خواطر – المحرومون من الاعتكاف

الانقطاع عن بعض ما في الدنيا لعبادة مليك الدنيا والآخرة

الاعتكاف إذا أدركنا بعضا من حكمته، ووضعناه في موضعه، كان معلما لنا لعطاء بلا حدود، وعمل صالح بلا انقطاع

ــــــــــ

(يتجدد نشر هذه الخواطر من عام ١٤٢٧هـ لعل فيها تذكيرا لبعضنا بسنة الاعتكاف وبقابلية تطبيقها في البيوت في هذا العام، إذ يبدو أن جائحة كورونا حرمت من كان يحافظ عليها في المساجد، والله يعوضهم من فضله، ولعل الجائحة أعطت أيضا فرصة للتذكير بالاعتكاف في البيوت وتجديد ما انقطع من العلاقات المفروضة بين أهل البيت الواحد، ولكن ماذا عن المحرومين من سنة الاعتكاف من قبل ومن بعد؟ نسأل الله العفو والعافية)

إذا كان من جوانب الحكمة والفائدة من صيام رمضان أن تأخذ المعدة قسطها من الراحة فيما يشبه إجازة عملية سنوية مجدّدة للنشاط، فإن سنة الاعتكاف أقرب إلى فترة إجازة نفسية مشابهة، تفتح أمام المسلم باب الخروج من الحياة الدنيا ومشاغلها ومشكلاتها، مقبلا على خالقه وخالق الدنيا، فيستمد منه المزيد من الزاد لمتابعة رحلته فيها إلى يوم الأجل المكتوب. أليس هذا بعض ما نفهمه من قوله عز وجل {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}؟

في الاعتكاف، إذا اكتملت شروطه وأجواؤه وصدقت النية في الإقبال عليه، يجد العبد نفسه فردا بين يدي الله تعالى، ليس بينه وبين الله وسيط، ولا يحجبه عنه مخلوق، خلقه فردا مسؤولا وسيأتيه يوم القيامة فردا، فيجدد العبد المعتكف إيمانه بالله، الخالق القادر المهيمن على كل شيء، فمنذا الذي يستحق أن يخشاه أو يحسب له حسابا من دون الله؟
وهل يضيره أن ينقطع أياما أو ساعات كل عام، عن طلب الرزق والمال، وهو إنما ينفذ بذلك سنة من السنن كما أرادها الوهاب الرزاق، مالك الدنيا وما فيها ومن فيها؟
بل لا يُنقِص الاعتكاف شيئا من القسط المقدر للعبد تحصيلا للعلم والمعرفة، أن يجعل من تلك الليالي المعدودات لياليَ عبادة، صلاة وقياما وتلاوة وذكرا، فسيخرج منها بصفاء عميق وطاقة أوفى وقدرة أكبر على طلب العلم والمعرفة، يفوق ما كان يعرفه عن نفسه قبل الاعتكاف.

الاعتكاف إذا أدركنا بعضا من حكمته، ووضعناه في موضعه، ولم نظلم أنفسنا قبله بقصور وتقصير، ولا بعده بقعود وخمول، كان لنا أحدَ تلك المنابع التي جعلها الله تعالى مصدرا من مصادر الطاقة الإيمانية الأشبه بالمعجزات، تعطي بسخاء لا حدود له، وتدفع المؤمن إلى عمل لا ينقطع، ودأب لا يفتر، وهمة لا تضعف، وارتباط به جل وعلا، تضمحل في ظله سائر الارتباطات بسواه، في ميادين الرهبة والرغبة سواء، وتتصاغر جميع العراقيل على طريق الدعوة والعمل في سبيله، كيف لا والعبد على يقين أن رب الأرباب معه.

هذا مما يثير في النفس إحساسا عميقا بالأسى على المحرومين من نعمة الاعتكاف!

لا يسري ذلك على فريق ممن نذروا أنفسهم لأعمال لا تحتمل أن يتركوها ولو لبضعة أيام أو ساعات، كمن يقوم على مريض يحتاج إلى رعاية، أو مسن يحتاج إلى معونة، أو على شأن من شؤون الناس ائتمنوه عليه، أو سوى ذلك من المهام التي يجب أن تجد دوما من يؤديها لتستقيم الحياة في المجتمع، فهؤلاء جديرون بصادق الامتنان وأحسن الدعاء، أن يضاعف الله تعالى لهم الأجر في الدنيا والآخرة، وأن يعوضهم بما يستحقون عن حرمانهم من نعمة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.

إنما المحروم من حرم نفسه بعذر من الأعذار لا يصمد طويلا عند النظر فيه، وقد يكون من قبيل خداع النفس، إذ يوهمها باستحالة أن يدع ما بين يديه من شؤون الدنيا والدين، ليعتكف منقطعا عن الدنيا ما استطاع إلى ذلك سبيلا، إذا كان موقنا أن الدنيا وما فيها تأتي وتمضي بمشيئة ملك الملوك.

إن للدنيا عبئا على النفوس يزداد ثقله كلما ازداد الاستغراق فيها، ومن دواء المصاب بها الاعتكاف، وإن للشيطان فيها مداخل منها ما يوهم الساعي لها بأن عمله فيها لله، فلا ينبغي أن يقطعه للاعتكاف وإن كان من عبادة الله وبأمر من الله، وإن للنفس في رمضان وقد صُفدت الشياطين، أبوابا مماثلة فإذا ران الوهن على قلب من القلوب صعب على صاحبه التخلص منه، فيزداد بعدا عن طلب الشفاء مما ران على قلبه، وإن الاعتكاف سبيل من سبل الرحمن للشفاء.

أولئك المحرومون من الاعتكاف هم من يستحقون الأسى، كما يستحقون الدعاء، أن يستعيدوا فيما بقي من رمضان القدرة على رؤية دينهم ودنياهم بصورة متوازنة متكاملة كما أرادها الله عز وجل، فلا يكون فيها أمر على حساب آخر، ولا شأن يشغل عن شأن، وسيجدون آنذاك العون من الله تعالى، ويستشعرون -ولو في بضع ساعات- حلاوة الانقطاع للصلة به عز وجل، وما يصنعه ذلك في نفوسهم وحياتهم من تغيير يصاحبهم مفعوله من رمضان إلى رمضان عبر شهور السنة.

نبيل شبيب

إغلاق