تحليل – تحديات كورونا عالميا

بين كارثة بشرية وبذور ثقافة إنسانية

الطريق الطويل أوله خطوة، والتغيير الكبير أوله خاطرة

ــــــــــ

ليس الحديث هنا عن وباء / جائحة كورونا نفسه، ولا التعامل معه، فهذا شأن المتخصصين بامتياز، ولا يكاد يوجد جانب من جوانبه إلا وأشبع بحثا وكلاما، توعية مفروضة وضرورية من جانب المتخصصين وقدرا لا بأس به من إثارة البلبلة والفزع ونشر الخزعبلات من جانب متطفلين، يمارسون هواياتهم دون علم يكفي أو تفكير يهدي، وهذا ما لا ينبغي في الأصل أن يصدر عن شخص عاقل في الظروف الراهنة، وعلى وجه التخصيص لا ينبغي أن ينزلق إلى ذلك مسلم يعلم أن الكلمة مسؤولية شخصية، ابتداء من التحقق من سدادها ومن مصدرها، وصولا إلى المشاركة في المسؤولية عن مصائر من تصل إليهم ويتأثرون بها.

متغيرات سلبية

الحديث هنا خواطر مبدئية حول ما يمكن رصده على وجه التعميم من تأثير الفترة الأولى لانتشار الوباء على الأوضاع العالمية، ولا أحد يستطيع التنبؤ بالحصيلة ومتى تستقر.
توجد معالم تغيرات في العلاقات الدولية، وأول ما يلفت النظر بدء انتشار الكلام عن أن “الفيروس” بدأ يغير ما كان راسخا منها لزمن طويل. هذا وكان يوجد من يتحدثون عن “تغيير حضاري محتمل” من حيث لا يحتسبه المهيمنون على مفاصل صناعة القرار بالقوة المادية، وهؤلاء يواجهون الاتهامات بفكر المؤامرة أو على الأقل بالسخرية، وهو رد فعل مفهوم عند ربطه بانتشار الرهبة في نفوس كثير منا، تجاه ضخامة الشبكات والأنظمة القائمة على ضبط الميادين الصحية والغذائية والمالية والاقتصادية والإدارية في أكثر الدول تقدما وتطورا واعتدادا بالنفس.
جميع تلك الشبكات لم يصمد أمام الفيروس الجديد منذ بدايات انتشاره إلا بنسب مئوية محدودة، حتى أصبح رجاء المتفائلين أن يكفي ذلك للحفاظ على نسبة الضحايا إصابة وموتا دون مستوى إبادة جماعية تتوزع في أنحاء العالم، وربما صمد بعض الهياكل أيضا في الحفاظ على قليل من شروط أولية لاستئناف الحياة الاقتصادية والمعيشية بمستويات أدنى مما كان عليه، فلا أحد من الخبراء ينتظر أن تعود الأوضاع العالمية الراسخة بقوة تعادل ما كانت عليه حتى نهاية ٢٠١٩م، رغم تحرك المصارف المركزية الكبرى، والحكومات ذات القدرات الضخمة، وبلغ ما يجري ضخه في عروق البنية الهيكلية للمدنية المادية البلايين أو ألوف المليارات بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث.
لقد بدأ تبدل معايير القوة والضعف وبالتالي ما استقرت عليه موازين الهيمنة والتبعية، وعلى جميع الأحوال لم يعد يقتصر الحديث عن مفعول الخوف والردع والترهيب عبر عدد الرؤوس النووية وأنظمة التوجيه الإلكترونية لأسلحة التدمير الفتاكة، بعد أن ظهرت لأول مرة هشاشة بنية القوة المادية الاقتصادية ومعيار نمو أرباح الشركات العابرة للقارات.
بالمقابل: بعد اقتحام فيروس صغير لا يُرى بالعين المجردة كافة الحدود والحواجز النوعية والمكانية وحتى الزمانية، لا يُستبعد أن يتحول السباق على التسلح من ميادين “قوة التفجير ودقة التوجيه” التي كانت ولادتها الأولى مع اختراع نوبل للديناميت، إلى ميادين “الرعب والردع الحيوي / البيولوجي” من جانب من لا يتصورون التخلي عن سلاح قاتل فتاك وهمجي، حتى وإن استهدف أسس الحضارة والمدنية البشرية، كما يمكن أن يؤخذ من إطلاق الاتهامات الطائشة والمتبادلة على أعلى مستويات السلطة السياسية، وبالذات الأمريكية والصينية، بشأن انتشار / نشر فيروس كورونا المتطور / الجديد.
ومنذ حقبة زمنية طويلة كانت صناعة / ذريعة ما يوصف بالإرهاب المنظم وكذلك -من قبل ومن بعد- واقع “هوة الفقر والثراء، واختلال موازين العولمة، وتفاوت الانفجار السكاني، وموجات التشريد واللجوء” في مقدمة التعليلات لتصرفات غير إنسانية ولا حقوقية، مثل إغلاق حدود “العالم الحر المتحضر” وتحصينها، واستخدام العنف المفرط للحيلولة دون أن يؤثر شيء من ذلك على مستوى الرفاهية داخل القلاع الحداثية، وظهر للعيان عبر وباء كورونا أن للخطر المقصود مصادر أخرى لا ترى بالعين المجردة، ولا ينفع معها حظر ولا تحصين كما يجري جنوب أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ولا حتى استخدام القوة المفرطة بأسلحة فتاكة (كما يجري هذه الأيام من القرن الميلادي الحادي والعشرين على الحدود الأوروبية / التركية / السورية).

