه من قوم صُلَحاء ومُصْلِح في أَعماله وأُموره، وقد أَصْلَحه الله، وربما كَنَوْا بالصالح عن الشيء الذي هو إِلى الكثرة.

(١٣) – يعتمد الكاتب فيما يرد عن “البراجماتية” على مراجع أجنبية متعددة، وفي مقدمتها بمحتوى علمي جامع:

“نيلس فروميليوس – Nils Frommelius” و”تيم هابرمان – Tim Habermann“Pragmatismus /- جامعة هاينريش هاينه / دوسلدورف ألمانيا، يمكن الاطلاع على ملخصها في الرابط التالي:

https://user.phil.hhu.de/~petersen/WiSe1415_InfowiColl/Pragmatismus.pdf

(١٤) – مثال: طوال الشهور الأولى أثناء حرب احتلال العراق لم تنقطع المظاهرات المليونية في العواصم الأوروبية، وقد بدأت قبل بدء الحرب، وسجّل الكاتب الأمريكي “باتريك تايلر-Patrick E. Tyler” في جريدة نيويورك تايمس الأمريكية يوم ١٥ / ٢ / ٢٠٠٣م، أن القوى العظمى في العالم أصبحت قوة الولايات المتحدة الأمريكية، وقوة الرأي العام الرافض للحرب في مختلف أنحاء العالم.
مثال آخر: لم تميز المظاهرات المليونية للمسلمين في عدد من بلادنا ضد ما عرف بفيلم “الفتنة” لليميني الهولندي المتطرف جيرت فيلدرز، بينه هو ومؤيديه، وبين معارضيه من السياسيين بمواقفهم الرسمية، والإعلاميين برفض عرض فيلمه كما كان يريد، حتى اضطر إلى عرضه عبر الشبكة على نطاق ضيق يوم ٢٧ / ٣ / ٢٠٠٨م.. ولكن الدعوة الجماهيرية الغاضبة لمقاطعة هولندا عموما، ساهمت دون قصد في زيادة عدد مؤيديه بدلا من دعم الرافضين داخل بلده.

(١٥) – تم توثيق المؤتمر بمحاضراته وحواراته في كتاب من جزئين يحمل العنوان نفسه “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان..” إصدار “عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية”، القاهرة، الطبعة الأولى، ٢٠١١م.

(١٦) – يوجد الكثير باللغة العربية مما كُتب حول الجانب النظري والفكري للإنسان وحقوقه في الإسلام، إنما قليلا ما انعكس في مناهج ومواقف وسياسات من جانب التنظيمات والجماعات في الواقع العملي. وهذا مما تطرحه (منذ ١٩٩٢م، ولم يتبدل الوضع) مقدمة كتيب “حقوق الإنسان في الفكر السياسي الغربي والشرع الإسلامي – دراسة مقارنة” بقلم د. محمد أحمد مفتي ود. سامي صالح الوكيل، دار النهضة الإسلامية، بيروت.

إغلاق