مؤشرات إيجابية

عايشنا ونعايش درجات مذهلة من موات ما يسمى الضمير الإنساني تجاه مآس كبرى متتالية تصنعها جرائم متواصلة ضد الإنسانية، من مستوى المشاركة في صنعها أو تجاهلها، وعلى خلفية ذلك من المبكر القول بظهور موجة أو موجات من التفاعل الإنساني قيميا وأخلاقيا تحت تأثير الجوانب المأساوية البشرية الجديدة نتيجة انتشار الوباء في مجتمعات “مستقرة” بغض النظر عن سلبيات الحياة المادية والعلاقات الاجتماعية فيها.
ولكن توجد بعض المؤشرات الصغيرة مبدئيا، ليس من جانب صناع القرار بالضرورة، ومنهم من لم تقف “الجنود الفيروسية” خارج أبوابهم، ولكن على مستويات شعبية عامة، وهي مؤشرات قليلة لا تلفت الأنظار كثيرا، ومحدودة الأثر على قدر إمكانات أصحاب المبادرات المقصودة والمتجاوبين معها، ولكنها مع بعضها بعضا تشير إلى بعض المراجعات الذاتية لموقع القيم والأخلاق والعلاقات الاجتماعية الإنسانية في نطاق الحياة الحديثة، بعد ما يمكن وصفه بغسيل الدماغ على امتداد زمن طويل وبوسائل شتى، حتى أصبح من البدهي الحديث عن انعدام مفعول الأخلاق والأديان في صناعة القرار السياسي، أوعن اعتبار المنافع الأنانية الشخصية مصالح مشروعة، أو عن اعتبار الصراع بمختلف أشكاله هو الوسيلة لتحصيل الحقوق وبالتالي سدّ الأفق أمام من لا يملكون القوة المالية وسواها لتحصيل حقوقهم المشروعة.

بالمقابل: كانت توجد على الدوام صور مأساوية فردية، معروفة ولا يستهان بنسبة انتشارها وإن بقيت أخبارا جانبية في الإعلام الحديث، وهي مما يرصده من يعيشون منذ فترة طويلة في المجتمعات الغربية، ومع انتشار الوباء وما صنعه من مآس فردية أيضا، بدأت صيغة ما لمراجعة اجتماعية لها. ويكفي مثال واحد لبيان المقصود مع تجنب الإطالة.

كانت تنتشر أخبار من قبيل موت فلان أو فلانة داخل المنزل، وعدم اكتشاف ذلك إلا بعد أن تفوح الروائح من الجثة وتتسرب من نافذة أو باب ما، وكان تعليل ذلك -دون استغرابه- هو أنه من نتائج حالات الوحدة الانعزالية، والحياة الانفرادية، وضعف العلاقات الاجتماعية بما فيها العائلية.
وخلال الشهور الأولى من انسياح إصابات كورونا عالميا وإجراءات منع التجول وتحول المساكن إلى زنازن انفرادية لكثير من المسنين، بدأت تنتشر مبادرات فردية وجماعية غير رسمية للتواصل مع هؤلاء لتأمين احتياجاتهم من جانب من يستطيع التحرك ضمن حدود التعليمات.

كما يلفت النظر في كثير من الاستطلاعات الإعلامية العشوائية في بلدان أوروبية أن العامة ممن تشملهم الأسئلة ينوّهون فعلا إلى أن وباء كورونا والتعامل معه وما كشفه من واقع اجتماعي، يمكن أن يعيد المجتمعات الغربية إلى التطلع لاستعادة موازين القيم والأخلاق والعلاقات الإنسانية إلى موقعها الذي سبق تغييبها عنه منذ زمن طويل.

هو مجرد مؤشر، أو بصيص ضوء، ولكن قد يزداد انتشاره ويرتفع مستوى مفعوله، وكما يقال إن الطريق الطويل أوله خطوة، يمكن القول إن التغيير الكبير أوله خاطرة.

نبيل شبيب

إغلاق